قائمة طويلة لضحايا الحملة على الإرهاب تتصدرها الحقيقة

 

                                                                                 د. بثينة شعبان


مع اقتراب الذكرى الثالثة لأحداث الحادي عشر من أيلول، ومع إعلان الرئيس بوش أنّ حرب مكافحة الإرهاب هي «كفاح آيديولوجي طويل المدى»، اصبح لزاماً على جميع العقلاء في العالم التوقف ومراجعة ما تمت تسميته «الحملة على الإرهاب»، وتحديد الوجهة التي تتخذها، وأثرها على شعوب الأرض قاطبة. إذ لم تعد آثار هذه الحملة تطال من يُـعتَقَد أنهم مسؤولون عن أعمال إرهابية، بل أخذ هذا التأثير يمتد لينال من العلاقات بين الشعوب والأديان، ويغرس بذور الفرقة والكراهية والشك. ورغم أن القائمين على هذه الحملة قد أعلنوا مراتٍ عدة أنهم يستهدفون أشخاصاً بعينهم، إلا أنّ مجريات الأمور على أرض الواقع، تبرهن على أنّ الأهداف تختلف تماماً عما هو معلن.
ولعلّ أول وأهم ضحايا هذه الحملة هي الحقيقة، إذ أنّ التهويل والترويج والتسويق لفكرة بعينها، بغضّ النظر عن كل ما يناقض هذه الفكرة على أرض الواقع، قد أدخل إلى اللغة الإعلامية مصطلحات كانت تثير السخرية منذ سنوات، سواء من الناحية المنطقية أو القانونية. فكم مرة يقرأ المرء أخباراً تدين أشخاصاً «يُعتقد أنهم كانوا ينوون» القيام بعمل ما أو أفراداً «كانوا يفكرون في التخطيط» أو «من تم الاشتباه في أنهم كانوا على وشك الحصول على قنبلة أو أسلحة»، بحيث أصبحت الصناعة الإعلامية للخبر لا تحترم عقل الإنسان وفكره، وأصبح التحقيق في الخبر الإعلامي جزءاً من ذكريات الماضي البعيد. وحتى حين يبدو الخبر واثقاً من نفسه، مثل «تبني مجموعة إسلامية مجهولة حرق معبد يهودي في باريس»، فإنّ السرعة في هذا التبني، وقبول أي مصدر على الإنترنت، مع كثرة هذه المصادر وعدم مصداقية الكثير منها، قد نكتشف، بعد فترة، أن هذا الخبر لا أساس له من الصحة، لأنّ الذي أحرق المعبد موظف يهودي فيه. ومعظم الأخبار السريعة وغير الموثقة تستهدف رمي الفتنة بين الأديان وتشويه صورة المسلمين والعرب في الغرب، واتهامهم بالإرهاب والتعصب، وبث روح القلق من وجودهم في المجتمعات الغربية.


