ثقافة السلام بين أفريقيا و الشرق الأوسط
د. بثينة شعبان
تسمّرت أمام الشاشة الصغيرة و أنا أشاهد الأستاذة الكينية، وانكاري ماتاي، تلقي خطبتها قبيل استلامها جائزة نوبل للسلام تقديراً لجهودها في الحفاظ على البيئة و محاربة التصحّر و الوقوف بحزم ضد قطع ملايين الأشجار في أفريقيا. و بهذه الجائزة أُعيد للسلام مفهوم آخر عمل أجدادنا العرب و المسلمون على ترسيخه في أذهان البشرية منذ أربعة عشر قرناً حين كان محمد صلىّ الله عليه و سلّم يوصي جيوش المسلمين "ألا يقطعوا شجرة"، أي مفهوم السلام مع الأرض و الطبيعة و البيئة و الذي هو جزء لا يتجزأ من مفهوم السلام بين البشر و بين الثقافات و الحضارات. و خلال دقائق ثمينة جسّدت ماتاي على شاشات العالم أفريقيا و أحضرتها معها إلى قلوب الملايين بسحنتها السمراء الجميلة و عينيها المشعتين كبرياء و اعتزازاً بشعبها و تراثها و قارتها و لون ثيابها الزاهية التي أتت معها بوهج شمس أفريقيا و عقدة الرأس التي، و لحسن الحظ لم تتخذ عاصمة أوربية قراراً ضدّ وجودها في الجامعات أو المحافل الدولية كرمز غير مرغوب فيه. وسارع الرجال في أفريقيا للتعبير عن سعادتهم بفوز ماتاي التي جعلت كينيا و أفريقيا – نساء و رجالاً – فخورين بمواقفها و دفاعها النبيل عن قضايا القارة السمراء. و في أول ردة فعل لها بعد سماعها بفوزها بالجائزة عبّرت ماتاي عن التصاقها بالأرض و محاكاتها للتربة و الشجر و الجبل حين قالت: " بعد أن سمعت الخبر نظرت إلى جبل كينيا الآمن على مشارف فندق آوتسبانز في نايري كنت أجلس و الجبل المسكين حيث كان أجدادنا يتعبدون كان يقول لي "شكراً لمساعدتك". و ماتاي التي تشغل منصب نائب وزير البيئة في كينيا و التي عرفها شعبها باسم "ماما ميتي" أي "أمّ الأشجار" هي أول امرأة أفريقية تنال جائزة نوبل للسلام و هذه هي المرة الأولى التي تعطى جائزة نوبل للسلام بمعنى السلام مع البيئة و الثقافة و التاريخ و الهوية، و لا شك أنه مفهوم هام جداًَ للسلام شدّ ما تحتاج إليه مناطق النزاعات و الحروب و في مقدمتها منطقتنا نحن في العالم العربيّ.
و في تقديم ماتاي لاستلام الجائزة قال رئيس لجنة نوبل أول جوي "بأن جذور الصراعات في الشرق الأوسط و دارفور تكمن في التنافس على الموارد الطبيعية و لذلك أصبحت حماية البيئة طريقاً آخر للسلام. فهناك علاقة بين السلام من جهة و بين البيئة من جهة أخرى حيث يكون الصراع على المصادر القليلة مثل النفط و المياه و المعادن" و يضاف إليهم في فلسطين و العراق الصراع على الهوية و التاريخ. و أكدت ماتاي مؤسسّةُ الحزام الأخضر في أفريقيا على هذا المعنى للجائزة و علاقنه بالسلام و الديمقراطية حين قالت في كلمة قبولها الجائزة: "لا يمكن أن يكون هناك سلام دون تنمية متوازنة و لا يمكن أن تكون هناك تنمية دون إدارة مستدامة للبيئة في فضاء آمن و ديمقراطي. لقد حان الوقت لتثبيت هذا المفهوم الجديد".
و بهذا المفهوم بالذات شعرتُ أنّ وانكاري ماتاي تستلم جائزة نوبل للسلام نيابة ليس عن أفريقيا فقط و نساء أفريقيا و إنما بالنيابة أيضاً عن نساء فلسطين اللواتي ما فتئن منذ عام 1948 يزرعن أشجار الزيتون بينما تعمد الأيادي الطامعة في خيرات فلسطين إلى اقتلاع هذه الأشجار و إلقاء السموم في آبار الشرب و تجريف الأراضي الزراعية و هدم المنازل و تدمير التاريخ و الجغرافيا و قطع أوصال البيئة و الحياة الآمنة التي مازال هذا الشعب يطمح إلى تحقيقها رغم كلّ الحملات الظالمة ضد أطفاله وشبابه و نسائه. فكم شاهدنا على شاشة التلفاز امرأة فلسطينية تبكي أشجار الزيتون التي يقتلعها جنود الاحتلال الإسرائيلي أمام عينيها و كم شاهدنا رجالاً و نساءً في الضفة الغربية ينضحون ألماً لأنّ قوات الاحتلال منعتهم من قطاف موسم الزيتون و الذي يشكّل غذاء أساسياً لهم في فضاء تسدّ قوات الاحتلال سبل العيش و الاستمرار للسكان الأصليين لتأتي مكانهم بمستوطنين يغيّرون الواقع على الأرض ثم تزحف القرارات السياسية لتتلاءم مع الواقع الجديد و تتناسى حقوق الناس الأصليين في ديارهم وبيئتهم و مصادر عيشهم و ثرواتهم.
