من يقرأ رسائل الأسرى؟
د. بثينة شعبان
حين قرّر الأسرى الفلسطينيون المقاومون للاحتلال الإضراب عن الطعام لم يكن هذا القرار نتيجة حبّ بتعذيب الذات أو رغبة في الاستشهاد و التخلص من الثمن الذي يدفعه المقاوم المُختطـَف أو الأسير كلّ يوم من حياته دفاعاً عن الكرامة و الهوية، بل كان هذا القرار نتيجة مريرة للمعاناة من أساليب التعذيب التي يمارسها الجلادون الإسرائيليون على كلّ من قال "لا للاحتلال" و محاولة مستميتة للفت أنظار العالم لما يتعرض له الأسرى من تعذيب و إذلال و إهانة و ألم إنساني لم يعودوا قادرين على تحمله. كان هذا القرار صرخة في وجه الإسرائيليين ليذكرهم بإنسانية الأسرى و كرامتهم و توقهم إلى الحرية و الاستقلال و الحقوق التي ضمنتها لهم كل المواثيق و الأعراف الدولية. لم تكن صور أبو غريب موجودة هنا لتصعق العالم بحجم الجرائم و الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون و الذين يضّمون بين صفوفهم ألفي طفل و مئة أمرأة و تمضي "إسرائيل" في انتهاكاتها الصارخة لأبسط حقوق الإنسان بعنصرية واضحة ضد العرب بلغت حدّ منع نقل الأسرى الذين تسوء حالتهم إلى المستشفيات حيث أعلن وزير الصحة الإسرائيلي بعنصرية سافرة "لا، لن ينقل الأسرى الذين تسوء حالتهم إلى المستشفيات".
و يتساءل المرء و هو يتابع قضية المناضلين من أجل الحرية و الاستقلال في فلسطين و من أجل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي العنصري البغيض عن ديارهم أين هو العالم الحرّ و العالم "المتحضّر" كما يسمونه هم و أين هي منظمات حقوق الإنسان التي لم تكلّف نفسها عناء الوصول إلى السجون للكشف على حالة هؤلاء المناضلين و لفت أنظار العالم إلى الوحشية الإسرائيلية المفروضة عليهم و على أسرهم و شعبهم؟ و هاهو حفيد غاندي أرون غاندي ينضمّ إلى الأسرى الأبطال في مقاومتهم السلمية للاحتلال احتجاجاً على الإرهاب الإسرائيلي. و لن يفيد أيّ عنصري إسرائيلي بعد اليوم أن يصف هؤلاء بالإرهابيين فهؤلاء جميعاً مناضلون من أجل الحرية و يتمتعون بأخلاق المقاوم و التي هي أرفع الأخلاق غيرية و محبة للوطن و الآخر و نكراناً للذات. و هذا الإضراب على أهميته و على إهمال العالمين العربي و الغربيّ له يعيد إلى المقدّمة مسألة مقاومة الاحتلال و شرعية هذه المقاومة و واجب كل ذي ضمير حرّ بدعم هذه المقاومة إلى أن ينال الفلسطينيون حريتهم و استقلالهم كما نالتها كل شعوب الأرض و لكنّ هذه المقاومة ترافقت كما ترافقت انتفاضة الأقصى مع حملات تشويه إعلامية مركّزة أعدّ لها العدة عنصريون محتلون مستوطنون يستبيحون الأرض و الماء و الشجر و البشر و يدبجون للعالم قصصاً كاذبة عن القتل و العنف و الإرهاب الذي يتعرضون له و هم جذوة الإرهاب و العنف في منطقة الشرق الأوسط برمته. و في عودة بسيطة إلى العمليات الإستشهادية و التي نفذت في معظمها من قبل أشخاص عانوا من فقدان أب أو أخ أو زوج و دُّمر منزلهم و وصل الإذلال الذي يتعرضون له حداً لا يطاق فاختاروا التضحية بأنفسهم فقط كي يوقظوا العالم على حجم المعاناة التي يتعرضون لها. و لم يكن الهدف قتل المقابل و لكنّ حقيقة الأمر هي أن العالم لا يبالي بكل ما يتعرض له العرب و الفلسطينيون و لا يتحرك إلا حين يتعرض الطرف الآخر للخسارة لأن العنصرية ضد العرب بلغت أوجها و لم يعد القتل و الفقدان و اليتم و الثكل في صفوفهم يثير المشاعر نفسها لدى الآخرين نتيجة حملات التشويه للعرب التي تقول أنهم يفضلون الموت على الحياة و أنهم هواة عنف و تفجير. حين ودّعت ريم الرياشي طفليها لتنفذ عملية استشهادية ذاقت طعم الموت مرّات و مرّات حيث لا تختلف ريم الرياشي عن أي أمّ في العالم تطمح أن تحتضن أولادها و تراهم يكبرون و يترعرعون في كنفها فمن ذا الذي أوصلها إلى مرحلة فقدان الأمل و التضحية بحياتها مع كلّ حجم الألم الذي يسببه هذا الفقدان لطفليها الجميلين؟ إنه الاحتلال الإسرائيلي البشع و المذلّ و المهين للكرامة الإنسانية. هاهم الأسرى يختارون الطرق السلمية لمقاومة الاحتلال و ها هي العنصرية الإسرائيلية تعبّر عن أبشع صورها فأين هو العالم المتحضر الذي يأبى العنف و يفضّل وسائل مختلفة للمقاومة و النضال؟! إن جوهر ما يجري في فلسطين هو إرهاب إسرائيلي منظم ضد شعب آمن يحلم بالحرية و العيش على أرضه بكرامة حيث تدفع أساليب الاحتلال الإجرامية هذا الشعب لاختبار كل أساليب المقاومة للفت نظر العالم إلى مدى الظلم و القهر و الإذلال الذي يتعرض له هذا الشعب فهل من مجيب؟ ها هو الشعب الفلسطيني يختار الأساليب السلمية للمقاومة فلماذا يُـترَك وحيداً؟ و المشكلة إذاً ليست في الأسلوب الذي يحاول هذا الشعب التعبير من خلاله عن توقه للاستقلال و الحرية بل في احتلال عنصري استيطاني بغيض رسم الخطط الإعلامية لطمس حقيقة الاحتلال و الجرائم التي يرتكبها بحقّ شعب يقاوم من أجل الاستقلال و الحرية.
