أي عرب نتكلم عنهم:

 غارقون في العزلة الذاتية أم طامحون للحرية والعزة القومية

                                                                                           

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

 

هل أصبح محظوراً علينا جميعاً أن نستخدم ضمير الجمع المتكلم لنعبر عن تقصير جماعي أو حلم مستقبلي أو ضرورة العمل من أجل البقاء نتجرأ أن نسميها ضرورة عربية؟ هل أصبح محظوراً علينا أن نحلّق فوق القطرية ونتحدث بلغة الضاد عن أبناء وبنات الضاد بما لهم وما عليهم في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا؟ هل أصبح ممنوعاً علينا ألاّ نقع في براثن من يروّج لنظرة عنصرية ضدّ هذه الأمة فيتهم ديانتها وتراثها وأخلاقها بالإرهاب ولا نقع في معسكر من يتهم الغرب برمته بأنه شرير ويضمر الشّر لأمتنا جمعاء؟ هل أصبح الانتماء إلى هذا المعسكر من التطرف و الانغلاق و العدوانية أو ذاك هو الحلّ الوحيد وأصبحت العودة إلى العقلانية المتمسكة بأصالة العروبة وكرامتها دون إسفاف أو استهتار بمواقف أصحاب الضمير في الغرب والذين يقفون بكل صلابة وعنفوان ضد السياسات الهوجاء التي تستهدف منطقتنا وأمن شعوبنا ؟ هل أصبح كل ذلك عصّياً علينا اليوم وبعيد المنال عن أقلامنا الحّرة التي تأبى الممالئة أو الاستكانة؟ هل أصبح السؤال الذي يلي ذلك هو: أي عرب تقصدين؟

 

إنني بالتأكيد لا أقصد العرب الذين يتهمون حضارتنا أو ثقافتنا بالتهم التي يكيلها لنا عنصريو القرن الحادي والعشرون بشكل مباشر أو غير مباشر، كما لا أقصد العرب الذين يخجلون من عروبتهم أو يشعرون أنهم في موقف دفاعي ضعيف وكذلك لا أقصد العرب الذين يعيدون تفسير النّص العربي لأغراض تزيد في الجسد العربي وهناً وفرقة، أو الذين يجتزؤون النّص لكي يصبح سلاحاً مسموماًَ لتسديد ضربة لهذا أو لذاك في صراعات الشقاق العربية ، كما لا أقصد العرب الذين اتخذوا من شخصنة الأمور منهجاً حتى تكاد قضايانا أن تغرق في سيول الذات الجارفة المتضخمة هنا وهناك والتي ترى نفسها فوق الأوطان والشعوب وبعد كل زمان ومكان. وكذلك لا أقصد العرب الذين ينتقدون من أجل التجريح أو نشر الإحباط أو الذين يعملون بشكل سلبي ويفهمون النص سلباً ويقرأونه مع سابق إصرار على السلبية لأنهم لا يستطيعون الخروج من عالم الذات المصابة بأورام النرجسية و لأنهم عاجزون عن الدخول في عالم الفكر الخصيب ضمن الإطار والأسس والطموحات والمثل والقيم التي رسمها الكاتب لنفسه وأوضحها لقرائه مراراً وتكراراً.

 