ولعلّ تبني بعض المصطلحات على أعلى مستويات الساسة الغربيين، مثل «الإرهاب الإسلامي»، أمر غير مقبول على الإطلاق، ويجب الاعتراض عليه بشدّة، لأنّ الإرهاب لا دين و لا هوية ولا عرق ولا لون له. كما أنّ استخدام تعابير مثل «العالم المتحضّر» للإشارة إلى العالم الغربي ضدّ العالم الشرقي، يتضمن في طياته عنصرية فاضحة، يجب ألا تمرّ من دون إدانة ورفض. كما أن اختراع ألعاب مثل لعبة «اضربوا العراق» تتضمن امتهاناً ليس للشعب العراقي وحسب، وإنما لكلّ عربيّ مؤمن بعروبته. كما كتب أكثر من كاتب غربي عن رواج الكتابات التي تتناول العرب والمسلمين بعنصرية مقيتة. وأصبح يطلق على هؤلاء، أمثال ديفيد كيلروي في بريطانيا، وميشيل مالكين في أميركا «النجم الصاعد»، حيث دافعت مالكين عن اعتقال العرب والمسلمين، وحضت على زجهم في مخيمات اعتقال في الولايات المتحدة، كما دافعت عن احتجاز آلاف اليابانيين بمراكز اعتقال خلال الحرب العالمية الثانية. والأرقام تري أن الروايات التي تعبّر عن عنصرية مكشوفة ضدّ العرب، هي الأكثر رواجاً في الولايات المتحدة. وآخر هذه المظاهر الخطيرة، سحب تأشيرة الأكاديمي المسلم الشهير طارق رمضان، ومنعه من مباشرة عمله في جامعة نوتردام بولاية إنديانا، حيث كان سيتولى فيها تدريس أخلاقيات الإسلام وقيمه، في معهد جوان كروك لدراسة السلام العالمي التابع لجامعة نوتردام.
إن النيل من العرب والمسلمين وثقافتهم وحضارتهم ودينهم، يمهّد الأرضية الفكرية، ويعد الكيان الاجتماعي لاحتلال أرضهم وتعذيبهم وقتلهم من دون أن يلقى ذلك معارضة تذكر. فها هو البنتاغون يعارض منظمات حقوق الإنسان بإجراء تحقيق مستقل في انتهاك حقوق السجناء العراقيين على أيدي جنود أميركيين، تقدمت بها جماعات مدافعة عن حقوق الإنسان وعضو ديمقراطي بارز في الكونغرس. وها هم الأسرى الفلسطينيون يتبعون طريقة النضال السلمي ضدّ الاحتلال، فما هو الاهتمام الذي أعاره إياهم العالم؟  ولا يقتصر تأثير الحملة على الإرهاب على العالمين العربي والإسلامي، بل يتجاوز ذلك ليترك آثاراً قد تبدو بسيطة ولكنها في غاية الخطورة، على الأميركيين أنفسهم والعالم برمته. فها هو البيت الأبيض يقترح إنشاء منصب مدير للاستخبارات الوطنية، ومركز جديد لمكافحة الإرهاب. ويتضمن هذا الإجراء الجديد، منح رئيس وكالة الاستخبارات المركزية صفة جديدة هي مدير الاستخبارات الوطنية، الأمر الذي يعني مزيداً من السلطات والصلاحيات لأجهزة الاستخبارات الـ 14. كما يعني تعزيز أنشطة تبادل المعلومات بين أجهزة الاستخبارات. وبهذا نرى أنّ الضحية الثانية للحملة على الإرهاب، بعد الحقيقة، هي الحقوق المدنية التي يتمتع بها المواطنون، وتفسير الحياة والنشاطات والأعمال والتصرفات بطريقة أمنية، بذريعة الوقاية من الإرهاب. وبذلك تتراجع تدريجياً الحرية الفردية، وتتسع بشكل متزايد، سلطات أجهزة الدولة السرية، وبالتالي، تتدهور الدولة «الديمقراطية» إلى مستوى دول العالم الثالث.
إنّ الشيء الوحيد الذي نجحت الحملة على الإرهاب في تحقيقه، هو أنها وضعت البشر جميعاً من كافة الأديان والأجناس والقوميات، في قارب واحد، وجعل العرب يتصدرون ضحايا هذه الحملة، خاصةً بسبب المواقف المتميزة للاستعمار الإسرائيلي للأراضي العربية، والسماح لشارون بتوسيع استيطانه ثمناً لأصوات انتخابية. مع أنّ ما يجري في العراق وفلسطين، وما يحدث للعرب في البلدان الغربية، من قمع واضطهاد وتشويه، يري أنّ العرب هم أول المتضررين من هذه الحملة، وأنّ فلسطين والعراق يدفعان ثمناً غالياً لتصاعد حمى العنصرية المعادية للعرب في الغرب، وهي حمى تظهر أغراضها بين الحين والآخر في الغرب بأشكال مختلفة، وضدّ جماعات بشرية مختلفة، ولكنها هذه المرة، موجهة ضدّ العرب وتاريخهم ودينهم ودورهم، لذلك فإن المقصود ليس الإرهابيين بل الحضارة العربية، مع ذلك، فإنّ التجارب التاريخية تري أنّ مثل هذا الاضطهاد لا بدّ أن يطال الفئات الأخرى، وقد يمتد الخطر بعد حين ليشمل من ظنّوا أنفسهم في مأمن الكراهية الموجهة ضدّ العرب، إذ أنّ الكراهية حين تطغى تصبح، مثل الإرهاب، تتجاوز حدود الأديان والثقافات والأقاليم.


لذلك كان موقف المسلمين في المطالبة بالإفراج عن الرهينتين الفرنسيتين موقفاً يمثل الردّ الأمثل والأنجع، ولكن يجب أن يقابله موقف الفرنسيين في احترام المسلمين الفرنسيين وعاداتهم وتقاليدهم وقيمهم. كما أن مناهضة الأميركيين لسياسة بوش في العراق وفلسطين، يجب أن تلقى الدعم من كافة الأحرار في العالم.
 إذا لا بدّ من أن نظهر حقيقة ما يجري كي يتمكن الناس في كلّ أنحاء الأرض من اتخاذ الموقف السليم منه. فمن الخطأ الظن أن كلّ الأميركيين هم نسخ مكررة من بوش وتشيني ورامسفيلد فهناك الملايين ممن يشعرون بوطأة زحف القمع على حرياتهم الفردية. وهناك الملايين منهم يدينون العنصرية الموجهة ضد العرب هذه المرة، بعد أن كانت ضد السود وغيرهم. إن الوحيدين القادرين على صنع التاريخ هم هؤلاء الذين يتمسكون باحترام إنسانية الإنسان أياً كان دينه أو عرقه أو لونه، لا الذين يحصون فقط ضحاياهم ويتجاهلون ضحايا الآخرين. كما أنّ الوحيدين القادرين على صناعة التاريخ هم الذين يرون الشعوب بشراً ذوي حقوق وواجبات لا من يبث الفرقة والانقسام والفتنة بين الشعوب على أساس عرقي أو طائفي. إن ما تمت تسميته الحملة على الإرهاب، يكاد يفقدنا جميعاً العلاقات الودية والتفاهم الثقافي والحضاري الذي يجب أن نسعى دائماً إلى تعزيزه، وتخلق بدلاً من ذلك، كراهية وحقداً وعنصرية تدفع ثمنها جميع شعوب الأرض■

6 Sept.2004