كانت التغطية الإعلامية لنضال الأسرى على مدى الثلاث عشر يوماً مخجلة في الإعلام العربي و الغربيّ على حد سواء و برهنت أن النبل و الأخلاق و الموضوعية أصبحت قيماً نادرة و أن ادّعاء القيم إنما يتم فقط لتحقيق أهداف سياسية أو مالية و أن الحقيقة غائبة عن الأبصار و البصيرة. ففي الأسبوع الذي بدأ فيه المقاومون الأسرى رفضهم الاحتلال و الأسر أعلنت "إسرائيل" مشروع تحويل القدس إلى ما يسمى مدينة انترنت كبرى علماً أن هذا المشروع يهدف إلى طمس الهوية العربية لمدينة القدس و تغيير طابعها التاريخي. كما أعلن شارون حصوله على موافقة أمريكية لبناء ألف وحدة استيطانية جديدة و ظهر الموضوع تحت عناوين مخجلة حيث نشرت نيويورك تايمز 18 آب مقالاً بعنوان "شارون يعلن عن مناقصة لبناء وحدات سكنية جديدة للمستوطنين" و في مقال آخر "شارون لإسرائيل الحديثة، شارون المحارب" هيرالد تربيون 16 آب، و في مقال آخر (21 آب) في النيويورك تايمز "الولايات المتحدة تدعم نموّ المستوطنات في الضفة الغربية" و مقالاً في الواشنطن بوست عن المستوطنين الجدد في القدس و الذين يغريهم المال و الدين في المدينة. بينما يجدد وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز تهديداته للبنان و سورية و يقول إن عمليات قد تقع على الحدود بينما لا يعتري الشك حقيقة أن الاستيطان و الاستعمار الإسرائيليين يستبيحان أقدس المقدسات الإسلامية و العربية و ينتهكان أبسط حقوق الإنسان في العيش الحرّ الكريم انتهاكاً صارخاً. إن تلميع صورة الاستيطان و تدبيج العبارات لتصويره بأنه أمر طبيعي في الوقت الذي يخوض الأسرى الفلسطينيون معركة قاسية و غير متكافئة ضدّ ظلم الاحتلال و إجرامه يعتبر إهانة لكل من يدعي أنه يؤمن بالحق و العدالة و الحرية و أقصى ما تمكن مسؤولون دوليون من قوله هو "التعبير عن القلق من توسع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية" دون القلق على حياة الأسرى و دون تهديد إسرائيل بالمقاطعة و القصف كما يحدث في حال أي دولة أخرى ترتكب جزءاً يسيراً مما ترتكبه إسرائيل من جرائم.
و لم يشر الإعلام العربي إلى أهمية استثمار قرار اتخذته دول عدم الانحياز الخميس في دوربان - جنوب أفريقيا- لـ "محاصرة" إسرائيل و "مؤيديها" حتى تذعن للمعايير الدولية في التعامل مع الأسرى. لقد برهن إضراب الأسرى للمرة العاشرة أن إسرائيل تمارس سياسة عنصرية عدوانية بحق الشعب الفلسطيني و أنه حان الوقت لتشجيع الرأي العام العالمي على مقاطعة إسرائيل و المنتجات التي يتم إنتاجها في المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. إن هذا القرار و قراراً مماثلاً سبق الحديث عنه من قبل الاتحاد الأوروبي قد يشكلان الخطوة الأولى التي يجب أن يخطوها العرب لتحريك العالم نحو كشف الجرائم التي ترتكبها يومياً إسرائيل بحق الأبرياء في فلسطين.
إن مقاومة الأسرى للاحتلال بالطرق السلمية يجب أن يعيد إلى المقدمة مسألة إعادة النظر فيما يروجه العدوّ من تهم بالإرهاب و العنف للتغطية على مخططاته الاستعمارية الاستيطانية مع حملة إعلامية دولية لوضع الأمور في نصابها الصحيح و كسب الرأي العام العالمي في محاولة لفرض العزلة على إسرائيل التي فرضها العالم على جنوب أفريقيا العنصرية إلى أن ينعم الطامحون إلى الحرية و الاستقلال بالحرية و الاستقلال في أرضهم و ديارهم. إنّ الرسالة التي أرسلها الأسرى المقاومون رسالة هامة جداً في النضال السلمي و لكن على العرب جميعاً و خاصة الإعلاميين و المثقفين و المفكرين أن يحملوا هذه الرسائل و يوصلوها إلى ضمائر شعوب العالم قاطبةً■
30 Aug. 2004