المعاداة الجديدة للسامية
د. بثينة شعبان
يتبادل السياسيون والإعلاميون اليوم - و قد أصبحت الحدود بينهم رمادية جداً - التصريحات والمقالات حول ما جرى وما يجري في العراق وما إذا كان من الممكن تجنب حرب برهنت على جميع المستويات أنها كارثية وظالمة للشعب العراقي. وعلّ أهم ما صدر في هذا الصدد هو تصريح وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بأن المعلومات التي وضعت بين يديه حول أسلحة الدمار الشامل و منها المخابر الكيميائية المتنقلة المزعومة في العراق والتي قدّم للعالم عرضاً مفصلاً عنها في جلسة لمجلس الأمن في مطلع عام 2003 لم تكن دقيقة فقد قال كولن باول: " لقد تبين أنّ المعلومات كانت غير دقيقة وخاطئة وفي بعض الأحيان مضّللة عن قصد.... ولهذا فأنا أشعر بخيبة الأمل ونادم على ذلك. " وكان وزير الخارجية الأمريكي قد أقرّ بأنّ وكالة الاستخبارات المركزية( سي آي أيه ) وغيرها من الأجهزة الحكومية ضللت عمداً في بعض الأحيان حكومتها والرأي العام حول أسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة قبل الحرب. والسؤال الهام الذي لابدّ من متابعته في مثل هذه الحال هو: من هم هؤلاء الذين قدموا معلومات مضّللة عن قصد وما هي غاياتهم ؟ أو ليس من الممكن جداً أن يقدموا معلومات أُخرى مضللة عن قصد حول مسائل وقضايا وبلدان أخرى ويقودوا الولايات المتحدة والعالم في متاهات كارثية قد تسبب وبالاً على الشعوب ؟ . ذلك أن وصول معلومات مضلّلة عن قصد أو غير قصد إلى صناع القرار في أقوى دولة عسكرية واقتصادية وتبنّي مثل هذه المعلومات من قبل حكومة القوة العظمى الوحيدة أساساً لشنّ حروب ضد الشعوب واحتلال بلدان وبالتالي ارتكاب جرائم حرب وانتهاك حقوق وسيادة الشعوب وتحطيم الشرعية الدولية ليست مسألة من السهولة بحيث يمكن تجاوزها بل لا بدّ من التوقف عندها والتحقيق فيها واكتشاف أسبابها ومسببيها وإلا فإن العالم سيعيش حالة فوضى حقيقية ناجمة من مثل هذه الظاهرة الخطيرة.
الحدث الإعلامي الذي يقارب تصريح وزير الخارجية الأمريكي بدلالاته هو ما نشرته جريدة النيويورك تايمز في 26/5/2004 من المحررين بعنوان " الوقت والعراق" حيث اعترف المحررون بأن الكثير من المعلومات التي نشروها حول العراق قبيل الحرب كانت مستقاة من أجهزة سرية اعتمدت على معلومات مهزوزة و ناقصة و لكن هذه المعلومات المهزوزة و الناقصة وجدت طريقها إلى وسائل إعلام قوية و موثوقة . وتؤكد المقالة أن المحررين في النيويرك تايمز "اعتمدوا في معلوماتهم على مخبرين كان بعض العاملين في الإدارة الأمريكية حريصين على تأكيدها لخلق المبررات" التي كان يبحث عنها المحافظون الجدد لغزو العراق. ومن أجل إيجاد هذه المبررات يؤكد المحررون "أن معلوماتٍ غير موثوقة وجدت طريقها إلى الصفحات الأولى بينما لم تنشر المعلومات الأُخرى التي كانت تدحضها أوأنها نشرت بشكل متعمد في وقت متأخر وفي أماكن لا تسترعي الانتباه في الوقت الذي كان يجب نشرها على الصفحة الأولى" .
