مسألة كرامة

                                                                                 د. بثينة شعبان

 

مرت خلال السنوات الماضية أحداث متتالية جعلت المواطن العربي يشعر أن المسافات بين الأقطارالعربية غدت هائلة، وأن مسافة بضع ساعات في الطائرة تبدو قطيعة أبدية شاملة بينما حكوماتهم تنتظر عشرات الأعوام للتغلب عليها فلا نسمع من أشقائنا أي خبر ولا نلتقيهم. بالمقابل سئم الكثيرون منّا نقل اجتماعات الكنيست الإسرائيلي مباشرة على شاشات التلفزة العربية ليبرهنوا لنا أن هذا الجنرال الإسرائيلي أو ذاك هو رجل سلام لأنه يتصدى لمن هو أكثر منه شراسة في تأييد الاحتلال والاستيطان ولأنّه أقلّ دموية من غيره في ذبح الفلسطينيين. والغريب في الأمر أن بعض المسؤولين والإعلاميين العرب لا يرون أنفسهم وبعضهم كما يراهم الغرب بل يستمدون فكرتهم عن أنفسهم وعن حاضرهم وماضيهم ومستقبلهم من مراكز الأبحاث الغربية، في حين أن الغرب ينظر لهم كهوية واحدة مستهدفة وتعاملهم جميع المطارات ومراكز القرار من هيوستن إلى برلين ولندن وباريس بطريقة واحدة، فيوجهون لهم تهمة الإرهاب ذاتها ويتحدثون عن «عرب» وحسب دون تمييز. أما هؤلاء من العرب الذين انخرطوا بهويات قطرية فلن تحقق لهم القطرية المستقبل الذي ينشدون، بل هم ينجرفون في تنفيذ خطط تستهدف إنهاء دورهم في التاريخ والقضاء على أسس وحدتهم القومية من لغة وثقافة ودين مشترك، فيتم إحياء لغات ماتت منذ آلاف الأعوام كي تكون بديلاً للغة عربية وتوضع خطط تعليمية وإعلامية لتحطيم الهوية العربية والإسلامية والتي تتكاتف ضدها اليوم حملات التشهير والتشويه، بالإضافة طبعاً إلى الاحتلال والاستعمار والقتل والتشريد.


مقابل كل هذا نشهد استكانة إعلامية للقدر واستسلاماً شبه رسمي وكأنّ العرب أصبحوا غير قادرين على فعل شيء لأنّ القوة الوحيدة في العالم قررت أن تكون إلى جانب من يحتلّ أرضنا ويقتل ويشرّد أهلنا ويحاول صياغة مستقبلنا قبائل وطوائف لا أثر لها على مجرى التاريخ.


لذلك نلاحظ أن أهمّ ما يمارس ضدّ العرب بعد احتلال أرضهم هو إذلالهم بطريقة تهدف إلى تدمير المعنويات الشعبيّة وتحاول القضاء على كل أمل لديهم بالنهوض، وإلا فما هي الحكمة من عصب أعين من تمّ تقييد أيديهم وأرجلهم وطرحهم أرضاً وسوقهم في شاحنات عسكرية تحت البنادق إلى أماكن اعتقالهم؟ الهدف هو إرهاب المشاهد العربي! وهو أن يرى المواطن ما يحلّ بمن يقول «لا» للاحتلال والاستعمار فيرتدع حتى قبل أن يحاول؟


