الواقع الحيّ و المفترض
د. بثينة شعبان
كم أعجب لهؤلاء الكتاب العرب الذين يتأرجحون بين الواقع الحيّ و المفترض ليتجاهلوا كلّ ما يخدم قضاياهم المصيرية و يركـّزوا على الصورة التي يريد لهم الآخرون التركيز عليها حتى لكأنهم فقدوا مؤشرات بوصلة الهوية المتجذِّرة في أعماقهم بفعل تراكمات التاريخ والثقافة والدين وغيرها من الموروثات التكوينية من جهة كما فقدوا التواصل الحقيقي مع نبض الشارع وطموحات الناس وتطلـّعات شعبهم إلى مستقبل حرّ كريم من جهة أخرى. و هنا تكمن مأساة الواقع العربي الذي يفتقر ليس فقط إلى طبقة سياسية حاكمة متناغمة في النهج والهدف والتوجيه و متراصّة الصفوف مع بعضها و إنما يفتقر أيضاً إلى انسجام بين الفكر و الهدف لدى العديد من مثقفيه و حاملي الأقلام و الذين أُوكِلت إليهم تاريخياً مهمة إضاءة الدرب أمام بقية الناس الأقلّ تخصصاً و ليس الأقلّ ولاءً أو تضحيةً أو عطاء بالتأكيد. و أستطيع أن أفهم الإرباك الذي يقع به القراء العرب و هم يقرأون ويسمعون ويشاهدون في وسائل الإعلام المختلفة آراء متضاربة بالمنطلقات وبالأهداف تعبّر عن انتماءات و قناعات متناقضة وشخصانية وآنية أحياناً لا علاقة للواحدة منها بالأخرى بينما نرى دور المثقف و الكاتب لدى الأمم هو دوماً صياغة المواقف الموحّدة و خلق اللحمة بين القوى والمواقف والآراء المتفرقة وخلق الانسجام والتناغم وتوحيد التوجهات نحو المصلحة القومية العليا.
وفي هذا الصدد لفت نظري انشغال بعض الكتّاب بما قلته في الرباط الأسبوع الماضي أنّ عدد المهاجرين في العالم المتحدِّرين من أصلٍ سوري بحدود 17 مليون مهاجر مع التنويه لرغبة في التأكد ما إذا كان هؤلاء متحدرين من أصل سوري أم لبناني أم أُضيف إليهم أيضاً الأردنيون و الفلسطينيون والقوميون السوريون. إن هذه التساؤلات المعلن عنها وغير المعلن لا علاقة لها بالواقع المعاش هناك في المغتربات من قبل كل هؤلاء المتحدِّرين منذ أكثر من قرن من أصلٍ عربي و الذين اخترعوا لأنفسهم عبارة "سيريوليبانيز" لتعبّر عن تمازجهم الحقيقي و عدم قدرتهم على التمييز بين من هو سوري و من هو لبناني إذ اختلطت الدماء و الثقافة و المحبّة و الانتماء. فالمشفى السوري- اللبناني الذي أسسته سيدات سوريات لبنانيات في عام 1922 في ساوباولو هو أهم و أرقى مشفى في أمريكا الجنوبية برمّتها و يحافظ على اللحمة السورية اللبنانية من جهة و العربية من جهةٍ أخرى و في بونيس آيرس بدأ السوريون بافتتاح نادٍ لهم و اللبنانيون بارتياد نادٍ خاص بهم و لكن و لصعوبة التمييز بين الأسرة السورية و اللبنانية قرّروا مجتمعين جمع الناديين بنادٍ سوري- لبناني.
