بعيداً عن التشويه وخلط المفاهيم والقيم
د. بثينة شعبان
حين زرت قبيلة الطوارق أواخر الثمانينات وعشت بين ظهرانيهم لمدة من الزمن، وهي
القبيلة التي تمسكت بالعادات والتقاليد الإسلامية العربية منذ عهد الرسول الكريم
(صلى الله عليه وسلم)، فوجئت بالمستوى الحضاري الرفيع لكل المنظومة الأخلاقية التي
تحكم عادات وتقاليد وسلوك أفراد هذه القبيلة بشكل عام، وبمستوى الرقيّ والتكافؤ
الذي يسود العلاقات بين الجنسين بشكل خاص. وعلى سبيل المثال لا الحصر، عبّر لي بعض
رجال القبيلة عن الدهشة التي أصابتهم لدى احتكاكهم الأول بالحضر ومعرفتهم أن هناك
رجلاً يضرب امرأة أو زوجاً يهين زوجته. ودون طول عناء تكتشف المكانة التي تحظى بها
المرأة في هذا المجتمع الذي يبدو من الخارج أنه بدائي وبسيط. فما أن دخلت إلى الخيمة
حتى غادرها رجلان ليجهزا لنا الشاي ويقدماه لنا، بينما تصدرت النساء صدر الخيمة
يتجاذبن أطراف الحديث معي، ولو أنّ الضيف حلّ على الرجال لقامت المرأة بمهمة تقديم
الشاي كي تسمح للضيف بالجلوس مع المضيف الذي يرغب في التحدث إليه. وحين وصلَتْ إلى
الخيمة امرأة طاعنة في السن تحمل رزمة من الحطب الذي جمعته من أجل الوقود، سألتها:
لماذا لا يساعدك الرجل على ذلك: فأجابت بكل عفوية وبساطة: «الرجل مخلوق ضعيف ولا
صبر لديه للقيام بأعمال كهذه». وفي التحكم بأخلاق الأجيال ومستقبلها ترعى امرأة
طاعنة في السن علاقات جيل الشباب وتقدم لهم المكان والحماية للتعارف، ومن ثمّ تشرف
على إتمام مراحل الزواج بعد التعارف بين الجنسين. وإذا ما حصل الطلاق لأسباب صعُب التغلب
عليها، أقامت العشيرة حفلة تكريمية للمرأة المطلقة، وأتوا إليها بهدايا الفضة كي
يعلنوا للعشيرة أن المرأة لم تعد ملتزمة بعلاقة زوجية، وكي يساعدوها على التغلب
على ما يتركه الطلاق من آثار نفسية عليها. وحتى حين وصل الغازي الأجنبي إلى حدود
القبيلة عام 1905، أي بعد سبعين سنة ونيّف من احتلال الجزائر، أخذت النساء يقرعن
الطبول خارج الخيم ليتأكدن من أن رجلاً ما لن يتخاذل ويجبن ويبقى في خيمته، وحتى
إذا فعل أحد ذلك، فسوف يصبح محطّ احتقار الجميع، وبذلك تضمن المرأة أن الرجال
جميعاً قد هبّوا للذود عن القبيلة وشرفها.
وجدت من الضروري العودة إلى هذه الصورة للعلاقة بين الجنسين، والتي تبدو أنها كانت
هي السائدة في صدر الإسلام، ولنا أن نتذكر أن الرسول الكريم تزوج سيدة
أعمال معروفة في ذلك الوقت، تكبره بخمسة عشر
عاماً. ها نحن اليوم في القرن الواحد
والعشرين نبدأ للتوّ في السماع بمنظمات سيدات الأعمال في العالم العربي، وكأن عمل
المرأة في مجال الأعمال بدعة غربية لا أساس لها في مجتمعاتنا وتراثنا وثقافتنا.
