من الذين يتصدرون الإعلام العربيّ؟
د. بثينة شعبان
أمضيتُ الأيام العشرة الماضية في حالة تأملٍ و تتبع ٍ حثيثٍ لما يتصدّر أهمّ الجرائد و نشرات الأخبار العربية و ما يتلقاه المشاهد العادي الذي لا يتمكن من الحصول على مصادر بديلة، أو على الأقلّ مصادر ترفد و توضّح ما يقرأه و يشاهده في بلداننا العربية، و توصلت إلى الإستنتاج أنّ وسائل الإعلام العربية بمجملها تتلقى الأخبار من وكالات الأنباء دون أن تكلـّف نفسها حتى عناء ترتيب الخبر حسب أولوية المواطن العربي أو حسب رؤية المواطن العربي لذاته و صورته عن نفسه و حقوقه بدلاً من رؤية الآخرين له و أنقضاضهم على أوطانه و تراثه و اغتصابهم لأرضه و هويته. ففي كلّ يوم تصلنا أخبار شخصيات لا نعلم ما إذا كانت موجودة فعلاً لأنها أصبحت شخصياتٍ خرافية ً كالزرقاوي و بن لادن و أبو حفص يتم تصويرها و كأنها قادرة على ضرب شمال الكرة الأرضية و جنوبها و التفوّق على آخر ما أنتجه العقل البشري من علم و تكنولوجيا! و بغضّ النظر عن دقة أو خطأ المعلومات المتدفقة عن هذه الشخصيات فما الذي يعني المواطن العربي بهذه الأخبار التي تتصدّر الصفحات الأولى في الجرائد العربية بينما يوضع خبر امرأة فلسطينية اضطرت إلى الولادة على معبر رفح مما يمثّل قمّة الإهانة لكل امرأة عربية و كل زوجةٍ و أمّ في العالم في الصفحات الداخلية للجرائد العربية. كما تبحث عن تقرير الإيسكوا و الذي احتوى إحصائيات مرعبةً عن عدد أشجار الزيتون التي دمرها الاحتلال الإسرائيلي في الضفة و القطاع و التي تمثّل بحد ذاتها كارثةً بيئيةً و اقتصادية و إنسانية كما ساق إحصائيات بعدد المنازل التي دمرها الاحتلال و الأطفال الذين استشهدوا و النساء اللواتي اعتقلن و الشباب المقاوم المؤمن الذي يقضي في سجون الاحتلال، فلا تجد لهذا التقرير أثراً إلا في عمودٍ صغيرٍ في صفحة داخلية يذكر التقرير مجرد ذكر دون أن يتناول بالتفصيل جرائم الاحتلال الإسرائيلي بينما تناول الإعلاميون و المثقفون العرب تقرير التنمية البشرية على مدى سنوات ليستشهدوا به على تخلـّف المرأة العربية و تخلـّف الاقتصاد العربي و انتشار البطالة و ما إلى هنالك من توصيف كان القصد منه وضع الإصبع على الجرح و إذ به يتحوّل إلى مادة للتشهير بالعرب و العروبة و البرهان على أن العرب غير قادرين على توجيه دفة مركب حياتهم و أنه لا بدّ من التدخل في شؤونهم كي يواكبوا الحداثة و التقدم!!
