ما الفرق بين دارفور و فلسطين؟

 

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

 

حين قرأت منذ بضعة أسابيع عنواناً في جريدة الهيرالد تريبيون يقول "أوقفوا الإبادة الجماعية لهذا الشعب" قلت في نفسي وقبل أن أبدأ قراءة المقال وأخيراً أدرك العالم أن الشعب الفلسطيني يتعرض لحملة إبادة عنصرية بغيضة، ولكن ما أن بدأت أقرأ إلى أن أدركت أن المقال يتحدث عن دارفور في السودان وليس عن فلسطين وأخذت منذ ذلك الوقت أتابع ما يجري في المنطقتين وأقارن بين ردود الأفعال الأمريكية والغربية هنا و هناك إلى أن توصلت إلى الاستنتاج أن عمليات الإبادة المنظمة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني وفق خطة منظمة تجهر علناً أنها سوف  تستمر في اغتيال الفلسطينيين العرب- مسيحيين و مسلمين- وتهدم منازلهم و تضع شبابهم في السجون لا تحظى على الإطلاق بالاهتمام الذي تحظى به عمليات القتل ضد أي بشر آخرين و في أي مكان وجدوا. والمطلوب طبعاً هو عدم السماح بقتل الأبرياء وتهجيرهم وهدم منازلهم في أي بقعة في العالم،  غني عن القول أن الموقف الإنساني و السياسي السليم هو الذي يقف بحزم ضد القتل والتشريد والتهجير لأي مجموعة من السكان في أي بقعة من العالم بغض النظر عن الدين أو العرق أو الانتماء القومي.

يشهد العالم منذ ثلاث سنوات حرب إبادة منظمة ضد الفلسطينيين استهدفت البشر والأرض والشجر فها هي الايسيسكو تتساءل عن أسباب الصمت المبهم على قيام شارون بتجريف الأراضي الفلسطينية وإبادة مئات الآلاف من أشجار الزيتون والحمضيات وتحويل آلاف الدونمات الزراعية إلى ساحات متصحرة ومؤخراً تلاقي أشجار النخيل العراقية المصير ذاته بحجة أنه من تحتها يخرج مقاومون!! وها هو فيلم " وحيدة معزولة" للمخرجة الإسرائيلية نوريت كيدرا يتحدث عن إفادات قناصة من جنود إسرائيليين مشحونين بكم هائل من العداء لكل من هو عربي يشفون غليلهم بقتل أكبر عدد منهم رافضين اعتبار فعلتهم جريمة، بل كثيرون منهم يعبرون عن انتعاشهم لقتل عربي و يتباهون بتفاصيل إجرامهم ضد العرب إذ يقول أحدهم: " وضعته في المرمى، ضغطت على الزناد و رأيته يسقط، نعم أسقطته، إنه شعور جبروت بأن تقصف حياة من لا يستحق الحياة".    وقنّاص آخر يسّوغ قتله لفلسطينيين بأنه " أمر من الله لأننا شعب الله المختار" ويقول إنه يتذكر بدقة وجوه ضحاياه من دون ذكر عددها. بعد تصفية فلسطينيين يفتحون زجاجات الشمبانيا و يحصلون على مكافأة من رؤسائهم إجازة لبضعة أيام!!

في كيان يتباهى أمام الغرب بأنه لا يطبق حكم الإعدام لأنه ديموقراطي ينفذ حكم الإعدام بشعب كامل ويغتصب الأرض ويطرد السكان الأصليين ومن ثم يستصدر قرار كونغرس بحرمانهم من حق العودة. وبالتزامن مع هذا تقضي محكمة فدرالية أمريكية بأن على كل من السلطة الفلسطينية و منظمة التحرير دفع أكثر من 116 مليون دولار إلى ورثة يهودي أمريكي قتل وزوجته الإسرائيلية في بلدة إسرائيلية قرب الضفة الغربية قبل ثمان سنوات. كم على هذه المحكمة أن تقضي لأسر الشهداء الفلسطينيين الذين اغتالتهم قوات الاحتلال وهم في عمر الورود ولأسر الشهداء من سيدات وشباب قتلوا في منازلهم و بدم بارد من احتلال عنصري ينتشي لإبادة العرب. وبالتزامن أيضاً تهاجر خمسون عائلة يهودية فرنسية إلى    " إسرائيل" وتسكن في الضفة الغربية حيث سيتم استيعابهم على أرض الفلسطينيين بعد أن يتم قتل الفلسطينيين أو تهجيرهم وتأتي هذه الهجرة في إطار حملة يقوم بها قادة المستوطنين في أوساط يهود فرنسا لإقناعهم  بالهجرة إلى الضفة بحجة تنامي ظاهرة معاداة الساميةالتي تحولت إلى معاداة شاملة لكل ما هو عربي من دين ولغة وعادات و ملامح وسحنة سمراء و المقارنة بين دارفور و فلسطين تؤكد أن معاداة السامية موجهة ضد العرب فقط، فها هو الوفد الأمريكي إلى الشرق الأوسط يتجاهل كل حرب الإبادة التي يتعرض لها الفلسطينيون و قضم أرضهم و فرض معاناة لا إنسانية عليهم يؤرخها الكثيرون من "الإسرائيليين أنفسهم" و يدعي أن "إسرائيل" تنفذ غالبية التزاماتها لمسيرة السلام. وها هي شهادة لارسن في الأمم المتحدة تتجاهل كل الجرائم التي ارتكبت بحق الفلسطينيين وتتغاضى عن كل خروقات شارون لاتفاقيات جنيف و القانون الدولي. وها هو وزير خارجية الإدارة الأمريكية وموظفيها و وزير خارجية ألمانيا وغيرها يتوافدون على الخرطوم وليس على غزة ولا نابلس ولا جنين لتوجيه التهديدات بعقوبات على شعب السودان بكامله لأن قبيلتين إحداهما يقال بأنها عربية يتقاتلان ويتسببان بتهجير آلاف المدنيين من الطرفين وكأن الملايين من الفلسطينيين المهجرين منذ أكثر من نصف قرن يعيشون في نعيم وليس في المخيمات وكأن الملايين التي في غزة و الضفة وقراهما ليسو ضحية الإبادة العنصرية وكأنهم لا يتعرضون إلى المجاعة والمرض والقتل المتعمد. والمعنى واضح: إن الغربيين يعتبرون قتل الإسرائيلي للطفل العربي "دفاعاً عن النفس" أي أنهم يغطون جرائم الإبادة التي ترتكبها إسرائيل ضد العرب.

