تجارة إغلاق النوافذ على الجميع ..

 

                                                                                 د. بثينة شعبان


لا تستطيع قراءة واحدة أن تحيط بمجريات يوم جمع في سويعاته أحداثاً تحمل متناقضات، سوف تتكشف أبعادها على مدى الأشهر والسنوات المقبلة. ولذلك لا بدّ من تقديم قراءات مختلفة لأحداث يوم الجمعة الثاني عشر من تشرين الثاني، وقد صادف الجمعة الأخيرة من شهر رمضان وهو يوم القدس، ويوم وداع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات إلى مثواه الأخير، وهو الذي حمل قضية شعبه إلى العالم على مدى ثلاثين عاماً، ويوم جمع الرئيس بوش وحليفة البريطاني توني بلير في أول مؤتمر صحافي يجمعهما، بعد انتخاب بوش لولاية ثانية، ليدليا بأول تصريح رسمي لهما حول الشرق الأوسط.


برهن الاهتمام العربي والدولي بالمرض المريب الذي أصاب الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، ومن ثمّ بوفاته وبمراسم تشييعه في فرنسا ومصر وفلسطين، والإشادة بمناقبه في النضال من أجل حرية شعبه، برهن على أن شارون فشل في مسعاه لعزل عرفات عن العالم. فرغم الحصار لم يتمكن شارون من أن يجعل عرفات «لا علاقة له بالقضية الفلسطينية». ولم يكن عزل عرفات في رام الله وحرمانه من التنقل والسفر سوى إجراء تعسفي استطاع أن يسجن الجسد لكنه فشل في أن يسجن القضية الفلسطينية، التي تمثـّل آخر حالة لتصفية ظاهرة الاستعمار والعنصرية المتوارثة في القرن العشرين. كما أن ذهاب معظم القادة والمسؤولين العرب إلى القاهرة لحضور إجراءات تشييع جثمان عرفات، يُـري أنّ الحدود التي يحاول أعداء الأمة إرساؤها والتشديد عليها، تذوب تلقائياً في لحظة تَوَفـُّر الإرادة العربية الحقيقية. كما يـُري أنّ المسافات بين العرب قصيرة جداً، وأن الإعلام الذي يحاول أن يعمِّق ويعزِّز نتائج سايكس بيكو، يتجاهل تلك القلوب النابضة بالعروبة والانتماء القومي، والتي تشغل مساحات الوجدان العربي في كل مكان من الوطن العربي الحالم بالوحدة وبالمصير المشترك.


وهكذا شيّع العالم من مانديلا إلى كاسترو وشافيز إلى أوروبا وآسيا، الولايات المتحدة والعالم العربي، رجلاً مثــَّلَ مرحلة دامية من كفاح الشعب الفلسطيني، تميّزت بالصعاب الجسام والآمال الكبيرة، بالحرية والخلاص من جرائم العنصرية والاستعمار الغربي، والتي أرست في العالم واقعاً هو أن حق هذا الشعب في الحرية والاستقلال لن يموت مهما تناوبت عليه عاتيات السياسة الدولية والظلم الاستعماري والعدوان العنصري.


لكنّ جنازة عرفات كانت أيضاً جنازة اليتيم الذي ناضل من أجل الحرية والاستقلال، ولكنـه لم يتوصل إلى أن تـُقَام له جنازة في عاصمة فلسطين، لأنّ الاحتلال الإسرائيلي ما زال جاثماً على صدور أبناء شعبه قتلاً وتدميراً وتشريداً وجرائم يندى لها جبين العالم المتحضّر. وبدلاً من أن يتساءل العالم عن الفوضى التي دبّت أثناء التشييع، كان من الأجدر به أن يتساءل لماذا تمّ تدمير البنية التحتية الفلسطينية من قبل قوات الاحتلال، وهدم المؤسسات وسدّ سبل العيش الكريم أمام الشعب الفلسطيني، وإغراقه فقراً، ومنعه حتى من إدخال الكتب إلى الضفّة وغزّة، ومن ثمّ مطالبته بأن يكون ديمقراطياً حرّاً قادراً على خوض المناسبات بالشكل اللائق!