و إذا ما هجرت الجريدة و حاولت مراقبة الأخبار على شاشةٍ ناطقةٍ بالعربية تقرأ "مقتل أربعة ناشطين فلسطينيين" و تكتشف بعد أن تقرأ اليويورك تايمز أنهم أطفال في عمر الورد استشهدوا في عملية اغتيال بدم ٍ باردٍ ضمن حرب إبادة تستهدف اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه و دياره و استقدام هؤلاء من أمريكا الشمالية و فرنسا إلى أرض ٍ ليست أرضهم كي يبنوا المستوطنات و يمتلكوا بيارات البرتقال و الزيتون بينما تحاول المرأة الفلسطينية المقاومِة الإمساك بأرضها العزيزة الغالية و لكنّ جنود الاحتلال يرموا بها بعيداً عن الأرض و الديار و تجرف بعدهم جرافات الحقد أشجارها و تربتها الخصبة ليأتي المستوطنون و يحتلوا هذه الأرض. و تراقب أخبار العراق حيث يتحول الشعب العراقي إلى أرقام أيضاً فترى أنّ عشرين قتلوا في الموصل و ثلاثين في الفلوجة و لا تلحظ اسماً أو انساناً إلا حين يكون المقتول ذو جنسية أمريكية أو أجنبية حينذاك فقط تتم أنسنة الضحية ليشعر المشاهد أن حياة ً إنسانية ً غالية ً قد زهقت. و عليك أن تكون دؤوباً و متابعاً كي تطـّلع على ما يجري لمدينة بابل من نهبٍ مستمر لآثارها و لتعلم أن وزير الثقافة العراقي لا يتمكن من الوصول إلى داخل المعسكر الامريكي حيث عمليات الحفر و التخريب و السرقة لمدينة بابل و موقع أور و المواقع الآثارية في ذي قار و نينوى و المثنىّ و القادسية حيث تؤكد الأخبار "سقوط بعض الأسوار و سقف في قصر الملك نبوخذ نصر الذي بني و عمّر بابل بعد الملك حمورابي". كما عليك أن تكون مهتماً و دؤوباً لتسمع من وزير التعليم العالي العراقي حجم التخريب و النهب و الحرائق التي أُضرمت في المكتبات الجامعية العراقية و العلماء العراقيون و الأساتذة و الأطباء الذين قـُتِلوا أو خـُطفوا أو تمّ تسفيرهم خارج بلدهم إلى جهاتٍ مجهولةٍ. و لا بدّ من القراءة بالانكليزية كي تتمكن من الاطلاع على حقيقة أن مغادرة بول بريمر العراق لا تعني أن آثار الاحتلال قد زالت فقد كتبت جريدة اللوس أنجلز تايمز تقول إنّ الأوامر المئة التي تركها بول بريمر في العراق تضمن احتكار الولايات المتحدة للاقتصاد العراقي دون أي فائدةٍ تذكر للشعب العراقي مما يسمح للشركات الأجنبية بشراء كلّ الشركات العراقية و أن تقوم بكلّ الأعمال دون أن توظف عراقيين و أن ترسل كافة أموالها خارج العراق و ألا تخضع للمحاكم العراقية حتى في حال القتل أو ارتكاب كارثةٍ بيئيةٍ كما تسمح للبنوك الأجنبية بشراء 50 % من البنوك العراقية و أن هذه الأوامر تغيّر القوانين العراقية و في هذا خرقٌ لقواعد لاهاي لعام (1907) التي وقعت عليها و صادقتها الولايات المتحدة. و تقول انتونيا جوهاز كاتبة المقال إن "أوامر بريمر غير اخلاقية و غير قانونية و يجب إلغاؤها للسماح للعراقيين أن يتحكموا بمستقبلهم السياسي و الإقتصادي".
ثمّ تطـّلع على خبر أن الأمين العام أعطى الحكومة السودانية ثلاثين يوماً لوقف عنف الميلشيا العربية كما أسموها في المنطقة الغربية لدارفور و نتساءل لماذا لا تعطى إسرائيل أي وقتٍ لوقف حرب الإبادة التي ترتكبها يومياً بحقّ الشعب الفلسطيني الذي يبحث عن الأمن و السلم و الأمان في أرض آبائة و أجداده، و لماذا لم تأخذ الأمم المتحدة باقتراحات فرض عقوباتٍ على إسرائيل لإرغامها على تطبيق قرارات الأمم المتحدة كما يتم في حال أي بلدٍ آخرٍ يستهين بقرارات الأمم المتحدة و رأي الأسرة الدولية. و تقرأ عن استهداف الكنائس في العراق و تتساءل من هم أصحاب المصلحة في زرع الفتنة بين المسلمين و المسيحيين الذين عاشوا في تآخ ٍ و محبةٍ لمئات السنين في أرض تعتبر أنموذجاً للتعايش الإسلامي المسيحي، أوليسوا هم أنفسهم الذين بدأوا يتحدثون عن العراقيين كسنّة و شيعة و أكراد؟؟ و تقرأ عن ثلاث عشرة شخصاً اعتقلوا في بريطانيا و تكتشف بعد ذلك أنهم جميعاً مسلمون ذو تاريخ ٍ محترم ٍ و أنهم بريطانيون محترمون و مخلصون لبلدهم و لا تسمع بنداءات مجلس العموم البريطاني لإلغاء قانون الإرهاب الذي يستهدف المسلمين و يتنصل من التزامات مهمة تتعلق بحقوق الإنسان كما لا تسمع بالمقالات التي تكتب اليوم في الغرب لتستنكر ما يتعرض له المسلمون في الغرب من حربٍ إرهابيةٍ ضدهم كدين و هوية.
