لماذا أغفل الرئيس بوش أهم مصادر الخطر على الحرية

والكرامة الإنسانية؟

 

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

 

 

لا شك أن المحور الأساسي لخطاب الرئيس بوش الذي ألقاه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي والعشرين من أيلول الجاري هو الكرامة الإنسانية.  وبما أن هذا المحور يلامس عقل وقلب كلّ فرد و شعب في أرجاء المعمورة بغض النظر عن العرق والدين واللون والثقافة فالسؤال المتبقي هو إذاً لماذا تمّ استقبال هذا الخطاب بفتور من قبل المجتمعين هناك كما أشارت إلى ذلك جميع وكالات الأنباء ولماذا يثير الاستغراب في أماكن عديدة من العالم؟

 

إنّ الكرامة الإنسانية هي الحق الإنساني الذي تتساوى به جميع الشعوب من كافة الأعراق والأديان والثقافات والحضارات وهي مطلبٌ عزيز على الأطفال والمسنين والشباب والنساء والرجال وبكل المعاني هي الوحيدة التي تتحقق من خلالها إنسانية الإنسان، إذ كيف يمكن للإنسان أن يكون مكتمل الإنسانية إذا لم يتمتع بكرامة إنسانية وقورة ومحترمة ؟.  وعلّ هذا المطلب هو ما تناضل من أجله الشعوب وتضحي من أجله وتقضي وتستشهد من أجله أجيال متتالية من رجال ونساء عندما تتعرض شعوبهم للإذلال القومي لأن الموت يشكل رحمة للإنسان فقط إذا أصبحت حياته بدون كرامة.

 

والأمثلة التي تدعم صحة ما نقول هنا أكثر من أن تحصى وعلّ أقرب مثال إلى عالم اليوم هو ما صرّح به أسير من ضحايا التعذيب في سجن أبو غريب حين قال:"كنت أصرخ وأقول لقد كنتُ مع ابن لادن حين خُطَّطَ لهجمات أيلول، إنني مسؤول معه، تعالوا واقتلوني: فقط كي أتخلص من الإذلال الذي كنت أتعرض له على مدار الساعة".  والإذلال طبعاً هو النقيض الصارخ للكرامة الإنسانية وهذا ما يتعرض له الأسرى في العراق وفلسطين وربما في سجون أخرى تقع خارج نطاق القانون. ففي معرض حديثه عن منابع الخطر التي تهدد العالم الحرّ والسلام ذكر الرئيس بوش الشبكات الإرهابية والأنظمة الخارجة عن القانون وأسلحة الدمار الشامل ولكنه أغفل لسبب ما ، ربما لأسباب انتخابية ومعروفة ، مصدراً أساسياً من مصادر الخطر على السلام والأمن والكرامة الإنسانية ألا وهو الاحتلال الأجنبي .  فالاحتلال هو إخضاع إرادة إنسانية ومجتمعية إلى إرادة أجنبية طاغية بواسطة قوة السلاح والقهر والعنف والعدوان.  وفي تاريخ الشعوب جمعاء كان الاحتلال أشدّ مصادر الإذلال خطراً وأعتى تهديد للكرامة الإنسانية على مستوى الفرد والمجتمع وتاريخهما. وفي تاريخ الشعوب ونضالاتها من أجل الحرية والاستقلال كان الاحتلال الأجنبي  دائماً الإثم الأكبر الذي قضى أفراد مثل نيلسون مانديلا ما يقارب العقود الثلاثة في النضال ضدّه.  وقدّم الجزائريون المليون ونصف المليون من الشهداء لنيل حريتهم وقدّم الفرنسيون و الأمريكيون أنفسهم وضحايا احتلالهم في فيتنام ولاوس وكمبوديا الملايين من الشهداء لنيل حريتهم. ولذلك فإن النضال ضد الاحتلال الأجنبي يمثّل اليوم لدى كلّ الشعوب والحكومات، ما عدا حكومتي إسرائيل و الولايات المتحدة، أهم مكونات الكرامة البشرية التي لا تهادن الشعوب عليها لأنه التأكيد على تمسكها بالكرامة والحرية.

