العروبة في واشنطن
د. بثينة شعبان
أخيراً أدرك العرب والمسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية أنّ تأثيرهم في هذا المجتمع الجديد يعتمد على مدى انسجامهم وتضامنهم وظهورهم كصوت واحد في وجه التحديات التي تهدد هويتهم وحضارتهم وحتى سلامتهم كأفراد. أخيراً قرّر العرب والمسلمون في الولايات المتحدة أنّ التحدي الذي يواجههم هو تحدّي وجود وأنّ الصمت لم يعد خياراً متاحاً وأنّه أصبح من الضرورة بمكان اتخاذ موقف واضح وحازم من القضايا التي تلامس مصيرهم سواء كهوية ثقافية وحضارية ودينية أو كأفراد، ولذلك فقد كانت التجربة التي خاضتها الجالية العربية والمسلمة هنا بدعم عضو الكونغرس الأمريكي جيم موراند عبّر عن تأييده للحق العربي ومورست عليه ضغوط جمّة واعتقد الكثيرون قياساً على أمثلة مشابهة، أنّ حياته السياسية قد انتهت لأنه تخطّى كل الخطوط الحمر بتجرئه على انتقاد السياسة التي يروّج لها قادة اللوبي الإسرائيلي ولإيضاحه الجريء أنّ هذه السياسة تخدم مصالح إسرائيل وتلحق الضرر بمصالح الولايات المتحدة الأمريكية. في مثل هذه الحال درجت منظمة الضغط الاسرائيلية المعروفة باسم "الإيباك" على أن تجعل من مثل هذا الشخص عبرة للآخرين بحيث تنهي مستقبله السياسي كي لا يتجرأ غيره من السير على خطاه. وسياسة الترهيب هذه كانت العامل الأساسي في إيهام الكتلة العربية والمسلمة على مدى عقود أنها غير قادرة على فعل شيء لأنّ "الإيباك" يضع من يريد من الساسة ويدمّر من يريد ولا حول ولا قوة للآخرين مهما اختلفت نواياهم ومهما شدّوا من أزرهم وعزيمتهم.
ولكن الذي اختلف هذه المرة في حالة عضو الكونغرس جيم موراند عن ولاية فرجينيا والذي أنزل حزبه منافساً له في ولايته، الأمر الذي لا يحدث عادةً في السياسة الأمريكية ، هو أنّ العرب قرروا أنهم سوف يدعمون موراند تقديراً لموقفه حتى وإن خسر كي يبرهنوا له شخصياُ أنهم يستحقون الدعم وكي يعبّروا له عن امتنانهم لموقفه المبدئي وعن وعيهم لأهمية هذا الموقف وعرفانهم له لتأييده للحق العربي رغم الصعوبات الهائلة التي تقف في طريقه. وانتشر هذا الشعور الجمعي بيد العرب والمسلمين انتشار النار في الهشيم فمنهم من تبرّع بماله ومنهم من
تبرّع بوقته ومنهم من تبرع بأفكاره ووجدت كل التنظيمات العربية والمسلمة نفسها تتحرك في الاتجاه ذاته وهو دعم عضو الكونغرس الديمقراطي جيم موراند ضد منافسه. وللمرة الأولى لا تسير الجهود باتجاهات مختلفة ومتناحرة بل في اتجاه واحد بقلوب مخلصة صافية اتفقت على هدف واحد وسعت إلى تحقيقه وهو دعم جيم موراند رغم كل الصعوبات و التحديات، و كانت المفاجأة السارة للجميع في نتائج الانتخابات الأولية و هي فوز جيم موراند على منافسه الذي رشحته و دعمته "إيباك". ولم تكن المفاجأة السارة لعضو الكونغرس وحده فقط، بل كانت أيضاً للجالية العربية و المسلمة التي أدركت أن أسطورة استحالة خرق قوائم "الإيباك" أو العمل ضدها قد انكسرت وأنّ الوهم الذي زرعته الدعاية الإسرائيلية في عقول وقلوب العرب بأن العمل السياسي على الساحة الأمريكية حكرٌ لهم فقط قد تلاشى وأدرك العرب و المسلمون على الساحة الأمريكية أن جزءاً من قوة أعدائهم على الأقل ناجم عن ضعفهم وتشتتهم وأن أعداءهم يخلقون الأوهام في أذهانهم كي يثبطوا عزائمهم ويمنعوهم حتى من محاولة بذل الجهود.
