إدانة دولية لسياسة الفصل العنصري في فلسطين

 

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

   يشكل قرار محكمة العدل الدولية الاستشاري بعدم شرعية جدار الفصل العنصري الذي يبنيه شارون على الأرض الفلسطينية مفترق طرق في النضال الفلسطيني من أجل الحرية و البقاء  و الكرامة .  فرغم كل الأوهام التي حاول البعض زرعها في النفوس و رغم سيل التهويل بأنه لا يمكن لأحد أن يفعل شيئاً صدر قرار المحكمة  بأغلبية أربعة عشر صوتاً مقابل صوت واحد للولايات المتحدة الأمريكية و هو صوت سياسي تحكمه إيديولوجية معاداة العرب التي يقودها المحافظون الجدد, و هو بعيد كل البعد عن معايير العدالة و الشرعية الدولية.  و رغم محاولة بعض الفضائيات العربية التقليل من شأن هذا القرار و إبراز اعتراضات الإدارة  الأمريكية عليه و استعدادها لاستخدام  الفيتو ضّده إذا ما ذهب إلى مجلس الأمن فإن هذا القرار يزداد أهمية  إذا ما أحُسَن استثماره و استخدامه لحشد الطاقات العربية  ضد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل بحقّ الشعب الفلسطيني و خروقاتها اليومية لاتفاقيات جنيف الرابعة و أبسط قواعد حقوق الإنسان. و المهم أيضاً هو أن المفوضية الأوربية أكدت مرة أخرى القرار الذي اتخذته في بروكسل في 17 حزيران بأن الجدار غير شرعي و أنه يهدد السلام. كما بادر وزراء خارجية كثر في العالم إلى التعبير عن رفضهم للجدار العنصري و الانضمام إلى الزخم الدولي الذي بدأ يتشكل ضد جدار فصل عنصري يقضم أكثر من 58 % من أراضي الضفة الغربية و يسيطر على كافة منابع المياه  و يرمي في النهاية إلى السيطرة على مدينة القدس أيضاً و على أماكن العبادة المسيحية و المسلمة فيها, كما أنه يهدف إلى طمس الهوية الوطنية و القومية للشعب الفلسطيني و إبادته سياسياً و ثقافياً و تفتيت وجوده الاجتماعي و بالتالي منع قيام دولته الوطنية المستقلة.

     بسبب ما يمثّله هذا الجدار من خطورة على مستقبل الشعب الفلسطيني و حقه في أرضه و دياره بدأ المفكر العربي عزمي بشارة إضراباً عن الطعام منذ عشرة أيام بهدف لفت أنظار الرأي العام العالمي لخطورة هذا الجدار على مستقبل الشعب الفلسطيني و على الحقّ العربي في الأرض و السلام و الأمن. و ما يدعو إلى الحزن هو أن التغطية الإعلامية العربية التي حظي بها إضراب الدكتور عزمي بشارة كانت مخجلة حقاً، كما أن تعليقات الفضائيات العربية على قرار محكمة العدل الاستشاري اتسمت بمحاولة التخفيف من أهميته و الإبقاء على مشاعر الإحباط و اليأس و تصوير حتمية انتصار غطرسة  القوّة و انعدام جدوى أي جهد يبذل لكسب معركة الرأي العام العالمي ضد جرائم الإبادة العرقية التي تمارسها حكومة شارون.

    و واقع الأمر هو أن مجريات الأمور في الوطن العربي تبرهن دون أدنى شك أن غطرسة  القوّة هي التي تصول و تجول في ضرب الحقوق العربية و هي  الوحيدة التي تقرر كل ما يجري في فلسطين و العراق و كافة الأراضي العربية المحتلة و يترافق هذا مع حملة إعلامية محبطة للعرب تستهدف بث اليأس في صفوفهم من أجل ثنيهم عن بذل أي جهد أو القيام بأي محاولة لتغيير هذا الواقع الذي استفحل بشكل خاص منذ أحداث الحادي عشر من أيلول.  لقد فاق عدد شهداء فلسطين منذ أحداث الحادي عشر من أيلول ضحايا ذلك الهجوم  في نيويورك أي أن الفلسطينيين أصبحوا قرابين نزعة انتقام طائشة  بالإضافة إلى أنهم و منذ عقود عديدة و باعتراف كل المنظمات الدولية بما في ذلك الأمم المتحدة و منظمة العفو الدولية و منظمة هيمون رايتش ووج وغيرها العديد قد أصبحوا أيضاً ضحايا إرهاب دولة منظم يستهدف وجودهم و أرضهم و مستقبلهم و إلا كيف يمكن تفسير قصف الأطفال الفلسطينيين وهم في مدارسهم و بيوتهم, وقتل المدنيين  الذين لا يحملون و لا يملكون سوى الحجارة  في مواجهة الدبابات والمروحيات الإسرائيلية وهم يتظاهرون دفاعاً عن الحرية و الكرامة و استقلال بلادهم ؟ إن كلّ ما يتعرض له الفلسطينييون هو نتاج خطة استعمارية استيطانية تنفذها حكومة تقوم  بحرب إبادة ضد الفلسطينيين تتم تحت غطاءات أمن و انسحاب و خرائط و خطط لا أهمية لها على أرض الواقع.

