ازدواجية المعايير لأسباب عنصرية

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

أثار مقتل السينمائي الهولندي فان غوخ موجة من الغضب و الاعتداءات على المسلمين والمراكز الإسلامية في هولندا بما فيها إحراق المسجد الإسلامي الوحيد في مدينة هيلدن صباح عيد الفطر المبارك ومساجد أخرى في هولندا وألمانيا وغيرهما. ومن المعلوم أن المخرج فان غوخ قد تعرض بشكل مسيء من وجهة نظر العديد من المسلمين للدين الإسلامي حاله في ذلك حال العديد من الكتاب والإعلاميين و السياسيين في أوروبا والولايات المتحدة الذين لم يتوانوا عن كيل سيل من التهم للإسلام والمسلمين من أجل تبرير حملات الإبادة والمجازر والاحتلال في فلسطين والعراق، كما عبر العديد من شباب المسلمين في أوروبا وأميركا عن تعرضهم لمعاملة تصل حدود القتل والعنصرية فقط لأنهم يرتادون المساجد ومراكز إسلامية ويتحدثون اللغة العربية مع بعضهم البعض. وأيضاً لم تثار في الغرب أي ضجة حول تدمير 30 مسجداً في الفلوجة ولم يعتبر أحد ذلك مرتبطاً بأي شكل من الأشكال بالدين المسيحي أو بالمسيحيين. وفي الوقت الذي نبحث فيه عن سبل و وسائل لكسر دائرة العنف التي تزيد من انعدام الثقة وتؤجج مشاعر التوتر العرقي والديني فإن مقتل السينمائي فان غوخ قد اسُتخدم بطريقة تزيد الهوة اتساعاً بين الحضارتين الإسلامية والغربية.  فقد عقدت حول قتله حلقات نقاش تلفزيونية وكتبت مقالات عدة وفي جميع ما قيل وكتب تمّ اعتبار القاتل المفترض لفان غوخ، المغربي محمد بويري، وكأنه يمثّل، في التهمة الموجهة له قبل إثباتها في المحكمة، الإسلام والمسلمين جميعاً، أي كأن جميع المسلمين قد فوّضوه بالقتل ولذلك فهم جميعاً يستحقون الإدانة، أو كأن جريمة قتل المخرج، على بشاعتها وهي مدانة، ومدان كائن من ارتكبها، هي الجريمة الوحيدة من نوعها التي ترتكب في العواصم الأوروبية من قبل شبان ليسوا بمسلمين يقتلون أطفالاً أو شباباً أو نساء أو مسنين لأسباب عديدة دون أن يؤدي ذلك في أي حال من الأحوال إلى وصم الدين الذي ينتمون إليه بالصفة الإجرامية التي يتصفون بها.  وكم من مسلم قُتل في أوروبا والولايات المتحدة أو تعرض للضرب والإهانة والطرد دون أن يوصم المجرمون ودينهم بأي إدانة. ولا شك أن الموقف الإنساني السليم هو أن الجميع يجب أن يقفوا بشدة وحزم ضد زهق أي روح بشرية بريئة وضد أي جريمة بما في ذلك العنصرية بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون.

     وفي هذه المناسبة أستذكر زهق روح بشرية كانت تمثّل إضاءة للضمير الإنساني الحيّ وهي وزيرة خارجية السويد السابقة آنا ليند وبعد سلسلة من التحقيقات اكتشفوا أن القاتل مسيحي متطرّف من صربيا دون أن يخطر ببال أي أحد أن يصف كل المهاجرين من صربيا بأنهم قتلة أو أن يتهم كل المسيحيين بميل إلى القتل، أو يتهم الدين المسيحي بأنه مصدر العنف كما يُتهم الإسلام كلما ارتكب أحد المسلمين جريمة ما.  بل تركزت الأخبار على الخلل النفسي الذي يعاني منه القاتل مع أننا إلى حدّّ اليوم لم نحصل على جواب شافٍ لماذا قام القاتل المذكور بقتل آنا ليند؟.

 وفي كلّ يوم تقريباً تطالعنا الصحف في الولايات المتحدة وأوروبا بصور نساء ورجال أبرياء قتلهم أناس اختلطت لديهم الحدود بين الخير والشرّ وبين الحياة و الموت،  دون أن يتم تعميم صفاتهم المرضية على أهلهم أو جيرانهم أو مجتمعهم أو معتنقي دياناتهم. فقط حين يكون الجاني المفترض مسلماً يصبح الشخص ممثلاً لدين وشعوب برمتها وتصبح الشبهة مبرراً لعقاب جماعي للأهل والأقارب والمدينة والبلاد كلها والشعب برمته. والمقارنة مع ما يحدث على الجانب الآخر قد توضح خطورة وأبعاد ما أحاول تسليط الضوء عليه.