ونتيجة هذا النجاح الهائل الذي حققته كل التنظيمات العربية والإسلامية وكلّ العرب والمسلمين في فوز جيم موراند ضدّ مرشح "الإيباك" فإنّ الأحاديث الدائرة اليوم في واشنطن في المؤتمر الحادي والعشرين لمنظمة الأي دي سي " لجنة مكافحة التمييز " تتطلع إلى مستقبل العمل العربي والإسلامي على الساحة الأمريكية وعن تنسيق الجهود ولو في الحدّ الأدنى للسير في الاتجاه الصحيح وعن كسر الأوهام التي خلقتها الدعاية الإسرائيلية في أذهان الجميع بأنها قوة لا تقهر على الساحة الأمريكية وأنه ليس بوسع العرب سوى أن يستسلموا لقدرهم ويصمتوا ويقبلوا كل ما يتم تدبيره لهم وما يحاك ضدهم في المغترب والوطن.
الجاليات العربية و المسلمة تتحدث اليوم عن ضرورة دعم سينثيا ميكني عضو الكونغرس عن جورجيا و التي خسرت مقعدها أيضاً نتيجة دعمها للحقوق العربية العادلة و نتيجة لامتلاكها الجرأة الأدبية و الأخلاقية أن تسمّي الأشياء بمسمياتها بغض النظر عن النتائج، و تتجه الأعين إلى هؤلاء الذين يدعمون حملة ميكني بالمال و الوقت و العمل لأن عودتها إلى الكونغرس ستسجل مثالاً آخر ذا أهمية كبرى أن من يدعم الحق العربي على الساحة الأمريكية يلقى الدعم و الولاء من قبل جالية عربية و مسلمة بدأت تدرك أهمية وزنها و صوتها و قوتها على الساحة الأمريكية و بدأت تتحرر من أساطير الدعاية الإسرائيلية التي عملت خلال العقود الماضية ليس فقط على الترهيب الفكري و السياسي لأعضاء الكونغرس و إنما على إدخال الشعور بالإحباط و اليأس إلى قلوب العرب و المسلمين كي لا يستثمروا ما يمتلكون من طاقات و امكانات وكي ينثنوا عن أي عمل يمكن أن يقوموا به حتى قبل أن يبدأوا نتيجة الخوف من الفشل و تضخيم إمكانات الآخر. الدرس الذي تعلمه العرب و المسلمون اليوم على الساحة الأمريكية هو ضرورة العمل و بذل كلّ ما يمكن من جهد حتى و إن كان الإخفاق احتمالاً وارداً و لكن ّ المهم هو القول اللهم إنيّ حاولت، و المهم أيضاً هو أن يشعر مؤيدوا الحق العربي في الكونغرس الأمريكي و على الساحة الأمريكية أن المنظمات العربية و الإسلامية تقدّر مواقفهم خير تقدير و إنها تكرّس كل ما تملك من جهد و مال لكي تردّ لهم الجميل، و ما أن يحقق العرب و المسلمون قصة نجاح ثانية و ثالثة إلى أن يزداد الإيمان بهم و تزداد الجرأة على دعم قضاياهم و تبدأ أسطورة القوة الدعائية التي لا تقهر بالانهيار. لقد عبرت الأبحاث و المداخلات التي تقدم بها عدد من الباحثين في مؤتمر لجنة مكافحة التمييز عن بداية انقشاع الوهم عن أعين الكثيرين و إدراك قادة الجاليات و النخب العربية في الولايات المتحدة أن الوهم أكبر من الحقيقة بكثير وأن أعداءنا كبّروا الأوهام لإضعافنا و أنه حان الوقت أن نؤمن جميعاً أنه لا يموت حق وراءه مطالب وأن أصحاب الحقّ أقوى من المعتدين مهما بلغت قوة المعتدين و أنّ العمل بروح جماعية و التوجه وجهة واحدة و بقلب و رؤية و هدف واحد سوف يقود إلى العزّة للجميع ولقضاياهم العادلة■
14 June 2004