إنّ عدد المتحدِّرين من أصل سوري- لبناني في البرازيل يقدّر باثني عشر مليون وعدد المتحدرين من أصل سوريّ- لبناني في الأرجنتين يقدّر بأربعة أو خمسة ملايين و ليس لدى أحد احصائيات دقيقة و لكنّ مساهماتهم في بناء صروح حضارية في البرازيل و الأرجنتين مدعاة للفخر لنا جميعاً و أنا شخصياً أفضّل التركيز على هذا الجانب في وجه الهجمة العاتية علينا جميعاً و التي تحاول وصم العرب و المسلمين بالتخلـّف و الإرهاب من أن أركـّز جهودي على فرز اللبناني من السوري و الفلسطيني من الأردني و أفضـّل أن أعيش بقناعاتي رغم كلّ الصعوبات الآنية بأننا أبناء أمـّة واحدة و أنّ المشاعر التي تعتري صدور أبناء المغاربة و المصريين و الجزائريين حيال ما يجري في الفلـّوجة وغزة خير دليل على أنّ ما يجمع بين أبناء هذه الأمّة أقوى بكثير مّما يفرّق بينهم.
و مقابل الجهود لإحياء واقع افتراضي يفصل بين الأخوة و الأشقـّاء يقابل الإعلام العربي بتجاهل شبه مطبق الواقع المؤلم الذي يعيشه أهلنا في العراق و فلسطين و الذي تتسرّب منه بعض الوقائع الإنسانية المأساوية فتلقى اهتماماً في الغرب يزيد عن الاهتمام الذي توليها إياه الجرائد و الفضائيات العربية. و على سبيل المثال لا الحصر فقد أُثيرت ضجّة منذ فترة في إسرائيل حول استشهاد الطفلة ايمان الهمص و تبرئة الجيش الإسرائيلي للقاتل رغم أن شريط الفيديو يـُري أنّ القاتل قد أدرك قبل قتلها أنـّها طفلة ترتعد خوفاً و أنـّها تاهت إلى هذه المنطقة و مع ذلك قال على الكاميرا "أنها تستحق القتل حتى و لو كان عمرها ثلاث سنوات" و أفرغ مشط الطلقات كلـّه في جسدها الغضّ و تخيّلو لو كانت هذه الطفلة تحمل جنسية أخرى أما كانت انتصرت لها وسائل إعلام دولتها وأبناء شعبها صغيراً و كبيراً ومن ورائهم وسائل إعلامنا العربية وأقاموا الدنيا و لم يقعدوها لهذه الجريمة النكراء التي لو وصلت للعالم عبر وسائل إعلامنا ومن ورائهم وسائل الإعلام الغربية لسبّبت على الأقل إدانة واسعة تردع الجيش الإسرائيلي وحكومته - التي تدعي أنها "الديمقراطية الوحيدة" في الشرق الأوسط - عن تكرار ارتكاب مثل هذه الجريمة ولذلك تكررت مثل هذه الجريمة قبل أيام. و حين تمّ تصوير قتل الجرحى العراقيين في المسجد على يد الجنود الأمريكيين لم يتحدّث الكتاب العرب بما يكفي عن أنّ هذه الحادثة ليست معزولة و أنّ آلاف الجرحى قضوا أو قـُتِلوا بدمٍ باردٍ وتم دفنهم في مقابر جماعية سكانها مجهولوا الهوية و أنّ التعتيم الإعلامي الذي أطبق على الفلـّوجة لم يسبق له مثيل إلا ما حدث في جنين، والتساؤل الأهم: لماذا نركز على ما يركزون في كتاباتهم وإعلامهم، ونهمل ما يهملون؟! إعلامهم يركز ويضخم وقائع وأخباراً بشكل يخدم الأهداف السياسية لحكوماتهم والغايات الإيديولوجية السائدة لديهم ويهمل ما يدينهم ويفضح نفاق ساستهم وجرائمهم فلماذا نستنسخ ذلك في إعلامنا؟!. و ها نحن نقرأ على الانترنيت و في الصحف الأجنبية عن أسلحة محرّمة استخدمت في الفلّوجة و عن جرائم ارتكبت ضدّ الأطفال و النساء فمن كان يسكن الفلوجة قبل هذه الحرب المدمِّرة و أين هم نساؤها و أطفالها ورجالها الآن؟ بعضهم يقضون الشتاء عطشاً و جوعاً و برداً في المخيمات كما أتى في التقرير مع منع أي مساعدات إنسانية عن الذين صمدوا في مدينتهم، وبعضهم يدفن سريعاً في مقابر جماعية دون تحديد هويتهم. ألم ترتكب هذه الجرائم ضد العرب لأنهم عرب؟ نحن نفهم التعتيم عليها من قبل الإعلام الغربي، ولكن لماذا يبتعد حملة الأقلام العرب عن التركيز على مثل هذه المواضيع؟!.