    واقع الحال اليوم هو أنّ العالم بدأ يدرك أنّ ما يتعرض له الفلسطينييون جريمة تاريخية  خطيرة جداً  فهل يمكن أن يشكل بزوغ هذا الوعي و نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته و حقوقه حافزاً لدى كل من يؤمن بخلاصه العربي كي يعمل شيئاً لاستنهاض الهمم العربية و الدولية من أجل وضع حدّ لمأساة هذا الشعب و إيقاف اغتيال أبنائه لمجرد الشبهات؟

    إن كسب قضايا بهذا الحجم ليس بالأمر السهل و هو يعتمد أولاً و قبل كلّ شيء على إرادة المؤمنين بهذه القضية كما يعتمد أولاً و أخيراً على السعي الدؤوب و  الحثيث من أجل كسب الدعم الدولي للقضية و لا يمكن للعرب أن يدّعوا أنهم يقومون بكلّ هذا على أفضل وجه. إن قرار محكمة العدل الدولية يشكل فرصة سانحة لدعم نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته و استقلاله  بالإصرار على إزالة الجدار و حشد كل الطاقات النبيلة في العالم من أجل ذلك. و هنا لا بدّ من أن تتحرك كل الفعاليات و المنظمات الأهلية و الشعبية و الحكومية في الوطن العربي و الاتصال بنظرائها في العالم الغربي و القارة الأمريكية لخلق زخم سياسي في العالم من أجل إيقافه و إزالته و هذا ممكن جداً لأن قضية العرب قضية عادلة و هناك نسبة عالية من الشرفاء في العالم تدعم الحق العربي و مستعدة للانضمام إلى جهد عربي حقيقي لإعادة وضع الأمور في نصابها الصحيح إذا ما بدأ العرب هذا الجهد و رسموا طريقاً يمكن للآخرين أن ينضموا إليهم و الانطلاق في هذا المكان الجديد.

    إن ما يحتاج أن يفعله العرب اليوم هو أن يأخذوا قرار محكمة العدل الدولية مؤَيَدَاً بقرار المفوضية الأوربية و يحولوه إلى قرار لمجلس الأمن و يحشدوا من أجل تنفيذه كلّ الطاقات و الموارد لأن الانتصار في مثل هذا الجهد الهام يمكن أن يشكل مفترقاً للتخلص  في آن معاً من العقلية الإجرامية التي تتحكم بواضعي السياسة الحكومية الإسرائيلية اليوم و  العقلية الانهزامية التي يعاني منها بعض الرسميين العرب مؤخراً و استنهاض الهمم لوقف كل أنواع الجرائم التي ترتكب بحق العرب و المسلمين و حملات التشويه التي تطال حضارتهم ولغتهم و ثقافتهم وهويتهم و تاريخهم و حقوقهم . ولتكن بداية الاستراتيجية العربية التحرك المدروس لإزالة جدار الفصل العنصري و يتطلب ذلك توجه كلّ الطاقات العربية من مجتمعات مدنية و أهلية و حكومية و شخصية بهذا الاتجاه و لا شك أن احتضان الحقوق بعزيمة و إباء و السعي من أجل حمايتها و الدفاع عنها بكل تصميم و إيمان لا بدّ و أن يثمر.  لنتذكر أن نيلسون مانديلا أمضى سبعة و عشرين عاماً في سجون الفصل العنصري و اليوم يمثّل بشخصه ضمير العالم،  فهل يمكن لنا أن نعيد الاعتبار و لو خلال عشر سنواتٍ قادمة لكل ذرة تراب عربية عانت من الاحتلال و لكل أهل شهيد آمنوا بالحق و العروبة و العدل. لا شك أن ذلك ممكن جداً اليوم. إن ما يمثله قرار محكمة لاهاي اليوم هو وقوف العالم برمته- باستثناء الولايات المتحدة – إلى جانب نضالات الشعب الفلسطيني و مع الحق العربي و ضد الجرائم التي ترتكبها إسرائيل,  و مع إدراكهم الكامل أن "إسرائيل" و الولايات المتحدة تمتلكان القوة العسكرية في المطلق إلا أنهما لا يمكن أن يستمرا في تجاهل الرأي العام العالمي و أسس العدالة و الشرعية الدولية طويلاً إذا ما بذل العرب كل ما في وسعهم من أجل تحقيق ذلك■

412 July 200