على ماذا يراهن بذراعه اليمنى

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

بعد أسبوع من حرب إبادة مكثفة ضد الفلسطينيين أعطت صورة حيّة لما تعرّض له الهنود الحمر من ذبح لأطفالهم و هدم لمساكنهم و قتل متعمد و تشريد لقادة مجتمعاتهم  و بعد تلكؤ و انتظار طويلين في عمر من يستشهد و من يخسر حياته و بيته و مصدر رزقه و أمنه اجتمع مجلس الأمن و قدمت المجموعة العربية مشروع قرار في الأمم المتحدة طالبت فيه بإنهاء عملية الإبادة الوحشية الواسعة النطاق التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة حيث تجاوز عدد الشهداء المئة كلهم من المدنيين الأبرياء و معظمهم من النساء و الأطفال. و لا بدّ قبل معالجة الموضوع من استبدال التسميات التي أعطيت لما حدث في غزة في الأيام العشرة الأخيرة فالحل الجذري الذي أعلنه شارون و مجموعته التي تشن حرب الإبادة تعني ما تقول علناً و دون مواربة ألا و هو الإبادة الجماعية للفلسطينيين و التخلص منهم و احتلال أرضهم و ديارهم و استقدام مستوطنين يهود من فرنسا و أمريكا كي يحلّوا محلّهم. أما "عملية الندم" فلا شك أنها تستهدف جعل كل فلسطيني يشعر بالندم لأنه وُلِدَ فلسطينياً و أن هذه التسميات لعمليات الإبادة تعكس العقلية الإجرامية لشارون و مجموعته الحاكمة التي تستهدف كسر إرادة الصمود لدى الشعب الفلسطيني و إدخال اليأس في قلبه و حرمانه من خيار الحرية و الاستقلال و إجباره على الاستسلام لآلة احتلال عنصرية دموية لم تعرف البشرية أشدّ منها وحشية.

    و يأتي الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن على لسان جون دارفورث مستخفّاً بعذابات الشعب الفلسطيني معتبراً إياه "خطوة إضافية في الطريق إلى لا مكان" معبّراً عن سعادة لا تخفى على أحد بأنه "سوف يراهن بذراعه اليمنى أو اليسرى على أنّ هذا القرار لن يمرّ" كنت قادرة أن أفهم سعادة رجل يمثّل دولة عظمى حين يرفع ذراعه اليمنى أو اليسرى ليجنّب الكون أو البشرية دماراً أو حرباً أو اقتتالاً، و لكن أن ينتشي مندوب دولة عظمى لأنه برفعه ذراعه اليمنى أو اليسرى يستطيع أن يبقي الباب مفتوحاً لقوات احتلال حاقدة في إسرائيل أن تستمّر بارتكاب جرائمها الوحشية بالقتل الجماعي للأطفال و النساء و المدنيين الفلسطينيين و أن تستغل الإنشغال العالمي بالانتخابات الأمريكية و الصمت الدولي المخجل على الانتهاك اليومي لكافة حقوق الشعب الفلسطيني من قبل جيش مُعبَّأ بالحقد و التعاليم الإجرامية  و أن يرفع ذراعه اليمنى كي تستمر قوّة غاشمة في قتلها  للمدنيين و دمارها لبنية الحياة الفلسطينية و الروح الإنسانية الفتية بحيث أصبحت مجازر الأطفال الأبرياء التي ترتكبها إسرائيل مشهداً يوميّاًً على شاشاتنا الفضائية رغم كلّ التعتيم الإعلامي الذي تحاول إسرائيل فرضه على جرائمها البشعة.