إن الجرائم التي ترتكب بحق الفلسطينيين يومياً جرائم لم يعرف التاريخ لها مثيلا،ً وأنّ العالم كان سيثور ضدّ إسرائيل لو أنها ارتكبت أقلّ منها بكثير ضد شعب آخر. فما يحتاجه العرب اليوم هو إرادة مثل إرادة عائلة توماس هرندال التي رفضت أن يذهب ابنها برصاص إسرائيلي، وهو يدافع عن أطفال فلسطين، دون أن توصل صورة القتل المتعمد البشعة إلى العالم ودون أن تقنع العالم بحقيقة وحشية جنرالات إسرائيل الذين أصدروا الأوامر بقتل توماس هرندال وراشيل كوري وجيمس ميللر، ناشطي السلام الشرفاء، كي يدبّ الذعر في قلوب ناشطي السلام العالميين، وكي تبث الإرهاب في نفوسهم فيرتدعوا عن المجيء إلى فلسطين ثانية ويُترك الشعب الفلسطيني لقمة سائغة وضحية سهلة لدبابات وصواريخ وحقد آخر نظام عنصري في العصر الحديث. ولكن وبفضل إرادة عائلات توماس هرندال وراشيل كوري وجيمس ميللر تمكنت حركة ناشطي السلام الدولية من إسماع صوتها حيث لم يجرؤ أحد من الزعماء السياسيين والإعلاميين في الغرب التحدث كما تحدثت عائلات شهداء ناشطي السلام الشرفاء، ذلك لأن أداة القتل التي يقودها جنرالات إسرائيل تعتمد على آلة أكبر وأهم تنتشر في كل أنحاء العالم، وهي الآلة الإعلامية التي تبررّ كل ما يرتكبه نظام الأبارتيد الصهيوني بحق الفلسطينيين من حرب إبادة لا مثيل لها اليوم على وجه الكرة الأرضية. وهم يفعلون ذلك أيضاً من خلال اختراق مؤلم ومشين لإعلامنا العربي يسميّ جدار الفصل العنصري الذي «يذبح» مدينة القدس ويحكم عليها «مدينة أسيرة الاحتلال» بجدار «حاضن القدس» ويسمي أُماً لطفلين أرادت أن توجه صرخة ليسمع العالم عن معاناة الشعب الفلسطيني، وهي لا تملك الإعلام والوسائل لإسماع صوتها فتركت طفليها ونثرت جسدها أشلاءً «بالانتحارية»، هل توجد أمٌ في العالم تريد الموت لنفسها أو لغيرها؟ أبداً، ولكنّ هذا الحدث المؤلم جداً مؤشر صارخ لعمق مأساة الشعب الفلسطيني ونفاد صبر هذا الشعب نتيجة تجاهل قادة الأنظمة الغربية لما يجري لهذا الشعب كنتيجة لمؤامرة الصمت عن مجازر ترتكبها إسرائيل يومياً بدمٍ باردٍ دون أن يسجّل أحد منهم اعتراضه عن ذلك.


وفي الوقت الذي تتصاعد فيه المجازر الإسرائيلية اليومية قتلاً وتدميراً للمنازل والمزارع في فلسطين، تتصاعد فيه أيضاً حدّة التعصب العنصرية ضد كلّ من هو عربي في البلدان الغربية، فتصدر القوانين والإجراءات والكتب والبرامج ضدهم وضد تاريخهم ودينهم ومثال على ذلك برنامج روبرت كيلروي المعادي للعرب ومقالاته العنصرية ضدهم في الصحف البريطانية وتصريحات ومقالات وبرامج عنصرية مماثلة يندى لها جبين الحضارة البشرية تنتشر في جميع البلدان الغربية

 

وتدلّ على أنّ ضحايا اللا سامية الجديدة هم العرب تحديداً.
ها هي البرازيل، جارة الولايات المتحدة قد قررت معاملة الولايات المتحدة بالمثل وطلبت بصمات الأميركيين كما تطلب الولايات المتحدة بصمات البرازيليين، وها هو شافيز يمتدح كاسترو على مسمع ومرأى رئيس الولايات المتحدة، وها هي أميركا الجنوبية ترفع صوتها وتقرر الإمساك بزمام مستقبلها، متحدية ضغوطاً وتهديدات أشدّ وأدهى مما يتحمله العرب. فهل يحقّ للعرب أن يعبروا عن مثل هذا التحدي ثأراً لمكانتهم وكرامتهم أم أنّ ارتفاع أي صوت عربي في وجه الظلم سيعتبر مبرراً لغزوهم والاعتداء عليهم؟


في وقت يتمّ فيه التطاول على الكرامة العربية بشكل مخجل يدفع أماً عربية لأن تترك طفليها والحياة كي تطلق صرخة مدوية في ضمير العالم الذي يسمي نفسه «متحضراً» وفي وجوهنا جميعاً أن نفعل شيئاً لإيقاف آلة القتل العنصرية وأن نؤمن بأننا قادرون على فضح جرائم قادة إسرائيل ضد الفلسطينيين وإيصال صوتهم إلى العالم، وليكن ما فعله أهالي الشهداء وناشطو السلام أنموذجا يحتذى.. يجب أن نكون على ثقة بأن القاسم المشترك بين الفقير والغني وبين العربي والأوروبي والأميركي وبين المسيحي والمسلم هو المساواة في الكرامة الإنسانية، ولذلك فإن أحداً في العالم يجب ألا يقبل العنصرية التي يتعرض لها العرب اليوم ولكن على الإعلام العربي أولاً أن يتوقف عن نقل المصطلح الصهيوني «بأمانة» وحرص على «الموضوعية»، فالضحية اليوم هم العرب وكرامتهم وحقوقهم وليس الطغاة من الجنرالات الذين حولوا فلسطين إلى معتقل «غوانتانامو» كبير لا حقوق ولا كرامة فيه لأحد■

19 Jan. 2004