يومٌ واحدٌ في حياةِ أمّـة

 

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

إن محاولة الإحاطة بحقيقة كلّ ما يجري لهذه الأمة يكاد يستعصي على أشدّ المتابعين حرصاً و ذلك لكثرة تشعّبه  و تكثيف محاولات التضليل التي تعمل جاهدة على إبعاد الهدف الأساسي عن الأنظار من خلال الدخول بتفاصيل تعتمد دراسات نفسية و لغوية و تخطيط سياسي لتحقيق الأهداف المرسومة لها. و هكذا يجلس ملايين العرب أمام شاشاتهم مذهولين و مسلوبي الإرادة لأنّ ما يجري في أجزاء مختلفة من أمتهم يكاد لا يُصدَّق. إذ كيف يفسّرون الجرأة على قصف إحدى مدن المسلمين المقدسة التي لم يجرؤ هولاكو و كل الطغاة على الإقتراب منها و دون أن ينبس حاكم عربي أو مسلم أو من حكام "العالم المتحضّر"   بأي  "إدانة" أو حتى  "الأسف"، ربما استعداداً للصمت إذا ما استمرّ المخطط ليشمل مدناً مقدّسة أخرى. و ملخص أخبار اليوم هو أنّ أعتى آلة عسكرية في العالم تجد دوماً مبرراً لتحويل حياة العراقيين و الفلسطينيين إلى جحيم و سلبهم حقّهم في العيش الآمن و الحياة الكريمة.

       إنّ استعراض شاشة الأحداث في فلسطين و العراق و السودان قد تكشف لنا جميعاً حقيقة المخطط الذي لا نرى منه سوى تفاصيله المتناثرة هنا و هناك و التي إذا ما تمّ تجميع أجزائه أكتسب معنىٍ أكثر عمقاً و أشدَّ خطورةً. و لتكن البداية من فلسطين و من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة و القطاع حيث قرّر آلاف الأسرى الإضراب عن الطعام في سجون الاحتلال احتجاجاً على المعاملة القاسية التي يتعرّضون لها. و بما أنّه لم يتمكن أحد من تهريب صور التعذيب و الإذلال لهؤلاء لم يتوقف الكثيرون ليدركوا حجم المأساة التي يتعرض لها هؤلاء الأسرى و الذين في معظمهم عبّروا عن رفضهم لاحتلال أرضهم و ديارهم و لا ذنب لهم سوى توقهم للحرية و العيش الكريم و لو كانوا يبتغون السلامة الفردية لما كانوا في السجون و لكنّ مشكلتهم أنّهم مؤمنون بأمتهم و هويتهم و تاريخهم في زمن أصبح ممنوعاً على العرب هذا الشعور الجمعي بالهوية القومية و التاريخ الواحد و المستقبل المشترك. و يراقب الجميع كلّ يوم خبراً مفاده أنّ "إدارة السجون الإسرائيلية تصعّد إجراءاتها القمعية ضد السجناء"   و تفرض حظر التجوّل على نابلس لليوم الرابع على التوالي و تهدم المنازل و المحال التجارية في نابلس و تحوّل مدرسة إلى مركز اعتقال و تعتقل الأهالي فيها و في الوقت ذاته تطلق قوات الاحتلال الإسرائيلية النار على متظاهرين فلسطينيين و ناشطي سلام أجانب يتظاهرون ضدّ جدار الفصل العنصري و يقرّر شارون بناء ألف وحدة استيطانية جديدة. كلّ هذا يحدث في يوم واحد لواحدة من أعرق المدن التاريخية الفلسطينية يقوم الاحتلال بتدمير أبنيتها الأثرية و التاريخية لإلغاء قيمتها للهوية القومية كما يمارس صنوف التعذيب و الاغتيال على كلّ من يتجرأ أن يرفع صوته أو هامته في مواجهة الاحتلال و ذلك في محاولة لكسر الإرادة و ردع الأجانب من دعم الفلسطينيين و استبعاد الإعلام نهائياً عن ساحة الجريمة و إرهاب ناشطي السلام كي لا يعودوا إلى فلسطين يوماً. كلّ هذا و لا يسميّ قادة العالم الغربي "المتحضّر" ما يجري للفلسطينيين بأنه "حرب إبادة"  و  "تطهير عرقي"  و لا ينتفضون لحالة آلاف الأسرى و كلهم سجناء رأي و سجناء سياسيون و مناضلون من أجل الحرية و الاستقلال و مختطفون من ديارهم و بيوتهم و أسرهم و لا تعتبر منظمات حقوق الإنسان التي تتباكى على أحوال معارضٍ في الصين و الآخر في تايوان أنّ ما يجري للأسرى الفلسطينيين خرق فاضح لحقوق الإنسان الأساسية في العيش بحرية و كرامة على أرضه و في دياره بعيداً عن إذلال الاحتلال الذي يسهل أمامه الموت، ربما لأن هؤلاء القادة و المنظمات في "العالم المتحضّر" يخشون من سطوة  "الإعلام الحر"  الذي سيتهمهم بـ "معاداة السامية".

