دلالات من دبيّ
د. بثينة شعبان
في الملتقى الاستراتيجي بعنوان "المنطقة في 2020" الذي عقد في دبيّ، كنتُ في جلسة واحدة مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت و التي جمعتني بها مودة سابقة و احترام متبادل. و بينما كنا ننزل درجات المنصة في انتهاء الجلسة هَمسَت في أذني "كنتِ قاسية" و فهمت من عبارتها أحد أمرين إما أنني كنتُ قاسية عليها أو أنني كنتُ قاسية على الولايات المتحدة و بما أن الصحافة تكاثفت حولنا لم يتح لي الحديث مع السيدة أولبرايت إلى صباح اليوم الثاني حين التقيتها على مائدة الإفطار. إنّ ما ذكرته في مداخلتي هو أن العرب و المسلمين يتعرضون في الولايات المتحدة و أوربا لمواقف تقارب العنصرية حيث يتهمون بسبب لون جلدتهم أو أسمائهم أو دينهم بالإرهاب كما أنهم يتعرضون لمواقف عنصرية في فلسطين و العراق حيث لا يحصي العالم عدد الضحايا من العرب و لا أحد يعلم من هم و ما هي أعدادهم بل يتم ضرب حظر إعلامي على الجرائم التي ترتكب بحقهم و سألتُ السيدة أولبرايت كيف يتوافق الحظر الإعلامي في الفلوجة و غيرها مع حرية الإعلام التي هي من أسس الديمقراطية؟ و اقترحت إتباع استراتيجية تعزل المتطرفين من جميع الأديان و الأعراق و تشكّل تحالفاً بين الشرق و الغرب و بين الغرب و العالم العربي و الإسلامي قائماً على المساواة في الكرامة و العدالة و المساواة بين البشر بغض النظر عن الدين و العرق و اللون.
و افتتحت السيدة أولبرايت جلسة الإفطار بالقول لقد فوجئت بما قلتيه بأن الولايات المتحدة لديها موقف عنصري من العرب والمسلمين و فوجئت أكثر بحرارة التصفيق لما قلتيه و يؤلمني جداً أن أرى الولايات المتحدة بما تمثله من قيم محطّ غضب و كراهية هؤلاء الناس. قلت لها ماذا تسميّ اتهام شخص أو الشك بأنه إرهابي لمجرد أن سحنته سمراء واسمه اسم عربي؟ ما الذي يمكن أن نطلقه على هذا الموقف؟ و الفرق في المشاعر بينكِ و بين من كانوا في القاعة هو أنكِ لا تشاهدي ما تقوم به سياسات و جيوش الولايات المتحدة من احتلال و إذلال و قتل و استهانة و دمار و في كل الأحوال فإن الهدف هو تصحيح هذا المسار الذي يقود باتجاه تصادم الحضارات. و ما لم نتحدث بصراحة مطلقة و نضع إصبعنا على الجرح لا يمكن لنا جميعاً أن نحوّل هذا المسار بالاتجاه السليم و هو عزل دعاة العنف و الإرهاب و تطبيق الشرعية الدولية و مبادئ العدالة و الكرامة و الحرية للإنسان حيثما كان و أيّاً كان. و استغربت من هذه التجربة و من النقاش الذي أجرته معي بعض وسائل الإعلام و خرجت بأمرين اثنين: الأول هو أن ما قلته أُعتبرَ جريئاً رغم أنني لم أتحدث عن عذابات شعبنا وعمّا يحلُّ به يومياً من دمار و احتلال و جرائم حرب يطلق عليها اسم "توغل" و حرب ابادة تسمّى "اقتحاماً" و عقوبات جماعية تنتهك كلّ القوانين و الشرائع الدولية تسمى "عقوبات دولية". و الأمر الآخر هو أن المقارنات التي يجريها البعض بسذاجة أو بخبث بين الجرائم التي ترتكب الآن و الجرائم التي ارتكبها صدام غير مقبولة لأن الهدف المعلن للولايات المتحدة كان تخليص الشعب العراقي من طغيان نظام صدام كما أنّ جرائم قطع الرؤوس و اختطاف الأجانب يعادل في بشاعته هدم المنازل على رؤوس أهليها و قصف مدينة آمنة و قتل العلماء و أساتذة الجامعات و كلا الحالتين إجرام و إرهاب. و الأمر الهام الذي كشفته هذه التجربة هو المدى الذي يسيطر فيه العنصريون المعادون للعرب على أجهزة الإعلام الغربية بحيث حرموا المواطن و السياسي الغربي من المعلومات و الصور و الأخبار الحقيقية عن الواقع الفعلي للممارسات الإجرامية المدانة حكماً من قبل كل الشعوب و الثقافات والأديان.
و بعد يومين فقط من هذه التجربة في دبيّ صدرت دراسة عن مؤسسة "راند" في الولايات المتحدة تعتبر فيها الفكر السائد بين المسلمين من غير العرب أكثر شمولاً من الناحية السياسية و أكثر تقدمية و علمانية من نظيرتها في الدول العربية و إذا لم يكن في هذا موقفاً عنصرياً من العرب لا أعلم بعد ماذا تعني كلمة "عنصرية" ؟ إذ تحكم الدراسة على مئات الملايين من العرب المسلمين بأنهم أقلّ تقدمية و علمانية من المسلمين غير العرب فقط لأنهم عرب، أليس هذا هو التعريف القاموسي للعنصرية؟.
