الخروج من عولمة الخوف

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

في مقدمة لأول كتاب كتبته تحدَّثت فيه عن الخوف الذي يساورني كامرأة، الخوف من أن أكون الابنة أو الأخت أو الزوجة أو الأم المطلوبة و استمرار هذا الخوف رغم كلّ تحصيل علمي أو ارتقاء أكاديمي أو تقدّم مهني. و حين قرأت محررّةُ الكتاب هذا الفصل قبل نشره بسنوات كتبت لي رسالة تقول فيها أنني شجّعتها أن تتحدث عن الخوف الذي أصاب مشاريعها بالشللّ و حدَّ من تحقيق طموحاتها. و كانت تلك فاتحة لمراسلات استمرَّت سنوات ساعدتني في التحرر من الخوف من خلال الكتابة و أصبحت رسالتي للنساء حالما رأى كتابي النور أنّ التحرّر من الخوف هو أهم عامل يمكـِّن المرأة من النجاح في أيٍّ من المواقع التي تستحقـّها في الحياة و العمل, مهما بدا هذا الأمر صعباً للبعض أحياناً.

       أما اليوم و بعد عقدين من الزمن من ذلك التاريخ الذي شعرتُ به أنَّ على النساء أن يواجهن  وَهْمَ الخوف فإني أشعر بذات القوّة و القناعة أنّـه على البشرية اليوم أن تواجه وهم خوفٍ أشدَّ خطورة ً  و أبعد أثراً على مستقبل و هوية الإنسانية برمّتها. لقد تنامى هذا الشعور لديّ في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول حيث بدأت أجهزة الإعلام و الاستغلال السياسي للحدث تصنّع الخوف لتملأ قلوب و عقول البشر بالرعب و تتخذَ منه مبرّراً لتقومَ بما تريد القيام به من سياسات عنصرية و حروب إبادة و إعادة احتلال لبلدان مستقلـّة و غزو بلدان عربية و نهب ثرواتها و تخريب هويتها و تدمير مصائر شعوبها. و أخذت هذه الحملة، كالزوبعة المجنونة، تجرف ما بطريقها من تربة خصبة و تذرّ الرماد في العيون لتبقى هي الحقيقة الوحيدة الماثلة أمام الأنظار المشوَّشة المضطربة. فقد تزامنت تقريباً أحداث الحادي عشر من أيلول مع الحديث المكثّف عن عولمة الاقتصاد و الثقافة  و أنّ العالم أصبح قرية صغيرة و أصبحت تقنية المعلومات قادرة على نقل نظم معرفيّة بين مشارق الأرض و مغاربها بزمن قياسي لم يعرفه الإنسان من قبل و بدا هذا الحديث واعداً للمهتمين بمحاربة الفقر و العنصرية و التخلف و دعاة المساواة بين البشر بغضّ النظر عن الأعراق و الأديان و البلدان. و لكنّ ما حدث بالفعل بعد أحداث الحادي عشر من أيلول هو أنّ تقنية المعلومات و سرعة الانتقال بين الغرب و الشرق و الشمال و الجنوب قد تمّ استثمارها جميعاً في نقل نوع واحد من المشاعر انعكس وبالاً على الجميع ألا و هو الخوف من الآخر. و بدأ ساسة دول معروفة بالنفخ في نار هذه المشاعر لإثارة مناخ رعب شامل و متبادل بين الشعوب من أجل شنّ حملة تمت تسميتها بــ "الحرب على الإرهاب"   و التي تضمّنت في طيّاتها انتهاك أمن و سلامة و حرية بلدان و شعوب عريقة و تجاهل أسس صراع معروفة للعالم و التاريخ مما أدّى إلى ارتكاب جرائم حرب و إبادة تشمل حتى اغتيال أطفال بعمر الورود على مقاعد الدراسة أمام أعين العالم المصدومة بالخوف بحجّة مكافحة الإرهاب حتى أن المحلـّل للأحداث يشعر أنّ هذا الشعور العالمي بالخوف قد أدخل العالم بفوضى أخلاقية و سياسية لا تُحْمَد عقباها.