 

وفي هذا الإطار الهام، كما في أي موضوع آخر، لا يمكن معالجة الأعراض دون معالجة الداء الأساسي بعد تشخيصه وتوصيف الدواء له.  لقد حرّك مشاعري وصف الرئيس بوش للمرأة الروسية سفيلتانا دزبيسوفا التي ذهبت لتزور  قبر ابن أخيها فرأت "القبور الصغيرة" للضحايا  في الكارثة الإنسانية التي حلّت بأطفال المدرسة في روسيا.  وذكرتني هذه العبارة بآلام يومية تعانيها مئات الألوف من النساء العربيات في فلسطين منذ أكثر من نصف قرن إذ لم يعد سراً على الإطلاق أن قوات الاحتلال الإسرائيلية أخذت في السنوات الأخيرة تصطاد الأطفال الفلسطينيين بواسطة قناصة محترفين  وهم عائدون من المدرسة أو وهم في أرض الديار مع أهلهم لا لشيء سوى لأنهم قد يكبرون يوماً ما ويقاومون هذا الاحتلال البغيض وقد استشهد إلى حدّ الآن أكثر من أربعمئة طفل فلسطيني كما سبب الاحتلال إعاقات متعمدة ودائمة للآلاف منهم ويعتقل الاحتلال الإسرائيلي في سجونه اليوم أكثر من سبعمئة طفل فلماذا تذكّر الرئيس بوش أطفال روسيا وأغفل أطفال فلسطين ؟ هل يعتقد أن أطفال فلسطين يستحقون القتل لأن وراء  قتلتهم لوبي يموّل الحملات الانتخابية ويمتلك الإعلام؟!

 

 ولا مجال هنا للحديث عن سياسة تدمير البيوت بالجرافات الأمريكية الصنع والتي تشكّل ضربة في الصميم للكرامة الإنسانية أو استلاب الأرض من أصحابها وبناء جدار الفصل العنصري عليها، كما أنه لا مجال للحديث عن العلماء والأطباء والفقهاء وأساتذة الجامعة الذين يتم اغتيالهم في العراق يومياً ممّا يشكّل إذلالاً لكرامة شعب العراق غير الإذلال الشديد للكرامة البشرية لهؤلاء وذويهم وأطفالهم وكلّ من يمتّ لهم بصلة. لا أحد في العالم يختلف مع الرئيس بوش أن الناس في مدريد واستنابول وبغداد لم يفعلوا شيئاً ليستحقوا القتل العشوائي المفاجئ ولكن لا أعلم لماذا غابت جنين ورام الله ورفح من قائمة المدن التي لم يفعل أهلها شيئاً ليستحقوا قتل أطفالهم وتدمير منازلهم؟! ومن مدريد التي عانت هجمة إرهابية مشينة تحدّث رئيس وزرائها زباتيرو فقال إن الصراع العربي الإسرائيلي يُشكّل سرطان الشرق الأوسط ولابدّ من معالجة هذا السرطان كي نحقّق الأمن والأمان والاستقرار للجميع.  إنّ تداعيات الحرب على الإرهاب قد توصلت إلى حدّ الآن إلى نتيجتين خطيرتين: الأولى هي ازدياد رقعة الإرهاب في العالم نتيجة فقدان الأمن والنظام مما أعطى مساحة أكبر للعاملين على نشر الرعب والخوف والقتل والثانية هي تلك الهوّة التي تتسع أيضاً بين ما تتم تسميته "الدول المتحضرة" وغيرها مما يولّد حملة  عنصرية تزداد إتساعاً  ضدّ العرب والمسلمين في الغرب بدأ الجميع يلمسون آثارها الخطيرة والتي قد تتفاقم وتخرج عن حدود السيطرة إذا لم نضع حدّاً لها في القريب العاجل.

يعرف الجميع من هو مصدر تمويل وتدريب و تسليح  الإرهابيين بالأساس في فترة الحرب الباردة  ولم تكن الإدارات الأمريكية وإعلامها تتوانى عن تأييد عملياتهم عندما كانت تنفجر قنابلهم في شوارع مدن الدول المستهدفة من قبل السياسة الأمريكية.