إن معنى هذا التقييم هو ما عّبر عنه القناصة الإسرائيليون صراحة أن قتل العرب واجب عليهم و أن حياة العربي لا تساوي حياة إنسان. كما أن جنود مشاة البحرية الأمريكية عبروا عن مشاعر مماثلة في شهادات فيلم كونترول روم (غرفة التحكم) للمخرجة المصرية الأمريكية جيهان نجيم حين قالوا " إن رؤية صور قتلى       و جرحى عراقيين على شاشة الجزيرة لم تزعجهم و في اليوم التالي غضبوا عند رؤية صور جنود أمريكيين قتلى أو جرحى" و إلا كيف يمكن أن نفسر إسراع وزير خارجية الولايات المتحدة و الأمين العام للأمم المتحدة و وزير خارجية ألمانيا و آخرين كثر للذهاب إلى دارفور و رؤية ما يجري هناك لوقف المأساة التي يتعرض لها الأفارقة هناك بينما يتعرض الشعب الفلسطيني لأسوأ حرب إبادة في التاريخ الحديث و لم يكلف أحد نفسه بالإسراع لإنقاذ الشعب الفلسطيني من القتل و الدمار. فقد وضع وزير الخارجية الأمريكي جدولاً لإنهاء العنف و إعادة اللاجئين لا يتعدى الأسابيع و اعتبر وجود حوالي مليون لاجئ كارثة إنسانية،     و هي بدون شك كذلك،   ولكن لماذا لا يعتبر وجود أكثر من أربعمئة ملايين لاجئ فلسطيني كارثة إنسانية، بل تعمد القوة التي تلقى كل الدعم و التأييد و التمويل من الدول الحكومات الغربية إلى تهجير وقتل عدد أكبر من الفلسطينيين يومياً. لقد تعاملت الأمم المتحدة و الولايات المتحدة و أوروبا مع قضية دارفور بكامل الجدية و وزّع مشروع قرار أمريكي في مجلس الأمن ليرافق الضغوط التي مارسها أنان و باول على الحكومة السودانية و يدعم مشروع القرار "نشر مراقبين دوليين في منطقة دارفور، و يدعو أنان إلى إيفاد مراقبين لمراقبة حقوق الإنسان من الأمم المتحدة" و يفرض المشروع على كل الدول اتخاذ إجراءات لمنع وصول أي معونات عسكرية إلى ميليشيا "الجنجاويد" التي تتهم بأنها عربية وليست "أفريقية" و تشكيل لجنة عقوبات لمراقبة تنفيذ القرار. كما تم تهديد حكومة السودان بفرض عقوبات عليها إذا لم تنفذ التزاماتها و يمهل مشروع القرار مجلس الأمن 30 يوماً ليدرس احتمال توسيع العقوبات لتشمل "مجموعات أو أفراداً آخرين يتحملون مسؤولية الجرائم في دارفور".

مقابل هذا استخدمت الولايات المتحدة حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن ضد إرسال قوات دولية لضمان حماية الفلسطينيين و لم ترسل الأمم المتحدة مراقبين لمراقبة حقوق الإنسان في فلسطين رغم اعترافات مرتكبي الجرائم في "إسرائيل"  و إصرارهم على "أن قتل العرب مباح و متاح" كما أن الولايات المتحدة تستمر بإرسال المال و العتاد لمن ينفذ جرائم الإبادة بحق الشعب الفلسطيني و بشكل مدروس    و معلن.

أرأيتم الفرق بين دارفور و فلسطين، الفرق الوحيد هو أن الفلسطينيين عرب      و معاداة السامية الجديدة التي تتوضح كل يوم موجهة حصراً ضد العرب تستبيح دماءهم و أشجارهم و أرضهم و بلدانهم فهل يعود القرن الحادي و العشرين ليسجل مأساة شعب أصيل لا ُتكتشَف أبعادها إلا بعد فوات الأوان، تترافق مع صمت دولي مبهم عن جرائم ُترتَكب على مرأى العالم ومسمعه.

لا شك أن دلائل معاداة السامية الجديدة الموجهة ضّد العرب تصفعنا كلَّ يوم في أوربا وفلسطين والولايات المتحدة، فهل يمكن أن نأمل من كلِّ الأحرار في العالم دقّ ناقوس الخطر قبل أن تخرج الأمور عن إطار السيطرة■

19 July 2004