    و لا شكّ أنّ هناك دوائر قرار و مراكز قوى و جماعات ضغط تغذيّ هذه التوجّهات المغذّية للخوف من أجل تحقيق أهداف خاصة بها سواء أكانت سياسية أم دينية – عقائدية أم اقتصادية و تحت مسمّيات لا تمت إلى الواقع بصلة و لا تتطابق على الإطلاق مع الواقع المعاش و المعاناة اليومية المؤلمة لملايين البشر. و قد وقعت وسائل الإعلام ضحيّة عولمة الخوف فإذا بها تصبح مسخَّرة يومياً لنقل أخبار عائمة و مشوشة           و مشكوك بمصداقيتها عن أشخاص لا نعلم ما إذا كانوا موجودين بالفعل و بشكل يعزّز استمرار الخوف الذي يلفّ العالم كلّـه رغم معاناة الملايين من الأبرياء الطامحين إلى الحريّة و الأمن و العيش الكريم. و نتيجة التركيز الإعلامي اليومي على زراعة الخوف فإنّ بعض الشعوب و البلدان بدأت بالفعل تشعر بانعدام الأمن, رغم توفـّره,  و تتخذ كل الخطوات التي تعتقد أنّـها تجعلها أكثر أمناً حتى و إن تمّ انتهاك حقوق الإنسان و القانون الدولي و قد لا تعرف هذه الخطوات حدّاً سوى الإبادة العنصرية لشعب آخر كي تشعر أنها آمنة في ديارها. و مثال ذلك نشر وسائل الإعلام بعض الأصوات العنصرية التي تدعو إلى قتل المسلمين جميعاً أو العرب جميعاً كي يصبح العالم أكثر أمناً. و بالمقابل فإن الاتجاهات الدينية و الأخلاقية و الفكرية التي تدرك خطورة  وَهْمَ  الخوف المصنَّّّع بدراية مسبقة فتحاول التنبيه إلى أبعاده و آفاقه إلاّ أنّها لا تشكل كتلة سياسية أو عسكرية أو مالية واحدة و لا تمتلك مرجعية فكرية واحدة قادرة على إحداث التوازن مع تلك الآلة الجهنمية التي تصنّع الخوف.  و لهذا يشعر الكثيرون في هذا العالم أنّ هناك "ثقباً في قلبه"  كما قال توماس فريدمان و لكنّهم لا يعرفون كيف يسدّون هذا الثقب ما لم تنبثق في القريب العاجل مرجعية سياسية فكرية تعيد للحق و العدالة الاعتبار و تقضي على إمبراطورية الخوف التي بدأت تغلـّف العالم بالرعب من الآخر و تنخر الأسس الإنسانية السليمة التي بُنيَت عليها الحضارة البشرية الحديثة.

      و في السباق الحالي إلى البيت الأبيض يتمُّ  الاستثمار من قبل المجموعة الداعمة لكلا الُمرَشَّحَين فيتمّ إرهاب الشعب الأمريكي بالخوف من الإرهاب، و يتم قتل مئات الألوف من أطفال و نساء العراق و فلسطين لتلبية الغرائز الوحشية التي يثيرها وَهْمُ  الخوف. و بعد أن ينتهي هذا السباق لا بدّ من أن يتحرك أقطاب الضمير العالمي للوقوف وقفةً حازمةً ضدّ هذا التيار الجارف الخطير و الذي تسبّب لحدّ الآن في مقتل مئة ألف عراقي بحجّة البحث عن أبي مصعب الزرقاوي و يتسبّب بدمار بنية تحتية و حياة عمرها آلاف السنين لشعب فلسطين الذي يريد الأمن في دياره بحجّة ملاحقة الإرهاب   و لا بدّ من أن تتضمن هذه الوقفة إعادة الاعتبار للتيارات المعتدلة في جميع البلدان و من جميع الأديان و الأعراق كي تحتلّ العناوين الأولى في الصحف و المكان المركزي في نشرات الأخبار بعيداً عن تسخير وسائل الإعلام لزيادة مساحات الخوف و ما يثيره من مظاهر التشدّد و الكراهية و الغضب و الانتقام. و لا بدّ  من هذه الوقفة كي لا يصل العالم إلى حالة عنصرية خطيرة بدأت بوادرها بالظهور حيث يُتَهَم كلّ  مسلم و كل عربي بالإرهاب من أجل أن تُجْهِزَ آلة عسكرية وحشية على حقوقهم و ديارهم   و أرضهم و تاريخهم و هويتهم و حضارتهم.

    إنّ ما فعلتّه صناعة الخوف في السنوات الأخيرة دفعَ أعداداً أكبر من الناس إلى التطرّف بعد أن تمّ  تبرير سياسات استعمارية استيطانية عنصرية واضحة بحيث أصبح المتطرّف اليميني شارون يقف في الوسط السياسي في "إسرائيل" و هذا طبعاً نتاج حتمي لسياسة الإرهاب الشامل التي تبناها ضدّ الفلسطينيين مقابل تعميم الخوف بين الإسرائيليين بحيث يُصبح انعدام الشعور بالأمن سبباً إضافياً لمزيد من العنف و القتل و البطش و الإرهاب. لقد أدرك الكثيرون اليوم أن معظم البشر يطمحون إلى الاحتفاظ بخصوصيتهم الثقافية و الحضارية مع انفتاح و  تفاعل و تلاقح مع الثقافات  و الحضارات الأخرى و أنّ العولمة يجب ألاّ تعني بأي شكل من الأشكال التخلّـي عن خصوصية الهوية. و لكنّ العولمة الوحيدة التي نطمح إليها هي عولمة الحرية و الأمن   و السلام و حقوق الإنسان, و بالتأكيد ليس عولمة الخوف التي تدفع باتجاه العنصرية     و التطهير العرقي و الإبادة الجماعية و التي يذهب ضحيتها عرب  فلسطين و العراق اليوم. علّ أهمّ ما نحتاجه هو تحالف كلّ القوى الأخلاقية و المعتدلة في العالم ضدّ التطرف و الإرهاب لإحقاق الحقّ و العدالة و السلام و الانتقال الجذري من صناعة الخوف إلى صناعة الثقة و التعايش الديمقراطي بين شعوب الأرض بطريقة تتربع الحضارة الإنسانية على عرش الكرة الأرضية و ليس أباطرة المال و صنّاع الخوف  و الحروب■

1 Nov. 2004