المشكلة الأساسية التي تعاني منها المرأة العربية اليوم ناجمة عن الانقطاع عن
التراث والهوية، وتحكم مجموعات غير متنوّرة في وضع قوانين الأحوال الشخصية في معظم
الدول العربية، وعدم الاعتماد على التيار الأساسي الذي ساد في المجتمعات العربية
الإسلامية، والذي اعتبرت فيه المرأة دائماً صنواً للرجل تتمتع بحقوق متكافئة من
دون السعي إلى التشابه والمطابقة. والمشكلة الأخرى هي أن الاستقلال الوطني الذي
حظيت به الأقطار العربية في النصف الأول من القرن العشرين، شهد حكومات تجاهلت كل
نضالات المرأة إبان الاحتلال وكلّ عطاءاتها، كما تجاهلت النصوص القرآنية الواضحة
التي تحفظ للمرأة مكانتها وحقوقها، وبنت قوانين الأحوال الشخصية على مزيج من الجهل
للتوارث ومشاعر التفوق الذكوري الذي كان سائداً في الغرب في ذلك الوقت.
ولذا ننظر اليوم في الوطن العربي إلى الثلث الأول من القرن العشرين وكأنه عصر
النهضة بالنسبة لحقوق المرأة ومكانتها. فقد كانت تقف جنباً إلى جنب مع الرجل في
الجزائر وسوريا ومصر، تذود عن الوطن بكل الوسائل والأساليب الممكنة، كما كانت
تشارك في الحياة الثقافية والصحافية والفكرية والاجتماعية. ولكن في الخمسينات، ومع
تتالي الحركات الانقلابية على حكم بعض الأقطار ووجود حكومات محافظة في أقطار أخرى،
أبعدت المرأة العربية عن مراكز اتخاذ القرار، لأن العمل السياسي تحول من نضال من
أجل التحرير والاستقلال وبناء مجتمع عصري، إلى صراع على اغتصاب السلطة والقوّة
والثروة. وهنا اتجهت المرأة إما إلى رفض دخول اللعبة وفق هذه الشروط، كما حدث في
الجزائر، وإما أنها ناضلت ولم تتمكن من تغيير قواعد اللعبة السياسية، كما حدث في
سوريا، رغم وعيها بهذه القواعد. وفي بلدان أخرى استخدمت ضد المرأة كافة أنواع
القمع. وبدأت المرأة في النصف الثاني في القرن العشرين من الصفر مرة أخرى في معظم
البلدان العربية. وأصبح تعيين وزيرة للثقافة في العراق ومن ثم في مصر خرقاً ثورياً
للعادات والتقاليد. وأصبح وجود «وجه نسائي» ضمن التشكيلات الحكومية جزءاً من
البروتوكول الرسمي للأنظمة. ولعب الإعلام الغربي ومدارس الاستشراق دوراً هاماً في
تغذية هذه النظرة الرسمية العربية المتسمة بالدونية للمرأة العربية، وإظهار هذا
الموقف الجاهلي وكأنه جزء لا يتجزأ من الدين الإسلامي والتاريخ العربي. وأصبحت منذ
ذلك اليوم صورة المرأة العربية النمطية في الإعلام الغربي «يقلده في ذلك الإعلام
العربي كعادته»، تتأرجح بين انقطاع حقيقي عن الوجه المضيء من تاريخ المرأة العربية
المسلمة، وبين صورة رسمها مستشرقون مغرضون يشعرون بتفوّق الغرب على العروبة
والإسلام.
وبسبب التشويش الثقافي والمفهومي والضعف الواضح الذي تعاني منه البلدان العربية بشكل عام في الإنتاج العلمي والتقني، أصبحت الحداثة تعني تقليد الغرب في كثير من الأحيان. وأصبح التمسك بالتراث والهوية يعني التشدد والانغلاق. فقد أصبحت المرأة العربية وحقوقها ودورها الضحية الأولى لهذا التشويش والخلط. ولكن لم يخل القرن العشرون وبشكل متفاوت بين بلد وآخر من بعض الإنجازات للمرأة العربية، خاصة في مجال التعليم والعمل، حيث نعمت المرأة في معظم البلدان العربية بفرص متساوية في التعليم وبانفتاح على جميع الاختصاصات واحتلال مواقع هامة في أماكن العمل، إلا أن الإنجاز التعليمي والثقافي لم يترجم على المستوى الاجتماعي والسياسي نتيجة هذا الخلط بالمفاهيم والقيم. ويلعب الإعلام العربي، الذي يفتقر إلى مرجعية ثقافية وفكرية، دوراً في تكريس هذه النمطية لصورة المرأة العربية وواقعها. وفي أوقات الضعف العربي الذي يعتبر زمننا هذا جزءاً أساسياً منه، تمارس الضغوط على الحلقة الأضعف والتي هي حقوق المرأة ودورها.