و ها هو الضابط العراقي جاسم حسين جبارة يشرح كيف شكـّلت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية خلايا إرهابية بهدف بثّ الفوضى في العراق و أنّ هذه الخلايا تورّطت بأعمال القتل و الاغتيال و الخطف والتفجير لترويع المواطنين العراقيين وخلق الفتنة الطائفية بين صفوفهم مؤكداً أن الشرطة العراقية وضعت يدها على وثيقة تؤكّد تورّط المخابرات الإسرائيلية في هذه العمليات من خلال قائمة مؤلّفة من 800 شخصية من النخب السياسية و العلمية والفكرية و الطبية العراقية و هذا بالضبط ما أشار إليه سيمور هيرش في تقريره منذ أشهر في النيويوركر عن تغلغل المخابرات الإسرائيلية في العراق. فلماذا لا يركز الكتّاب العرب على مثل هذه المواضيع الشديدة الخطورة على أمتهم مثل ما يفعل أقرانهم الغربيون عندما تكون مثل هذه المواضيع تهدد أمتهم؟!و ها هي المحامية الإسرائيلية يائيل بيردا تجوب الولايات المتحدة لتشرح منع إسرائيل لكلّ المتطوعين من أجل السلام دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة و نقمة إسرائيل عليها لأنها شهدت في عام 2002 جندياً إسرائيلياً يقتل بدمٍ باردٍ الطفل الفلسطيني بهاء الباهيش (14) عاماً و أخبرت الإعلام بذلك و كتبت عن الحادثة. و ها هو كيرغ ميللر يكتب في اللوس أنجلس تايمز (2 كانون ثاني 2004) عن محاولة السي آي أي منذ أشهر لفت الانظار إلى التعذيب الذي يجري في السجون العراقية و لكنّ هذا التقرير حُفِظَ في الأدراج و تستمر المجازر والانتهاكات والمآسي والحروب. وكلّ هذا لا يظهر على شاشاتنا الفضائية أو على صفحات جرائدنا إلا بقدر ما يظهر إعلام المعتدين الذي يغطي ويعتم ويهمل مايشاء وفق ما يخدم سياسات حكوماته ولكن هناك الأقلام الحرّة في العالم التي بدأت تتلمس مدى الظلم الذي لحق بشعبنا في فلسطين و العراق و كل المناطق العربية المحتلّة وتنشر- قدر المستطاع وهو ضئيل - بينما يُفضّل بعض كتابنا الانكفاء في عالم سايكس و بيكو المفترض الذي رسخته عوامل ضعف عديدة في الكيان السياسي السائد ولكن لن ينجح هذا العالم المفترض مهما حاول مخترعوه ومتبنوه أن يزرعوه في قلوب الملايين ووجدانهم ولن ينجح في إلغاء عالمهم الحيّ و المعاش، و أفضل ما يمكن أن نقدِّمه كشهود على هذه المرحلة هو أن ننحاز إلى نبض الناس العاديين و أن نعبّر عن آلامهم و آمالهم و أن نشعل شمعة لهم إذا استطعنا على دربهم الطويل و المظلم في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ أمتنا وشعبنا■
6 Dec. 2004