     فرغم كل الانتهاكات والمجازر التي يندى لها جبين الإنسانية في سجن أبو غريب وفي غزة والفلوجة مثلاً، ورغم أن هذه الانتهاكات قد قام بها أشخاص ينتمون إلى جيش نظامي وينفّذون أوامر قياداتهم وفق التسلسل الهرمي المعتاد فقد عمدت كل ردود الأفعال السياسية والإعلامية (الحرة!) إلى التأكيد على أنّ تلك التصرفات إنما هي تصرفات فردية لا تعبّر عن سلوكية وأخلاق الجيش الأميركي أو الإسرائيلي وانشغل الإعلام (الحر!) بتركيز فكرة محاكمة بعض الأفراد دون أن تأخذ التغطية الإعلامية المنحى التي تتخذه حين يكون المرتكب  مسلماً أو عربياً.

ومنذ أيام وفي مأساة مدينة الفلوجة التي لا يعلم أحد أبعاد الكارثة الإنسانية التي حلت بها نتيجة التعتيم الإعلامي المطبق على كلّ ما يدور هناك هرّبت من هذا التعتيم لقطة اصطادتها كاميرة السي بي إس ليظهر جندياً أميركياً يطلق النار على جرحى تركوا منذ أيام في مسجد بعد أن قضى جرحى آخرون كانوا قد جرحوا في اليوم السابق وكانوا يتحركون ويستغيثون لنراهم جثثاً هامدة على يد جنود الجيش الأميركي بالضبط كما حدث  عند قتل الطفل محمد الدرة عمداً فقد أخذت التصريحات تتبرأ مما قام به هذا الجندي وتعد بمحاسبته ومحاكمته مع أنه جندي بجيش نظامي يمتثل للأوامر المعطاة له ويقوم بما تم التدرب عليه في معسكرات نظامية  وفق مناهج فكرية معدة أصولا.ً والحقيقة هي أن الأميركيين ذهبوا إلى الفلوجة ليقتلوا المسلحين وحسب فلم ير أحداً جرحى من المسلحين في الفلوجة بل الآلاف من القتلى الذين يدفنون في مقابر جماعية و لا شك أن جميع جرحى الفلوجة قد قضوا دون أن يسمح بنقلهم إلى المشفى خاصة وأنّ مشفى الفلوجة كان أول ضحية للقصف الأمريكي و ذلك لمنع الصحافة و الإعلام من التواجد هناك و للحيلولة دون إطلاع العالم على ما يجري هناك. وهكذا تحولت مدينة كاملة بأطفالها و نسائها و شيوخها و مشافيها و مساجدها إلى مجرد خريطة صغيرة على صفحات الجرائد و إلى مجرد أرقام و توقعات حول ما حدث لأبي مصعب الزرقاوي متجاهلين الكارثة الإنسانية التي حلّت بآلاف الناس الأبرياء الذين استقبلتهم المقابر الجماعية الجديدة في العراق بينما يتم تحويل شخص واحد إلى ممثل لمعتنقي الدين الإسلامي برمته حين يكون هذا الشخص مسيئاً للقيم السماوية و الإنسانية. و يتم في الوقت ذاته تجاهل كل المواقف العنصرية المسيئة و المهينة للإسلام و المسلمين سواء في ديارهم من قبل قوى الاحتلال في العراق و فلسطين أو حيث يقيمون و يعملون منذ عقود في دول أوربية و أمريكية حيث تتم معاملتهم كمواطنين منقوصي المواطنة إذ تتم الإشارة إليهم كمسلمين أي إرهابيين (محتملين) رغم أن بعضهم قد ولد في تلك الديار و لا يعرف بلداً سوى البلد الذي يعيش فيه و ينتمي إليه و يعمل من أجل رفعته و ازدهاره. و الأسوأ من هذا هو أنّ هذا الموقف العنصري ينسحب على معتنقي ديانات أخرى و مواطنين آخرين و حسب مواقفهم من المسلمين و العرب خاصة بعد ترسيخ و تجريم مفهوم فضفاض لمصطلح معاداة السامية بقانون جديد ليشمل أي انتقاد للجرائم الشنيعة التي ترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني الرازخ تحت الاحتلال و التي تمثل خرقاً للقانون الدولي و اتفاقيات جنيف.