وسط هذا الوضع المفهومي والثقافي تبذل محاولات مستمرة على مستويات مختلفة لإنصاف
المرأة وتحقيق تكافؤ الفرص في المجتمع وإشراكها في العمل السياسي والاجتماعي. ولا
يشك أن هذه المحاولات لم تقطع بعد أشواطاً هامة نحو تحقيق تكافؤ الفرص الذي تضمنه
نظرياً الدساتير والحقوق الشرعية. ورغم أن الاتحادات النسائية وبعض الأحزاب
السياسية وضعت ضمن أهدافها تحقيق «المساواة» بين المرأة والرجل بالحقوق ولكن
المرأة العربية لأسباب عديدة، منها عدم تطور الأنظمة العربية وبقاء العديد منها من
دون هياكل عصرية، بقيت بعيدة عن مواقع اتخاذ القرار، إلا بنسب ضئيلة جداً يشار
إليها بالعادة «كوجه نسائي» لتكحيل الصورة وليس كعامل حقيقي متفاعل ومؤثر على
الساحة. ومن هنا أتت قمم المرأة العربية التي تعقدها السيدات الأوليات، والتي عقدت
في عمان والقاهرة ودمشق، وسوف تعقد في بيروت لمناقشة مواضيع مختلفة تلامس موقع
المرأة ودورها في الدولة والمجتمع، أتت هذه القمم لسدّ بعض الثغرات الموجودة في
العمل السياسي الرسمي ومحاولة النهوض بواقع ما زال متعثراً.
ولكنّ كلّ هذه المحاولات، ما انبثق منها من الحركة الاجتماعية وما بدأ منها على
المستوى الرسمي، يفتقر بشكل جوهري إلى فرز صحيح ودقيق بين التراث والمعاصرة،
ويفتقر إلى الجهد الكبير اللازم للتخلص من التشويش الثقافي والإعلامي الذي يستهدف
مكانة المرأة في الإسلام وأسباب تخلفها عن اتخاذ الموقع الذي هي جديرة به فكرياً
وسياسياً واجتماعياً. وتبقى كل هذه المؤسسات والإطارات والمؤتمرات صيغاً قابلة
للاستخدام وربما للتفعيل إذا ما وضعت آلية العمل المناسبة
التي تكّرس الوقت والجهد اللازمين لتجاوز القطيعة مع الجوانب المضيئة من التراث، ولفرز الغث من السمين في العلاقة مع الغرب والحداثة. ومن أجل فعل ذلك لا بدّ أن تكون المرأة ممثلة بشكل حقيقي في مواقع اتخاذ القرار، لأنّ وضع مثل هذه الآليات وتفعيلها يحتاج أولاً وقبل كل شيء إلى قرار سياسي في المجالات الثقافية والفكرية والاجتماعية، لأن حضور المرأة في البرلمانات والوزارات العربية ما زال بعيداً عن تمثيل حقيقي للطاقات التي تتمتع بها المرأة العربية، والتي لا شك يمكن أن تعود بالفائدة الجليلة على المرأة والرجل والمجتمع.
ولذلك أرى أن أهمّ ما يمكن أن تقدمه القمم النسائية العربية ومنظمة المرأة
البرلمانية هو التوجه إلى وضع برامج تهدف إلى تحقيق حضور للمرأة في مواقع اتخاذ
القرار، والعمل بشكل متوازٍ على أبحاث فكرية وثقافية وفكرية وإعلامية تعيد ربط
واقع المرأة بالمضيء من التراث وبالمفيد من تجارب الغرب والعالم، بما يعزّز الهوية
والانتماء، ويصبّ في تحديث مجتمعنا عبر تحقيق تكافؤ الفرص وتحقيق الذات للنساء،
مما سينعكس من دون شك بشكل إيجابي على الأسرة والمجتمع■
02 Feb. 2004