"ما لنا وما علينا"
د. بثينة شعبان
تنتابك وأنت تقرأ كتاب هانز بليكس " نزع أسلحة العراق" وتراقب أخبار الفوضى العارمة التي تحلُّ بالعراق وأبنائه مشاعر متناقضة يصعب عليك أن تحدّد دوافعها أو اتجاهاتها وبعد جهود حثيثة لترتيب أفكارك تسأل السؤال: لماذا العراق؟ ويأتي سؤالك منطقياً ووجيهاً وأنت تقرأ بالتفاصيل التقرير الذي أعدته لجنة التحقيق بأحداث الحادي عشر من أيلول والتي خلصت به إلى الاستنتاج أنه لم يكن ثمة علاقة بين العراق وجماعة القاعدة والتحضير لأحداث الحادي عشر من أيلول رغم أنّ التصريحات التي صدرت عن عدد من المسؤولين الأمريكيين قبيل الحرب على العراق خلقت الانطباع أنّ نزع أسلحة العراق ضرورية لدرء هجمات أخطر من هجمات أيلول قد تقع على الولايات المتحدة وتهدّد أمنها وسلامتها بحيث تشكل هذه التصريحات وأمثالها جزءاً من التهويل وبثّ الرماد في العيون الذي يقوم به البعض من خلط في الأوراق والقضايا وتشويه للحقائق من أجل تبرير حرب على العروبة والعرب تستهدف أرضهم وهويتهم ومصادرة مستقبل أجيالهم وأوطانهم.
ولكنّ السرد الواقعي والهادئ الذي يقدمه رئيس بعثة الأنموفيك، هانز بليكس، للأحداث التي سبقت الاعتداء العسكري على أرض العراق وشعبه يقود بشكل حساس وهادئ وغير مباشر في اتجاهين اثنين كلاهما يسبّب الكثير من الألم والحسرة، ألا وهما، وجود مخطط مسبق و تفصيلي لغزو العراق تدفع به مجموعة من المحافظين الجدد و تخترع من اجله المعلومات و تضع السيناريوهات المختلفة لتبريره في نظر المجموعة الدولية و يهدف أولا ًو قبل كل شيء إلى مصادرة العقل العربي و القضاء على العلماء العراقيين بحيث لا تقوم للعرب قائمة في هذه المجالات. و الاتجاه الثاني و الأشدّ إيلاماً هو تخبّط الحكومة العراقية في ذلك الوقت و عدم إدراكها حقيقة ما يجري حولها و عدم فهمها لطبيعة المخططات التي تحاك ضدها و تخبطها في تصنيف هانز بليكس و بعثة الأنموفيك كجواسيس و وضعهم في السلّة ذاتها مع المحافظين الجدد و عجزها بالنتيجة عن استخدام فرص كان من الممكن أن تسحب بعض الأعذار على الأقل من أيدي من يخططون لضرب العراق بكل الأحوال و وضع الرأي العام العالمي برمته في وضع مؤيد لبعثة الأنموفيك و عمليات التفتيش التي كان من الممكن أن تقود إلى نتائج واضحة تظهر للعيان عدم وجود أسلحة في العراق قبل وقت من قرارات مجلس الأمن التي بدأت تستخدم للبحث عن مبررات لإظهار العراق في وضع من يخرق هذه القرارات و يستحق التدخل العسكري .
و مرة بعد أخرى يتضح أن الحكومة العراقية كانت تركز على صورة الرئيس بوش على مدخل فندق الرشيد كما تركز على تأخير العمل هنا و إعاقته هناك لا لأسباب جوهرية بل لإظهار ازدرائها لعمليات التفتيش و من يقوم بها بعيداً عن تأكيدات هانزبليكس الملحّة أن التعاون العراقي في هذه المرحلة يوفـّر الأداة لرئيسي بعثة التفتيش كي يظهروا للعالم ان العراق خالٍ من كل أنواع أسلحة الدمار الشامل و لا مبرر على الإطلاق لشنّ حرب عليه. طبعاً من الأسهل اليوم التفكير بما كان يمكن فعله و لكنّ حقيقة الأمر هي أنّ علاقة بعثة الأنموفيك بالعراق مثلت سلسلة من الفرص الضائعة التي لم تستثمرها الحكومة العراقية في ذلك الوقت التي ركزت على أن المفتشين جواسيس و اتهام بليكس بالتجسس و التأكيد على نظرية المؤامرة دون أيّ دراسة جدية لما يمكن فعله في الظروف القاهرة و الظالمة طبعاً التي كان يمر بها العراق في ذلك الوقت .