و لاشك أن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مقرونة بما أعلن عنه من ترتيب إعلامي بين إدارة بوش وإدارات أجهزة الإعلام لتمهيد الأرضية لغزو العراق يُري أن هناك مخططاً مسبقاً وضعه المحافظون الجددً لشنّ الحرب على العرب كانت ضحيته فلسطين والعراق وكذلك تمت تهيئة المعلومات الملفقة والتغطية الإعلامية المكثفة من أجل خلق المبررات لشنها رغم إصرار المطلعين و الخبراء أنها معلومات واهية ولا أساس لها من الصحة . والأخطر من كل هذا أن النموذج نفسه يتكرر أمام أعيننا سواء بالنسبة لجرائم التعذيب الجسدي المنهجي الذي يتعرض له المعتقلون العراقيون في سجن أبو غريب و غيره من السجون و المعتقلات و قتل المدنيين الأبرياء على أيدي القناصة من المرتزقة الأجانب في الفلوجة والكوفة وكربلاء أو قصف المحتفلين في عرس يقيمونه بأمان في قريتهم الوادعة في أحضان الصحراء واغتصاب الأسيرات العراقيات أمام أزواجهن وإخوتهن وتعذيب العلماء العراقيين حتى الموت أو سواء بما يتعلق بهدم آلاف البيوت الفلسطينية و قتل مئات الأطفال والنساء الأبرياء واغتيال المدنيين و تهجيرهم و فرض مأساة دموية على شعب كامل لم تشهدها البشرية منذ هزيمة النازية في الحرب العالمية الثانية .
والمتابعة الدقيقة لكل مجريات الأمور في فلسطين و العراق تري أن المسألة في جوهرها ليست مسألة خطأ في مصادر المعلومات فليست المخابرات ولا الإدارة الأمريكية بهذه السذاجة ولا فشل التغطية الإعلامية في التدقيق بالمعلومات فأجهزة الإعلام الأمريكي ليست بهذا الضعف بل هي "أعمق و أخطر من كل هذا وذاك" لأنها بالحقيقة تعبر عن ظاهرة تحول العداء الغربي للسامية من شكله التقليدي إلى شكله الجديد و الذي اختار رسمياً في القرن الواحد والعشرين العرب ليكونوا ضحاياه الجدد واتخذهم بلداً بلداً، وشعباً شعباً ليكونوا ضحايا رغبة الكراهية الدفينة منزلاً القتل والإبادة و التعذيب المجازر والتطهير العرقي بهم تحت مسميات وأعذار لا تختلف كثيراً، بما في ذلك الإرهاب، عمّا كان يستخدم سابقاً وهي لا تخفى على الباحث المتمعّن في حقيقة الأمور جوهرها المعادي للعرب ووجودهم وثقافتهم. وكي لا أطيل سوف اتخذ من حادثة أبو غريب و المجزرة الدموية التي أبيد فيها أبرياء وهم يحتفلون في عرس عادي بالعراق و الجريمة النكراء بحق أهل رفح أمثلة قليلة لأدللّ على توجه واضح وضوح الشمس على قيام المحافظين الجدد بتحويل عداء أسلافهم التقليدي للسامية إلى حملة كراهية موجهة بشكل منظم ضد العرب.