     و تزامن نشر هذا الخبر مع نشر جزء من كتاب ألفه منسّق عملية السلام الأمريكي في عهد الرئيس كلينتون دينيس روس يتعلّق بالجاسوس بولارد و طبيعة المفاوضات التي جرت بين كلينتون و نتنياهو لإطلاق سراحه فبعد أن توصّل الإسرائيليون و الفلسطينيون إلى اتفاق سلام و بعد أن أعلن الفلسطينيون عن التوصل إلى هذا الاتفاق أصرَّ نتنياهو أنه لن يوقّع الاتفاق ما لم يطلق كلينتون سراح الجاسوس الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة (بولارد) و مع أنَّ الرئيس كلينتون لم يعد بإطلاق بولارد فإنّ الإسرائيليين أخذوا يشيعون بأن الاتفاق معلّق على بولارد و أن الرئيس نكث بوعده بإطلاق بولارد و واقع الأمر هو أن الرئيس كلينتون لم يعد بإطلاق بولارد و لكن نتنياهو قرر أنّه بعد التوصل إلى اتفاق سوف يمارس عملية ابتزاز على الولايات المتحدة و لا يوافق على التوقيع إلاّ إذا أطلق كلينتون سراح الجاسوس الإسرائيلي و قال نتنياهو لكلينتون: "لن أوقّع على الاتفاق مالم تطلق سراحه". تحدّث الرئيس مع بيبي (نتنياهو) على الهاتف لاحقاً فأبلغه بيبي (نتنياهو) أنّه سيأخذ سنة من النوم و سيقرّر ما يفعله بعد ذلك. قال روس للرئيس: "هل سيتخلّى عن اتفاق يعزّز أمن إسرائيل و يكسر الجمود الذي أصاب السلام و يعطي العملية دفعة كبيرة من أجل الحصول على بولارد. هذا أمر لا يمكن القبول به. لا يستطيع فعل ذلك و لا يمكنك الإذعان لهذا النوع من التفاهات". و كانت مادلين أولبرايت غاضبة من بيبي (نتنياهو) لأنّ القضية لا تعدو أن تكون إبتزازاً.

     ما هي الابتزازات التي تتعرض لها الحكومة الأمريكية اليوم كي تضمن إسرائيل استمرارها في حرب إبادة مخزية ضد شعب فلسطيني أعزل دون أن تسمح الولايات المتحدة حتى بإصدار قرار في مجلس الأمن "يحثُّ إسرائيل"  على إيقاف حمّام الدم الذي يتعرض له أطفال و أهل فلسطين في أبشع جرائم إبادة جماعية ترتكب بحق الإنسانية في القرن الواحد و العشرين. حين قرّر مندوب الولايات المتحدة أن يرفع يده اليمنى أو اليسرى لإلغاء قرار دولي هدفه "حثّ إسرائيل" على وقف المجازر و استباحة المقدّسات و تدمير شعب أعزل بريء على أرضه من قبل قوّة غاشمة ألم يشعر أنه يساهم في استمرار عملية قتل و تدمير مستمرة ضدّ الأطفال و المدنيين، أولم يشعر أنه يسيء استخدام حق الفيتو الذي منحته إياه الأسرة الدولية و التي يجب استخدامه فقط في حالات يقصد منها الحفاظ على الأمن و السلم الدوليين؟!  أما اليوم فقد أصبح الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن سيفاً مسلطاً على رقاب الأطفال الفلسطينيين الذين تذبحهم الدبابات الإسرائيلية و تدمّر بيوتهم و تقلع أشجارهم و سدّاً منيعاً يسد منافذ الحرية  و الاستقلال أمامهم. كل ذلك من أجل حفنة أصوات انتخابية و ربما ايديولوجية عنصرية معادية للعرب تحت ذريعة "الدفاع عن أمن إسرائيل ضدَّ الإرهابيين!"

      في الوقت الذي نشهد كل يوم على شاشاتنا أطفالاً و نساء مدنيين أبرياء تطالهم صواريخ المروحيات الأمريكية الصنع و القذائف و الشظايا و تخلق المآسي الإنسانية المريرة في كل دار و حيّ و مدينة لا نعلم ما هي القضايا التي يساوم عليها شارون و يمارس الابتزاز على الإدارة الأمريكية من أجلها و لكنها بالتأكيد ستكون بعيدة كلّ البعد عن كلّ مفاهيم العدالة و الإنسانية و السلام. حين نرى حرب الإبادة اشتدت على شعب بريء في شرقنا الأوسط علينا أن نفكّر ما هي الصفقات التي تعقد حتى تستحق كل هذا الصمت المريب عن أبشع ألوان الجرائم التي ترتكب بحق آخر شعب في الأرض يجثم تحت الإحتلال. و بما أنّ الانتخابات الأمريكية على أشدّها اليوم و التنافس هو على من يدعم إسرائيل أكثر مسقطين من الحسبان تماماً ما تقوم به إسرائيل من حرب إبادة عنصرية ضدّ العرب فأعتقد أنه على العرب ألا يجلسوا أمام الشاشات الفضائية بشعور عميق من النكبة و الإحباط بل أن ينتقلوا إلى مكاتب علاقات دولية و قانونية و سياسية تدرس الخارطة السياسية اليوم في فلسطين و العراق و تقرّر أي ثمن يدفعه هؤلاء الأبرياء في غزّة و الفلوجة و النجف و سامراء و كيف يمكن فضح ما يتخفى وراءها من ابتزازات و جرائم و متاجرات رخيصة بحياة الشعوب و الأمم■

11 Oct. 2004