إن قراءة متمعنة للضغوط التي كانت تمارس على بعثة الأنموفيك خاصة بشأن العلماء العراقيين و مواقف هانز بليكس المهنية و الشريفة من مهمته و انعدام إحساس الحكومة العراقية بحقائق الأمور و الخلط بين الأوراق و التركيز على اللغة الدعائية الفارغة و عدم التعامل مع جوهر الأمور و معايشة ما يجري الآن في العراق يُري دون شك أن هناك من يخطـّط مستهدفاً العروبة و الحضارة و التاريخ العربيين بحيث يمنع على أبناء هذه الأمة أي مساهمة فاعلة و حضارية بين الأمم بحيث يتمكن أعداؤهم من اغتصاب الأرض و الاعتداء على الحقوق و سرقة التاريخ و الهوية. و لكن و في الوقت الذي تخصص الجهود و الإمكانات لمتابعة هذا المخطط الاستعماري الجديد نرى الردود تتمثل إما في تجاهل مطلق لواقع ما يجري – رغم مرارته و ظلمه – و إما الاستسلام إليه بشروط مهينة لا تقدّم فرصة أيضاً للسيادة الحقيقية و كرامة الأجيال. و بعض السبب نابع من مفهوم ثبتته الصهيونية في أذهان البعض و هو أن المعركة قد انتهت ضد العرب و المسلمين و أن الغرب كله منحاز ضدهم و أنه ليس عليهم سوى أن يجلسوا و ينتظروا تبدّل التيارات و السياسات كي تصبح لصالحهم. كما أن بعض السبب يكمن في عدم وجود وعي عربي لأبعاد المخطط الذي يستهدف وجود أمتنا و عدم وجود تخطيط سياسي عربي بعيد المدى و مرجعية عربية واضحة و شاملة. في مواجهة هذه التحديات لا بد من التأكيد على أن العروبة و النخب العربية المفكـّرة هي المستهدفة أولا ً. و لا بد من إعادة التأكيد أن الخلاص القومي هو الوحيد المؤهل لمواجهة هذه المخططات على المستوى المتوسط و البعيد. و في هذا الصدد لا بد من البدء بإثارة الوعي و تحفيز الهمم و وضع الخطط و الآليات في المغترب و الوطن الواعية لهذا المخطط الصهيوني و القادرة على وضع الردود عليه و تقديم البدائل الناجعة و الكفيلة بالحفاظ على الأوطان و ضمان حريتها و مستقبلها.
إنّ التقدم الذي حققته الجاليات العربية في الولايات المتحدة خلال عام واحد و العمل السياسي و الإعلامي الذي أنجزته يُري أن العمل من خلال الأطياف و الألوان السياسية المتعددة هو الخيار الأمثل للعرب و المسلمين اليوم و أنّ التوجه للغرب بقضايانا وبلغة هادئة رزينة نابعة من فهم حقيقي للانتماءات السياسية المتعددة والمواقف المتباينة من قضايانا سوف يمكننا في المستقبل غير البعيد من إحقاق الحق على الساحة الدولية خاصة وأن أعداءنا يستخدمون الإعلام لتبرير اغتصاب الأرض و الاحتلال و القتل و الدمار أما نحن فعلينا أن نستخدم الإعلام لنبرز الأوجه المضيئة من حضارتنا وتاريخنا وأننا أصحاب حقّ ودعاة سلام وأننا نريد العيش بسلامة وكرامة وأمان والمساهمة في الحضارة الإنسانية كما فعل أجدادنا من قبل ولا شك أنّ حامل قضيتنا العادلة قادرٌ على الانتصار على من يحمل لواء الشرّ والعدوان. و لا بدّ من التذكير أنّ العالم العربي و الإسلامي يمتلك ثروة بشرية و فكرية هائلة منتشرة في كل أنحاء العالم و التي يمكن لها أن تكون الأداة الأساسية لتغيير الصورة و الحدث لصالح العرب و المسلمين. إنّ تفاعلات ما يجري في العالم العربي على الساحة الدولية يتخذ ألواناً وأشكالاً متعددة جداً ولا خيار لنا اليوم سوى أن نكون مدركين لحجم الأخطار التي تهدّد هذه الأمة ولكن أن نكون فاعلين ومؤمنين أننا قادرون على خوض معركة الرأي العام العالمي إذا ما وضعنا الآليات و الإمكانيات الكفيلة بكسب هذه المعركة. لقد سار العالم منحى نزع أسلحة العرب و ليس العراق فقط بحيث يحـّرم على العرب امتلاك الأسلحة التي يمتلكها من يحتلّ أرضهم و يهددّ مستقبلهم. و من أجل تغيير هذه المعادلة لا بدّ من البدء بمعركة من أجل الرأي العام العالمي و التي هي الخطوة الأولى لإعادة شؤون العرب إلى مكانها الصحيح على الساحتين الإقليمية و الدولية■
21 June 2004