 

أما اليوم لا أحد يعلم من يقود هذه الحملات الإرهابية فعلاً ومن هو صاحب المصلحة فيها ولكنّ المؤكد أن من يقودها لا يمتّ إلى الإسلام والعروبة بصلة.  فالإسلام الحنيف تحدّث باستفاضة عن حرمة قتل النفس البريئة وعن معاملة أسرى الحرب وعدم التعرّض للمدنيين الأبرياء وخاصة النساء والأطفال وما يُعزى اليوم إلى مسلمين من خطف وقطع رؤوس وتلذذ بالعنف تستهدف تشويه صورة المسلمين والعرب من أجل تصعيد مشاعر الحقد العنصري ضدهم  والمضيّ في انتهاك مقدساتهم وديارهم وقتل أطفالهم وعلمائهم. وفي هذا الصدد فقد أصدرت الكنيسة الإنجيلية في بريطانيا منذ أيام تحذيراً خطيراً بأن عمليات الشرطة ضدّ الإرهاب في بريطانيا تستهدف بشكل غير معقول المسلمين دون أدلّة تذكر مما يسبب تغريبهم عن المجتمع وخلق شعور عنصري ضدهم في المجتمع وقالت الكنيسة في مقال نشرته جريدة الغارديان في 21 أيلول " إن الحملة تساهم بشدة في خلق شعور منافق بالعدالة والحرية والكرامة بين البريطانيين والآخرين، ومعظمهم من المسلمين وتغذّي الشعور بانعدام العدالة لديهم ولذا يتوجب إيجاد تشريعات جديدة تعالج الإرهاب بغض النظر عن جنسية المشتبه بهم". ونبهت الكنيسة الإعلام البريطاني إلى "خطورة إبراز أعمال ووجهات نظر أقلية قليلة ومتطرّفة لا تعبّر عن رأي المجموع وتوجّههم " وأضافت " أن القوانين التي تمّ سنّها في بريطانيا مثل قانون الإرهاب وقانون الأمن ومكافحة الإرهاب تستخدم بشكل كبير ضدّ الأجانب الذين يمكن اعتقالهم إلى أمد غير محدود". وطبعاً صدرت قوانين أشدّ في الولايات المتحدة وغيرها من البلدان نتيجة استخدام بضعة أشخاص متطرفين كانت المجتمعات الإسلامية أول من يناضل ضد تطرّفهم ليمثّلوا المسلمين والعرب في الغرب وليبرّروا كلّ القوانين والإجراءات التي تتخذ ضدّ العرب والمسلمين في الولايات المتحدة وأوروبا وكلّ الجرائم التي ترتكب بحق الشعبين الفلسطيني والعراقي.

 

إذا كان الرئيس بوش يريد فعلاً إنقاذ واحترام الكرامة الإنسانية فلا بدّ من إلغاء عبارة "الإرهاب الإسلامي" فلم يصف العالم أي حركة ينتمي أفرادها إلى المذاهب الكاثوليكية أو البروتستانتية أو البوذية أو غيرها بأنها " إرهاب كاثوليكي " مثلاً لأنّ بعض أفرادها كانوا كاثوليكيين.  ولا بدّ من إلغاء عبارة " الدول المتحضرة والآخرين " فكأن هناك دولاً متحضرة ودولاً غير متحضرة ثقافياً.  إنّ الحضارة ليست الغنى المادي والصناعي فقط وإنما تتكون من مكونات أعقد وأعرق وأهمّ ومن أخطر مظاهر العنصرية المتصاعدة ضد العرب هو الحديث عن الدول المتحضرة  في إشارة إلى أن العرب و المسلمين غير متحضرين.  كما أنه لا بد من مراجعة استراتيجية الحرب على الإرهاب خاصة وأنها أدخلت العالم في فوضى أخلاقية وها هي تطلق نذر العنصرية في الولايات المتحدة وأوروبا ضدّ العرب والمسلمين. وأخيراً وربما أولاً وقبل كلّ شيء لا بدّ من إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وإنهاء معاناة الشعب العراقي والتركيز على وحدة وأمن شعب العراق و على حق شعب فلسطين في نيل حريته و استقلاله  كي تتحقق أول متطلبات الكرامة الإنسانية في منطقة الشرق الأوسط التي هي مهد الحضارات الإنسانية  والديانات السماوية ومهد كل القيم الإنسانية التي تتباهى بها " الدول المتحضرة " وأهمها الكرامة الإنسانية■

27 Sept. 2004