لقد أثبت التاريخ في كلّ زمان و مكان أن التنمية و الديمقراطية لا يمكن أن تتعايشا مع الاحتلال و الحرب و الصراع فلماذا يضيع الآخرون سنوات ٍ من عمر منطقتنا في أحاديث منافقة عن الديمقراطية و حقوق الإنسان بينما يجثم الاحتلال ثقيلاً على الأرض العربية في فلسطين و الجولان و العراق و يتم قتل الأطفال في اليوم العالمي لحقوق الإنسان كما قتلت الطفلة الشهيدة رانيا صيام ذات السبع سنوات و التي قتلها جنود الاحتلال و هي تتناول طعام الغداء في دارها في خان يونس بعد أن اعتنق الجيش الإسرائيلي مفهوماً مفاده أن كلّ فلسطيني أو فلسطينية هو قنبلة موقوتة و هو التعبير الآخر لشنّ حرب إبادة على الفلسطينيين من أجل الاستيلاء على أرضهم و ثرواتهم و تاريخهم. و ما يتكشف من مشاريع استيطانية في الجولان السوري المحتل يُري أن المخطط هو للسيطرة على الأرض و المياه و أن ذرائع محاربة الإرهاب و صدّ العنف أصبحت حججاً واهية لاستعمار استيطاني مقيت يشكّل النقيض الحقيقي و الواضح لمعاني التنمية و السلم و الحرص على البيئة و التي اعتبرت مكوناتٍ هامةً للسلام في جائزة ماتاي. وإن كلّ التهويش ضدّ الإسلام و المسلمين ما هو إلا محاولة للفت الأنظار عن حقيقة ما يجري تحت الاحتلال ألا وهو استلاب للهوية و التاريخ و الطبيعة و مصادر الثروات بحجة محاربة التطرف و الإرهاب، الأمر الذي أنعش التطرّف و الإرهاب في مناطق مختلفة في العالم.
و حين سُألت ماتاي في مقابلة أخرى لماذا وقفت ضدّ بناء أبنية طابقية رغم أن مثل هذه الأبنية تشكل تقدماً في أفريقيا قالت ماتاي: "إن نظام المياه لدينا لا يسمح بمثل هذه الأبنية، و ليست الأبنية التي تشكل تقدّماً بل نوعية الحياة و لا بدّ لنا نحن من أن نقرّر ما هي نوعية الحياة التي تشكّل تقدماً بالنسبة لنا بدلاً من الصفقات الجاهزة التي يأتي بها البعض إلينا دون دراية بطبيعة حياتنا و أولويات هذه الحياة". و أضافت "أنّ الثقافة الأفريقية المتوارثة هي التي تشكّل قاعدة أساسية لثقافة السلام، السلام مع الأرض و البيئة و الإنسان و الأخلاق". و هنا أيضاً شعرت أن ماتاي تمثلنا نحن في العالم العربي و الإسلامي الذين نسعى جاهدين للحفاظ على ثقافة الآباء و الأجداد و هي ثقافة سلام و محبة و تعايش و أمان في وجه حملة تدّعي أنها تروّج للديمقراطية و الحرية بينما تنهال على مرتكزات ثقافتنا و بيئتنا ومصادر ثرواتنا و أخلاق أجدادنا و ديننا تشويهاً و تنكيلاً فكيف تستقيم الديمقراطية و الحرية مع الاحتلال والاغتصاب و الاستعمار و الاستيطان بكلّ ما يمثله ذلك من هدر للكرامة الإنسانية و اعتداء على حقوق الإنسان؟ إن ثقافة السلام التي عاشتها منطقة الشرق الأوسط منذ مئات السنين هي التي أدّت إلى تمازج الثقافات و المعارف في مشهد إنساني حضاري رفد الإنسانية بأبجديتها و بجزء كبير من علومها و فلسفتها بينما ترد اليوم الحملات المروّجة للديمقراطية لتحدث الفرقة و الانقسام و تصنّف هذا التشابك و التمازج الجميل إلى أعراق و أديان و طوائف و لتقطع أوصال التلاحم بين الإنسان و بيئته و ثقافته و هويته و الحلّ هو في أن نطبّق على الشرق الأوسط مفهوم السلام الذي استحقت وانكاري ماتاي جائزة نوبل من أجله، السلام مع أشجار الزيتون و النخيل و السلام مع آثار نابلس و بابل و نينوى و السلام لأطفال فلسطين و العراق و الجولان و السلام للنساء الحالمات بإغفاءة على تراب الوطن المقدّس بعيداً عن إذلال الاحتلال و هدره للكرامة و اعتداءه على أمن الإنسان و سلامه مع أسرته و مجتمعه و بيئته و تاريخه■
13 Dec. 2004