     و إذا ما انتقلت إلى النجف الأشرف تقرأ كلّ يوم تجدد  "الإشتباكات"  في النجف بينما ترى على الشاشة طائراتٍ أمريكية تقصف المنازل و السكان الآمنين في النجف و الفلوجة و بغداد و الأنبار و تقرأ بعد ساعاتٍ قتل المزيد من الأطفال و النساء و الشيوخ في قصفٍ "يستهدف"  المنازل و المساجد و يدمّر حياة أسر عاشت آمنة حرّة في ديارها. و يأتي جزء من تبرير فداحة ما يجري على شكل عبارة أنّ "واشنطن لا تستبعد حصول جيش المهدي على أسلحة من إيران"  و تعلم أنّه لا يحق للعرب الحصول على أي سلاح للدفاع عن أنفسهم بينما يحق لمن يحتل أرضهم و ينتهك مقدساتهم و يقتل أطفالهم و يعذّب أسراهم أن يمتلك كافة أنواع الأسلحة لفعل ذلك. و في وسط مآسىٍ تحلّ بآلاف الأسر العراقية على طول العراق و عرضه يبقى الشهداء و الأسرى مجهولي الهوية و الأسماء بينما تقرأ طلباً ملحّاً بإطلاق سراح الصحفي ميكاغارين و مع أنك تدعو له بإطلاق سراحه تفكّر بكل العراقيين مجهولي الأسم من رجال و نساء و أطفال الذين قصفتهم الطائرات دون أن يحرص أحد حتى على ذكر أسمائهم أو إدانة قتلهم بدمٍ باردٍ. و في النشرة ذاتها أيضاً تطّلع على تقرير حول سجن أبو غريب "يبرّئ الضباط الأمريكيين"   و كأنّ الآلاف الذين تعرّضوا للتعذيب و القتل كانوا أسرى في المريخ و ليس في العراق المحتل من قبل الجيش الأمريكي.  و في غمرة القلق و الخوف على هذه المدينة المقدسة و مرقد الإمام عليّ- كرّم الله وجهه- يظهر الرفض المطلق للتفاوض مع هذه الميليشيات بالذات و ليس غيرها من الميليشيات التي تمّ اعتبارها جيشاً نظامياً يقوم بأعمال اقتحام المدن العراقية المقدّسة. و لا تستغرب حينذاك و أنت تقرأ أن الفرق يضيق بين كيري و بوش لأنك تعلم أن الطائرات نفسها و الدبابات ذاتها و طعم الموت و الإذلال واحد في فلسطين و العراق في نابلس و رفح و الفلّوجة و جنين و النجف الأشرف. و أقصى ما تراه حول هذه الأحداث هو "قلق بالغ" من الاستيطان أو دعوة  خجولة تطلقها الأمم المتحدة و الجامعة العربية و منظمة المؤتمر الإسلامي لأغراض الأرشفة للمواقف دون أن يسمعها أحد أو يعيرها اهتماماً. و تعلم أنّ القضية ليست مواجهات أو اشتباكات بل قصف و قتل و إبادة   و تدمير لهوية و شعب و أمّة و تاريخ و أنّ النجف مثل بغداد و الموصل و الفلّوجة و مثل بابل و أور ذبيحة هذه  الهجمة على حضارة بلاد الرافدين و على كلّ ما تمثّل هذه الحضارة العريقة التي قاومت الاضطهاد و العدوان لآلاف السنين و أنّ الهدف ليس الميليشيا ذات الأسلحة الخفيفة و لا النظام المدجج بأسلحة الدمار الشامل كما قيل حينها بل الهدف هو استباحة المقدسات الإسلامية و إذلال العرب في رموز كبريائهم و التمهيد لارتكاب جرائم أعظم و أعتى و أخطر و لاستكمال ما فشلت في تحقيقه حروب الفرنجة ضد العرب في القرون الوسطى. بالإضافة إلى الطائرات و الدبابات و الصواريخ يتوجّب إقفال مكاتب الفضائيات العربية كي لا يزعج أصحاب القرار بتقارير إعلامية قد تري بشاعة الجرائم التي ترتكب و تنغِّص على قادة الحملة الانتخابية أو تسبب لهم بعض الإشكالات. لقد تمّ استبعاد الإعلام تماماً عن الجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني و هاهم "دعاة الإعلام الحرّ" يغلقون الجرائد و الفضائيات كي تصبح روايتهم عمّا يجري، على لسان الناطقين الرسميين، هي الرواية الوحيدة التي يسمعها "العالم الحرّ" بغض النظر عمّا يجري فعلاً على أرض الواقع.

    و بين كلّ هذا و ذاك يرتفع سعر برميل النفط الأمريكي إلى ما يقارب الخمسين دولاراً بينما لا تتجرأ منظمة أوبك حتى التفكير بزيادة أسعارها فحتّى النفط الأمريكي أصبح ذا قيمة لا يضاهيه فيها نفط عربي أو أي نفط آخر، إذ لا بدّ من أن تكون الحملة الساخنة على هذه الأمة مجزية مادياً للبعض من الطامعين في ثرواتنا و هويتنا و مياهنا و أرضنا. أوعلمتم اليوم أنّ الأسرى الفلسطينيين هم الذين فهموا هذه المعادلة فوقفوا في خطّ الدفاع الأول في وجه مخطط صهيوني استعماري شرس يستبيح الديار المقدّسة و يمدّ أذرعه الأخطبوطية على كلّ عربي و مسلم في كلّ مكان من أرجاء المعمورة؟!  أوعلمتم أيضاً أنّ الهدف ليس مقتدى الصدر و لا الميليشيات التي تعبّر عن رفضها للاحتلال كما عبّرت كلّ شعوب الأرض  بل الهدف هو النجف الأشرف حيث يرقد من رفع الراية على أسوار خيبر قبل ألفٍ و خمسمائة عام فقط، كما كانت بابل و أريحا و جنين، الهدف هو ديار العرب و مقدساتهم و ثرواتهم و مستقبلهم و جميعهم في قَارَبٍ  واحدٍ سواء أأدركوا ذلك اليوم أم غداً أم لم يدركوه أبداً!!■

23 Aug. 2004