الوصول إلى الرباط

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

قبل أن تحطّ بنا الطائرة في مطار شارل ديغول بباريس أعلن المضيف عن أوقات الرحلات و بوابات المغادرة لركاب تلك الرحلات التي سوف تغادر المطار بعد فترة وجيزة إلى عواصم و مدن أوربية شتى. و كعربية قادمة من دمشق استعدت ما أقرأه كلّ يوم في الأخبار عن القلق الذي يساور قوى عظمى نتيجة قرب عاصمة عربية إلى أخرى أو الشك في أن حركة الحدود تشكّل خطراً هنا و التواصل يشكّل خطراً هناك إلى درجة أن الإعلام ينشغل بكيفية وضع حلول تزيد في النتيجة من البعد القائم و صعوبة  التواصل و الاتصال. و حين نزلت إلى أرض المطار رأيت حاملي جوازات الاتحاد الأوربي يسيرون تقريباً دون توقف عند كوّة خصصت لحملة جوازات الاتحاد الأوربي  بينما يقلّب العاملون في الكوّات المجاورة جوازات الآخرين ويقارنون بين الصورة و الوجه و يفكّرون و يتمعنون ربما كي لا  تتسلل حالة من ذلك العالم الخطير تسبب  إشكالات لجوّ الحرية و الديمقراطية! و في جنيف حدثني أصدقاء  عن اجتماع  قمة الدول الصناعية الثمان التي انعقدت في فرنسا و لكنّ المشاركين أقاموا في لوزان السويسرية غيرها من المدن و تنقلوا في القارب بين لوزان و مدينة آفان الفرنسية حيث عقدت القمة كما حدثني المغتربون كيف يتنقلون في أنحاء أوربا دون أن يضطروا إلى فتح جواز سفر. و قارنت هذا الواقع الإنساني الجميل و المريح مع عشرات الحواجز المدججة بالجنود التي على الفلسطينيين أن يتوقفوا عندها ساعات و ساعات ليصلوا من مدينة إلى أخرى كما تذكرت النساء الفلسطينيات اللواتي قضين نحبهنّ على الحواجز و هنّ في طريقهن إلى المشفى لوضع مولود و تذكرت عشرات القصص عن المآسي التي يتحملها الفلسطينيون عند قطع مسافة تستغرق بضع دقائق في السيارة عادة في الضفة الغربية بينما تستغرق اليوم أياماً من المعاناة و الألم نتيجة وجود حواجز الاحتلال المسلحة التي تشكّل امتهاناً للكرامة الإنسانية و تعذيباً علنياً و متواصلاً وعميقاً للنفس البشرية. و تساءلت كيف يوفق العالم اليوم بين هذا الانفتاح الذي تشهده التجمعات الإقليمية "الديمقراطية" في مناطق شتى من العالم و بين جدار فصل عنصري يشيده دعاة الاحتلال و الاستيطان على مرأى العالم و مسمعه؟ و كيف أن الصلاة في القدس تعتبر حلماً بعيد المنال لمئات الملايين من العرب، لا بل و قد أصبحت حلماً لملايين الفلسطينيين الذين يتعرضون للاعتقال و الضرب و المنع فقط لأنهم يريدون الصلاة في المسجد الأقصى.

 

     و بينما كنت أعيش غمرة هذه المشاعر المؤلمة انتقلت الطائرة الملكية المغربية متوجهة إلى الرباط و انهمكت بقراءة الصحف المغربية الصادرة بالعربية و شعرت بنبض عربيّ حار  ينضح بالألم على ما يعتري الشعب العراقي في الفلوجة و الفلسطيني في غزة و رفح و جنين و عبّر كاتبٌ تلو آخر في هذه الصحف عن عمق المعاناة الإنسانية للشعب العراقي التي يتجاهلها العالم و التعتيم الإعلامي "الحر" المطبق على الجرائم الوحشية التي ترتكب يومياً بحقّ النساء و الأطفال بما في ذلك دفن آلاف الجثث مجهولة الهوية في مقابر جماعية علنية هذه المرة، و التضامن و التأييد الذي يعبّر عنه الشعب المغربي بأشكال مختلفة لنصرة الشعبين العراقي و الفلسطيني، و هذا ليس جديداً أو غريباً على الشعب المغربي. ففي صبيحة اليوم الأول لوجودي في الرباط قمت بزيارة ضريح الملك محمد الخامس و افتتح الحوار السيد حسن السقلّي الذي قاد مراسم الزيارة بالقول: "لقد حاربت على الجولان دفاعاً عن سورية و هذا واجبي" فأضاف زميله: "لقد استشهد أخي في حرب 1973 على الجولان. و طبعاً حين يصل الأمر إلى الدفاع حتى الشهادة تكون تلك هي العروة الوثقى و لا شك أنني شعرت بالاعتزاز و الفخر الشديدين و أنا أسمع مضيفيّ يتحدثان عن الجولان و كأنها قطعة من كبدهم.

 

و في اليومين التاليين الذين قضيتهما في الرباط و الدار البيضاء أثلج صدري  الشعور القوميّ المتّقد الذي عبر عنه الرجال و النساء على حدّ سواء، المسؤولون و المواطنون، البرلمانيات و القاضيات و السيدات العاملات في مختلف مناحي الحياة حيث امتلأت المآقي بالدموع. حين يتناول الحديث ما تتعرض له المدن الفلسطينية و العراقية و الأطفال و النساء العرب و المقدسات العربية من عدوان و جرائم وحشية في سياق حملة حاقدة على هذه الأمة و حضارتها و هويتها.