و تتساءل بعد كلّ هذا و ذاك كم تبعد فلسطين عن العالم و كم يبعد العراق؟؟ لماذا تحمل إليك وسائل الإعلام أخباراً لا علاقة لها بالأمور الهامة و المصيرية على أرض الواقع بل تشغلك بأوهام و نظريات وضعها أعداء هذه المنطقة و أعداء هذه الأمة في حرب تتخذ شكلها الواضح تدريجياً بأنها حرب على العراق و فلسطين و حرب على العرب في أوروبا و الولايات المتحدة و على الثقافة و الهوية. لقد أصبحت فلسطين و الجولان بعيدة جداً عن أنظار الرأي العام العالمي بعد أن عمدت القوات الصهيونية على قتل الصحفيين و نشطاء السلام و تهميش جسد راشيل كوري لدبّ الرعب في قلوب من تساوره نفسه القدوم إلى الاراضي الفلسطينية المحتلة للوقوف على حقيقة ما يحدث. و بهذا ضمنت الصهيونية تعتيماً إعلامياً كاملا ً على الجرائم التي ترتكبها يومياً بحق الشعب الفلسطيني.
إنّ ما يحدث اليوم هو حرب إبادة في بيت حانون و جباليا و رام الله و جنين و رفح، حرب إبادة لشعب أصليّ و استقدام مستوطنين مكانه و ما يحدث في أوروبا و أمريكا هو محاكم تفتيش ضدّ العرب و المسلمين بحجة مكافحة الإرهاب و ما الاستنفار في الولايات المتحدة و ايطاليا و غيرها تحسباً لهجمات إرهابية سوى ترجمة لخطط مدبّرة لاستهداف العرب و المسلمين بطريقةٍ عنصريةٍ لا يمكن أن يسكت عنها العالم لو استهدفت أي شعبٍ آخر. و إلا ّ كيف تعتبر الدول الأوروبية اقتلاع شجرة زيتون جريمة و كارثة بيئية و لا أحد يتحرك لتجريف أكثر من مليون شجرة زيتون في الضفة و القطاع و تجريف آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة.
إن معظم ما تقرأه اليوم في الإعلام العربي و ما تشاهده يصبّ في خدمة الترويج للحملة التي تستهدف العرب مسلمين و مسيحيين- في ديارهم و في المغترب- و ما نحتاج إليه ليس منع بثّ تلفزيون المنار في فرنسا بل إطلاق فضائيات و جرائد عربية تتحدث عن العرب و الهوية العربية و الحياة العربية من مرجعية عربية تدق ناقوس الخطر لما يعتري آثارنا و هويتنا و صورتنا في الغرب. فهذه المنطقة تشكل جوهرة للعالم في الحضارات و الأديان و التعايش و التاريخ و الإبداع و المساهمات الفكرية الخلاقة. و استنتاجي الأخير هو أننا يجب أن نبدأ بصياغة إعلام يعبّر عن قضايانا و مرجعياتنا و حقوقنا و هويتنا و من ثمّ الانطلاق به إلى الساحة العالمية بعد أن نشكّـل مرجعية لجمهور عربي أصبح اليوم ضحية ً لإعلامٍ يستهدف وجودنا و يمكث في عقر دارنا و غرف جلوسنا■
9 Aug. 2004