حين أقول "نحن كعرب" فإنني أقصد العرب الذين آمنوا بأمتهم وعملوا منذ أكثر من قرن على إعادة تأسيس الكيان السياسي القومي للأمة العربية وفق معايير النهضة القومية التي أوصلت بلداناً مثل ألمانيا وإيطاليا قديماً، والهند والصين حديثاً إلى ما هي عليه من عزّة ونماء وتقدم وحرية بفضل وحدة شعوبها ضمن دولة قومية واحدة. إنني أقصد العرب الذين حافظوا على مدى قرون على إيمانهم بمصيرهم المشترك ورؤيتهم المشتركة بأن في وحدتهم عزة وقوة لهم جميعاً وفي تفرقهم ضعف واستهانة. إنني أقصد العرب الذين لم تثنهم التضحيات الجسام ومئات الأعوام من الاحتلال الأجنبي عن النضال من أجل حرية العرب واستقلالهم وأقصد أيضاً العرب الذين ضحوّا وقضوا كي لا يموت شرف البسالة في هذه الأمة، و كذلك العرب السائرين على الدرب نفسه والذين يتجرعون علقم التعذيب في سجون العنصرية الحديثة والذين يقاومون جرائم الاحتلال الرهيبة من أجل أن يؤكدوا لنا جميعاً تمسكهم بكرامتهم القومية وطموحهم من أجل الحرية والاستقلال. ولكنّ كل هذا لا يوجب علينا استعداء الآخرين بل العمل معهم ومن خلالهم من أجل إيضاح الصورة الحقيقية الناصعة لأخلاق ومثل وقيم وتراث هذه الأمة. وليس من شيم الغيورين على أمتهم قطع الرؤوس والتمثيل بالجثث وتفجير الأسواق فهذه الحملات اليومية من الإرهاب الدموي في العراق التي تشمل اغتيال العلماء والأطباء العراقيين وأساتذة الجامعات وتُنَفّذ بأيدٍ حاقدة على العراق والعرب مصممّة على استنزاف الطاقات الفكرية الخلاّقة في العراق كي لا تقوم له قائمة لمئة عام قادمة.إن احتلال العراق ومصادرة ثرواته ونهب هويته التراثية واغتيال خيرة أبنائه أجزاء متكاملة من حملة استهدفت عروبة العراق ومستقبله بعد أن أدمت عروبة فلسطين بالاستيطان ونكلت بشعبه بالمجازر وأذاقته أصناف العذاب الإنساني. لكنّ كل هذا لا يغفر لنا نحن جميعاً كعرب عدم حمل رسالة أمتنا الحضارية وتوقها للحرية والكرامة بصوت واحد إلى الساحة الدولية. ولو اجتمعت قلوب العرب جميعاً ربما لما كنا اليوم على ما نحن عليه ولو اجتمعت قلوبهم اليوم لا شك أن الغد سيكون أفضل بكثير.

 

لقد أخذت أصوات حرة تظهر على الساحة الدولية لتشكك باستراتيجية "الحرب على الإرهاب" وتطالب الضمير العالمي بالوقوف ضد المجازر اليومية التي ترتكب بحق الشعبين العراقي والفلسطيني وما تصريح كوفي أنان في هذا التوقيت بأن الحرب على العراق غير شرعية إلا تتويجاً لتصاعد منتظم من استنكار الرأي العام العالمي لاستباحة أرض العراق وتاريخ العراق وحرية شعبه، ولا شك أن ما يجري في العراق هو مسؤولية من أتى "لينقذ الشعب العراقي" ويلتزم الصمت اليوم حيال أشنع مأساة عاشها الشعب العراقي. في الأسبوع الفائت فقط كتب فريد هاليدي ومايكل بنيون من بريطانيا يستنهضان الرأي العام العالمي ضد هذه "الاستراتيجية ضد الإرهاب" و التي أشعلت بؤراً جديدة للإرهاب وأدخلت العالم في فوضى أخلاقية وأمنية وسياسية. وفي مؤتمر الأمم المتحدة للمجتمع المدني تعهد ناشطون دوليون بالسعي لفرض عقوبات على إسرائيل ومقاطعة الاستثمار فيها على غرار مقاطعات سابقة لدولة الابارثيد في جنوب أفريقيا كما دعا نواب وأكاديميون بريطانيون إلى توفير حماية دولية للاجئين في الأراضي الفلسطينية وبحث البرلمان الأوربي الأوضاع الخطيرة في العراق وسبل توفير الحماية والأمن للشعب العراقي.

 

كل هذا يجب أن يكون حافزاً لأولئك العرب الذين أقصدهم جميعاً كي يتحملوا مسؤولياتهم في هذه اللحظة الحرجة وذلك بالتسامي فوق كل ما هو قطري وشخصي والانخراط بكل ما هو عربي وقومي ويمثل مصلحة الأمة و الشعب الذي آمن والطفل الذي استشهد والمقاوم من أجل الحرية الذي ينتظر الجميع في زنزانته المظلمة. لقد قال المفكر العربي ناصر الدين الأسد في دمشق منذ يومين "أنني أبقى أحلم أن بلاد العرب أوطاني" وأستدرك "علّ هذه طفولة ولكن أليس الأطفال اليوم هم شهداؤنا و هم أبطالنا؟". و لذلك عندما أكتب "نحن العرب" فإني لا أقصد الغارقين في صمتهم، أو في تصريحاتهم المذلة، أي في عزلتهم الذاتية، بل أقصد أولئك الطامحين إلى العيش في غدق الحرية و العزة القومية، أي أولئك المستعدين لتلبية نداء الواجب القومي لخير الفكر و العمل من أجل حماية حاضر العرب من طوفان العنصرية الكامنة في الفكر و التاريخ و المجتمعات الغربية التي تجد في العرب اليوم ضعفاً من شقاق و فرقة كي تنزل فيهم احتلالاً و قتلاً و تعذيباً بعد أن كمنت لهم قروناً بانتظار إشباع رغبة الانتقام العنصرية المعادية للعرب■

20 Sept. 2004