وبينما كنـّا نراقب ما يجري في القاهرة وفلسطين، وحيث كانت قوات الاحتلال تراقب أيضاً من الجو والأرض الدموع والزفرات مستعدّة لمواصلة جرائمها الدموية، بعد أن تغاضت عنها أعين العدالة الدولية، طلع علينا الرئيس بوش في مؤتمره الصحافي المشترك مع بلير، ليُعلن «أن مسؤولية السلام ستقع على الشعب الفلسطيني ورغبته في بناء الديمقراطية ورغبة إسرائيل بمساعدتهم في بناء الديمقراطية». وبذلك تخلّى تماماً في بضع كلمات عن خطابه الرئيسي الأول في شأن الشرق الأوسط الذي ألقاه في نيسان 2002، والذي كان قد تراجع جزئياً عمّا جاء فيه في حزيران من السنة ذاتها، ومن ثمّ في نيسان عام 2003. وتفادى بوش الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان يعتقد «أنّ على إسرائيل أن تجمّد عمليات الاستيطان»، كما لم يبد حماسة لاقتراح بلير «تنظيم مؤتمر دولي لحلّ النزاع في الشرق الأوسط»، وأجّل موعد ما وعد به من إنشاء الدولة الفلسطينية في 2005 إلى 2009، ريثما يكون شارون قد استكمل مخططه الاستيطاني على معظم أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف. تحدّث الرئيس الأميركي عن قيام دولة حرة في فلسطين، ولكنـّه لم يذكر من مقوّمات هذه الدولة سوى «انتخاب رئيس جديد وأن يعانق الرئيس الجديد مبدأ الدولة الديمقراطية». والسؤال البدهي هو كيف يمكن إيجاد دولة حرة تحت الاحتلال، وإجراء انتخابات حرة والدبابات الإسرائيلية تعيث في مدن وقرى الضفة الغربية وغزة قتلاً ودماراً، وكيف يتم تقييم ما يدور في ذهن بوش من حديث عن الحرية والديمقراطية، وهو الذي لم يدن جرائم حليفه شارون، بما في ذلك بناء جدار الفصل العنصري ومصادرة أراضي الفلسطينيين وقتل أطفالهم واقتلاع أشجارهم وتدمير بنى حياتهم المدنية؟


إنّ ما ورد في مؤتمر الرئيس بوش الصحافي، يـُري أنّ القراءة التي يقدّمها الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ما زالت قراءة شارونية محضة، وأنـه يظن أن موت عرفات يشكـل نهاية مرحلة من النضال من أجل حقوق هذا الشعب، لكنّ منطق التاريخ يقول ان البقاء للشعوب، وان كافة شعوب الأرض عبر التاريخ لم تتنازل عن حقوقها في الحرية والاستقلال، والشعب الفلسطيني ليس استثناء، فقد قدم من التضحيات عبر عقود عديدة ما يؤكد أنـه لن يتنازل عن حقـه في نيل حريته مهما بلغ الثمن. والأمر الخطير في هذه التصريحات هو أنـها تعكس رؤى مشوشة، وسياسات دولية تطيل أمد الصراع وتطيل مراحل العذاب الإنساني الذي على هذا الشعب أن يتحملها قبل أن ينال الحرية والاستقلال اللذين ينشدهما.


ولم تكن المظاهرات في يوم القدس والتي انطلقت في طهران وبيروت وكراتشي والمنامة وغزّة ودمشق وغيرها، إلا تأكيداً على التضامن مع حق الشعب الفلسطيني في الحرية. لقد كانت مصادفة هائلة أن يـُدفَن عرفات في يوم القدس، وأن تـُذر على جثمانه قبضة من تراب القدس، وأن يزرعوا فوق قبره شجرة زيتون، وأن ينطلق الآلاف في أنحاء مختلفة من المعمورة للكتابة في سجّل وداعه أو رثائه أو تشييعه رمزياً في بلدانهم. الصراع الحقيقي هو بين شعب مؤمن بحقه في أرضه وتاريخه، ولكنه سُلب أدوات الدفاع عن هذه الأرض وهذا الحق، وبين قوى عنصرية لا تعرف سوى قوة السلاح وتستخدمه بأبشع الطرق ضدّ شعب أعزل، فتسلبه كل مقومات الحياة وتتهم كفاحه من أجل حريته بالإرهاب، ولكن البقاء دائماً للحق والعدالة، فمهما أسدلت الآلة الإعلامية الضخمة الممولة بسخاء من قبل الصهيونية العالمية من ستائر التعتيم والتشويه على ما يرتكبه قادة إسرائيل وجيشها من جرائم وحشية بحق شعب فلسطين، فإن أجيالاً ستنهض من تحت الرماد لتواصل العمل من أجل نيل حقها في الحرية والعدالة، ومهما اغتالوا من أطفال سوف تلد الأمهات مقاومين للعبودية والعنصرية. إنّ كل ما يصيب العرب اليوم من مآسٍ هو في جوهره نتيجة الفرقة العربية وعدم التوجه بقلب واحد وصوت واحد للدفاع عن قضايانا أمام العالم، ولعل المصاب الجلل الذي يحل اليوم بشعب وتاريخ العراق وشعب وتاريخ فلسطين والمواقف المتجاهلة للحق العربي التي تلقي اللوم على الضحية وتكافئ المحتلين والسجانين والقتلة، علّ كل هذا يحرك في العرب جميعاً حافزاً كي يفعلوا ما فعلوه البارحة من دون رسميات أو تخطيط، فيقفزوا جميعاً إلى ساحة الحدث ليعلنوا أنهم كل واحد، وأن مصيرهم واحد، وأنّ مستقبلهم شاءوا أم أبوا، هو مستقبل واحد■

15 Nov. 2004