و تدعو دراسة "راند" إلى تحالف إسلامي (غير عربي) مع الغرب من أجل مكافحة الإرهاب فقط لوضع العرب في خانة المؤيدين للإرهاب علماً أنهم مع الشعب الأمريكي هم الضحايا الحقيقيين لأحداث 11 أيلول حيث أتُخذ من هذه الأحداث ذريعة لاحتلال بلدانهم و لقتل أطفالهم و هدم منازلهم و تجريف أراضيهم و خلق استيطان جديد في فلسطين و الجولان كما تمّ خلق الفوضى في أرجاء العراق و نهب تاريخه و قتل علمائه و مفكريه و يتم تهديد السودان و سورية و لبنان إلى درجة أنه يحق لنا أن نفكّر أحياناً أن الهدف الأساسي من أحداث أيلول هو الإجهاز على العرب و أرضهم و ثقافتهم و تاريخهم و دورهم ووجودهم القومي و الدولي.
تزامن نشر توصيات دراسة "راند" مع خبرين آخرين الأول هو أن لجنة من مجلس اللوردات البريطاني اعتبرت احتجاز الأجانب في بريطانيا من قِبلِ الشرطة بموجب قانون مكافحة الإرهاب بدون توجيه تهم لهم أمراً غير شرعي و طبعاً يكون المتهمون عادة من العرب كما اعتبرت اللجنة هذا الاحتجاز منافياً للأسس الديمقراطية و حقوق الإنسان وهذا ينطبق طبعاً على المحتجزين في غوانتانامو و غيرها من سجون الولايات المتحدة و أوربا و إسرائيل داخل هذه البلدان و خارجها في البلدان المحتلة مثل أبو غريب و غيرها و مع ذلك رفض تشارلز كلارك وزير الداخلية البريطاني الجديد الإفراج عن تسعة ممن أسموهم "أصوليين" مع أنهم كسبوا دعوى استئناف قضائية أمام لجنة القوانين في مجلس اللوردات و أسوق هذا كمثل عن أن قوانين الديمقراطية التي يطبقها الغرب على أبنائه لم تعد تنطبق على مواطنيه من أصول عربية و مسلمة، أي أنّ كون المواطن الغربي من اصل عربي أو مسلم يخضعه لممارسات عنصرية تقف على الضّد مما نسمعه عن حقوق الإنسان و الديمقراطية واستقلال القضاء رغم أن مثل هذا الإجراء صادر عن أعلى هيئة قضائية في البلاد.
و مع هذا الخبر أيضاً قرأنا منع فرنسا و الولايات المتحدة لقناة المنار من البث لأنها تنتقد حكومة إسرائيل و منع حكومة الولايات المتحدة إصدار التقرير الثالث للتنمية البشرية الذي كان مقدراً له أن يصدر في تشرين الأول الماضي لأن إدارة بوش اطلعت على توطئته و اعترضت عليها لأنها احتوت على انتقادات قاسية للغزو الأمريكي للعراق و الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة مع أنّ هذه التوطئة تمثل حوالي 10% من التقرير. و يصرّ فريق بوش، حسبما قال توماس فريدمان " على تغيير اللغة التي تنتقد أمريكا و إسرائيل". هذه هي طبيعة المرحلة إذاً يا صديقتي مادلين أن تمارس حكومات الولايات المتحدة و إسرائيل و أي دولة أخرى أسوأ أنواع الدعاية و الممارسات العنصرية ضدّ العرب بينما يتم منع الإعلام و أي مصدر من أن يتحدث عن ذلك. من هنا كانت "قسوتي" لأني لم أراعي هذه المسألة. و أنا أعلم أن السيدة أولبرايت و غيرها الكثيرون من المواطنين الغربيين لا يمكن أن يوافقوا إذا ما علموا على ما يتعرض له العرب و المسلون من جرائم عنصرية و لكننّي أسعدت أيما سعادة بنبض العرب المحتشدين هناك و الذي من الواضح أن الغربيين شعروا به و بخطورته كما أُسعدتُ بنبضهم و هم يحتشدون لسماع الأغاني القومية النابضة بالتفاؤل و الحياة لمارسيل خليفة.
و مرة أخرى بعد الرباط، شعرت في دبيّ و في أبو ظبي و قبلهما في بيروت أن قلب العروبة ينبض بالخير و تأكدت مرة أخرى حقيقة جوهرية ألا و هي أننا بحاجة لأن نفتح قنوات أخرى توصل الصوت العربي و الصورة الحقيقة لما يتعرض له العرب للعالم و علينا جميعاً أن نتحدث بجرأة و شفافية في كلّ مناسبة و أن نسميّ الأشياء بمسمياتها لنقترب من حمل قضايانا المصيرية بالكفاءة و الحرص المطلوبين من كلّ واحد فينا■
20 Dec. 2004