     و على سبيل المثال لا الحصر أفادت منظمة "بتسليم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان "أن هدم الجيش الإسرائيلي بيت أي ناشط فلسطيني يخلف وراءه بمعدل "12" من الأبرياء من دون مأوى و أن حوالي نصف البيوت التي جرى هدمها (47 بالمئة) لم يكن بين ساكنيها شخص على علاقة بهجوم معادٍ لإسرائيل"، أي أن قوات الاحتلال الإسرائيلية تمارس سياسة الإبادة العنصرية و العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين و علّ الصمت المريب الذي نلحظه في المواقف العالمية مما يجري في الفلوجة و الموصل و الرمادي و رام الله و جنين و غزة و رفح ناجم عن عاملين اثنين: التعتيم الإعلامي المتعمد (و هو نتاج موقف عنصري من القائمين على وسائل الإعلام و العاملين فيها) على كلّ ما ترتكبه قوات الاحتلال التابعة لدولهم بحق المدنيين الأبرياء (من المسلمين!) كي لا تثار ضجة عالمية حول انتهاكات و خروقات لا يتحملها الضمير الإنساني أو بسبب الترهيب الفكري و الأخلاقي الذي يتعرض له كل من يقول الحقيقة بصوت جريء حول ما يتعرض له الفلسطينيون و العراقيون من جرائم وحشية على أيدي جنود نظاميين يتلقون أوامرهم من قياداتهم العسكرية. فهاهم أعضاء الكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية الذين تجشموا عناء السفر و قدموا إلى منطقة الشرق الأوسط ليروا بأم أعينهم ما يحدث في هذه المنطقة و حين تجرأوا بأن يصفوا الظلم بأنه ظلمٌ و دعوا العالم للوقوف إلى جانب الحق و رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني بدأت كنيستهم بتلقي التهديدات في الولايات المتحدة و أعطيت مهلة لتغيير مواقفها و التي هي مواقف نبيلة تصبّ في صالح شعوب المنطقة و العالم. و أدى هذا الإرهاب الفكري و السيطرة الحكومية و العنصرية على الإعلام (الحر) إلى كمِّ هذا الصوت الحر فعلاً. كما تعرّض الأساتذة العرب في جامعة كولومبيا الأمريكية و من بينهم الأستاذ يوسف مساد إلى حملة ابتزاز و ترهيب وصفها الأستاذ مساد بأنها "ممارسة عملية مطاردة سحرة ترمي إلى تعويق التعددية و الحرية الأكاديمية، و حرية التعبير في الحرم الجامعي لكي يضمنوا ألا يسمح إلا برأي واحد، رأي غير نقدي يدعم دولة إسرائيل".

   إن موقفاً عنصرياً يذكّر بالنازية و الأبارثيد  و لكنه هذه المرّة موجه ضد العرب و المسلمين يخيم على العقول و السياسات و الممارسات في الغرب ترافقه عملية ترهيب فكرية ضدّ أي كلمة حق تسمّي الأمور بمسمياتها و يتم استخدام تهمة "معاداة السامية" ضدّ كل من ينتقد الجرائم و المواقف العنصرية ضدّ العرب و المسلمين و علّ الاقتراحات التي قُدمت لمنظمة الأمن و التعاون في أوربا بتعيين ثلاثة ممثلين للرئيس الدوري للمنظمة لمتابعة قضايا العنصرية و التمييز و العداء للأجانب و مكافحة السامية، و العداء و الكراهية للإسلام و المسلمين في أوربا يشكّل خطوة على الطريق الصحيح. فكما أن المنظمة قد أكدت على مدى سنوات أن الصراع في الشرق الأوسط لا يمكن أن يبرّر على الإطلاق الهجمات على اليهود يجب أن تؤكد اليوم أن الإرهاب و العنف المتبادلين في العالم في السنوات الأخيرة يجب أن لا تبرّر على الإطلاق المواقف العنصرية المتصاعدة  في وحشيتها و جرائمها ضد العرب و المسلمين إذ أن التسامح الديني يجب أن يكون تسامحاً مع جميع الأديان و ليس مع دين واحد فقط ويجب عدم التمييز ضد أي شخص على أساس الدين أو العرق و ليس عدم التمييز ضد معتنقي دين واحد فقط. إن معالجة مسألة الكراهية و التمييز و العنصرية بشكل شمولي، أياً كان مصدرها و مروّجوها، يمثل الأمل الحقيقي لسلام عالمي دائم و شامل■

22 Nov. 2004