 

     لقد شعرت و أنا استمع للبرلمانيات في الرباط و كأنني مع أخوات في دمشق أو فلسطين أو العراق أو لبنان أو أي بلد عربي آخر حيث عبرن عن قلقهن القومي أولأً و في الدرجة الثانية عن قلقهن حول مواضيع تخص المرأة و حقوقها و توفير الفرص المتكافئة لها  إذ إن شعورهن تركز على المخاطر الجسيمة الذي تواجهه الهوية العربية و المصير المشترك لأبناء هذه الأمة و قارنت في داخلي بين هذه الصورة الحيّة حين يتحدث النساء و الرجال لغة عربية جميلة على طرفي الوطن العربي الكبير المتباعدين جغرافياً و حيث تجمع اللغة العربية و ثقافتها العرب على امتداد بلدانهم  و بين ما يروجه الإعلام المغرض بأشكال مختلفة  عن تخلّي هذا القطر أو ذاك عن لغته و بعد هذا القطر أو ذاك عن المشاغل العربية و القضية المركزية للعرب و رأيت أن المشاعر نابضة بالألم العربي و الدعم للقضايا العربية و البحث عن سبل ناجعة لإيصال هذا الدعم لضحايا العدوان و ترجمته إلى خطوات عملية تساعد العرب  الرازحين  تحت الاحتلال و الذين يتصدون  بأجسادهم إلى أعتى آلات الموت و الدمار.

 

     غادرت المغرب الشقيق و أنا أكثر اطمئناناً على مستقبل هذه الأمة لأن الأمة التي تتوجع في الرباط و الدار البيضاء حين تشتكي الفلوجة و رفح و جنين و النجف و غزة هي أمة لن تموت و هي أمة تستحق الحياة  و لكن على أبنائها اليوم أن يستثمروا عمق و أهمية المشاعر هذه ليترجموها خطواتٍ عمليةً تزيد من التواصل و التعاون و التكامل في شتى المجالات، و مجالات التعاون و التكامل هذه مفتوحة وواعدة لشعبنا العربي و أقطارنا و كم هو سهل هذا التواصل  و نحن نتكلم لغة واحدة و نتحدر من ثقافة واحدة و تاريخ مشترك. هناك عشرات الأبحاث التي تقدم اليوم حول مختلف المواضيع السياسية و الزراعية و القانونية ...الخ،  في كلّ قطر عربي على حدة و التي يتكرر معظمها في الأقطار المختلفة و لكن بجهود متواضعة من التنسيق يتمكن الجميع  أن يوفروا إذا ما استخدموها موارد و جهداً و وقتاً يستثمر في إسراع  عجلة التطوّر و التقدم و التحديث.

غادرت المغرب يحدوني الأمل أن هذه الأمة لا بد و أن تستعيد عوامل نهضتها و تنبعث من جديد فيها عوامل وحدتها و تلعب دوراً فاعلاً إقليمياً و دولياً لما فيه مصلحة السلام و العدالة و الازدهار في العالم. و لكنّ الطريق الأسلم لوصول  ذاك الواقع المرتجى هو أن نلتقط اليوم إشارات كالتي أطلقها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني و الذي عبّر عن قلقه عمّا يجري في القدس و الشرق الأوسط من تفتيت للهوية و حجب للمعالم الدينية عن أتباع الديانات و أن تطالب بحقها في تحقيق السلام و الأمن لكل أسرة عربية و كلّ مدينة عربية و أن نؤمن أولاً و قبل كل شي أننا جديرون بذلك و أننا قادرون على تحقيقه و الخطوة الأولى على هذا الطريق هي أن نسحب ثقتنا مما تبثه لنا وكالات الأنباء الموجهة بمعظمها ضدنا من حملات إعلامية مصاغة موادها بشكل يؤدي إلى الإحباط  و الفرقة بين الصفوف و أن نعمل من أجل إحداث مصدر عربي متوازن للخبر كي نتلقى الأخبار الصحيحة عن بعضنا البعض و عمّا يجري  في منطقتنا و لا نقع ضحية لأخبار تعمد يومياً إلى إحباطنا و تدمير  ثقتنا بأنفسنا و مستقبلنا و مستقبل أمتنا وشعبنا.

 

إن الإعلام "الحر!" اليوم يصوّر العرب و المسلمين إما كإرهابيين يسببون العنف  حيثما حلوا في العالم و إما كضحايا للتخلف غير قادرين على مواكبة ما يجري  في العالم من علم و تقنية لأسباب تتعلق بثقافتهم و دينهم و تاريخهم.  إذا كان العرب كما يصفون فلماذا يتم تجييش كل هذه القوات للإجهاز على مدنهم و حضارتهم و مقدساتهم و ثرواتهم الفكرية و البشرية و المادية ؟!.  إن أحد أسباب شراسة ما يتعرض له العرب اليوم هو  غنى ما يمتلكون و لكن عليهم أولاً الإيمان بهذا الغنى ووضع الأسس السليمة لاستثماره من أجل مستقبل مزدهر لأبنائهم و كم ستكون إنجازا عظيماً إذا ما حطت الطائرة بأحفادنا في مطار عربي ليستمعوا قبل أن يغادروا الطائرة إلى مواعيد عشرات الرحلات التي توصلهم خلال ساعات قليلة إلى أي عاصمة أو مدينة عربية أخرى يرغبون في الوصول إليها دون أن يتوقفوا عند منافذ تدقق في جوازات سفرهم■

29 Nov. 2004