تشير كل الدلائل إلى أن التعذيب الجسدي والنفسي الذي تعرض له سجناء أبو غريب لم يكن يهدف إلى استقاء معلومات بل أن الصور و الأفلام و الشهادات توضح أن الجلادين كانوا يقفون لالتقاط صوراً تذكارية لهم بعد تعذيب الضحية أو قتلها وأصبح اليوم مؤكداً للجميع أن ممارسة التعذيب في السجون ليست حالة فردية أو معزولة وليس المسؤول عنها بضعة أشخاص بل هي سياسة شارك فيها الجميع و يشترك الجميع في التعتيم عليها و عدم الاعتراف بها كجريمة حرب و إخفاء جوانب أخرى مثل مصير آلاف الأسرى الذين لم تسجل أسماءهم و دفنت جثثهم في مقابر خفية، هذه السياسة تنطلق من نظرة عرقية تنظر بدونية للعرب ولذلك فهي لا تعتبر العراقيين بشراً مساويين في المشاعر والأحاسيس والإدراك للغربيين، ولا شك أن الذين هيئوا وضلّلوا لشن الحرب على العراق هم أنفسهم أصحاب النظرة العنصرية المعادية للعرب الذين يشنون حملة إبادة ضد الفلسطينيين وهم الذين يشرفون على أساليب الاضطهاد التي تفرزها حملة اللاسامية الجديدة ضد العرب. وإلا كيف تسقط طائرات أمريكية قنابل على عرس آمن وتقتل أربعين طفلاً وامرأة ورجلاً وتنشر جريدة الكارديان البريطانية إفادات الأحياء ومع ذلك ترفض إدارة بوش الاعتذار عن قيام جنرالاتها عمداً بقتل أطفال أبرياء مع أن الاعتذار لن يحيي ميتاً، هل تمارس إدارة بوش مثل هذه السياسة حيال أي شعب آخر في العالم وهل تفرض وسائل الإعلام الأمريكية تعتيماً مطلقاً إذا كان الضحايا غير عرب؟ أي أن محرري النيويورك تايمز الذين يعتذرون عن سوء التغطية قبيل الحرب يستمرون بتجاهل عذابات العرب والمجازر المرتكبة ضدهم في فلسطين والعراق، ذلك لأن حياة عربي اليوم لا تساوي حياة إنسان غربي، أوليس هذا بالضبط جوهر معاداة السامية التي تضطهد وتقتل وتهجّر الساميين فقط لأنهم ساميون وتقتل أطفالهم ونسائهم وتقوم بتهجيرهم واستباحة ممتلكاتهم وبلدانهم اليوم فقط لأنهم عرب؟!! ولذلك ليس من قبيل المصادفة على الإطلاق إن صورة المرأة الفلسطينية المسنة وهي تبحث بين أنقاض منزلها المهدم عن الأدوية أدّت إلى تذكير يوسف لبيد "وزير العدل الإسرائيلي" بصورة جدته إبان ملاحقة النازيين لليهود وما قاله لبيد " من أنه لا يوجد ما يكفّر عن معاناة عجوز لا حول لها ولا قوة " ينطبق على آلاف الأسر في فلسطين والعراق الذين يتعرضون لمآسٍ وحرب إبادة جماعية ومعاملة عنصرية لا علاقة لها بالحرب على الإرهاب أو أمن هذا الطرف أو ذاك.
إن وجهات النظر العنصرية التي عبّر عنها بنيامين إيلون وزير السياحة الإسرائيلي في 26 أيار في الهيرالد تريبيون عندما قال " لا أرض للفلسطينيين هنا وليذهبوا إلى الأردن " ودعوة دوغلاس فيث، معاون وزير الدفاع للتخطيط السياسي، لإسرائيل " أن تتنكر لاتفاق أوسلو وتحتفظ بالأراضي المحتلة " ، وعدم اعتراف بوش وإدارته وجنرالاته بجرائم الحرب المرتكبة وتبريره المتكرر لقتل إسرائيل الأطفال الفلسطينيين وهدم البيوت و اعتباره هذه الجرائم " دفاعاً عن النفس " ، كل هذا وكثير كثير غيره جزء من عقلية وسياسة العداء للسامية بشكله الجديد والذي اتخذ من العرب ضحاياه المستهدفين فتشن حروب الإبادة والمجازر والتعذيب و الاغتصاب والعقوبات في فلسطين والعراق وغيرها بشكل متناغم ومنسق ضمن سياق حملة الكراهية الجديدة والمهم أنّ ما كان يسمّى بالإعلام الحر قد افتضح أمره وهو مطالب، إن وجد، أن ينزل إلى أرض الواقع ليكتشف بنفسه ضحايا اللاسامية الجديدة والحملات الدموية المنظمة لتعذيب وإبادة العرب واغتصاب حقوقهم وأرضهم وتشويه تاريخهم وثقافتهم. وإذا كان جان رلوك جودار قد قارب في فلم " موسيقانا" بشكل محكم بين معاداة السامية بشكلها التقليدي على أيدي النازيين وبين اقتلاع الفلسطينيين من ديارهم، فهو يهودي السينما - بحسب تعبيره- يدهشه أن أحداً من بين الإسرائيليين لم يجرِ تلك المقاربة و يدهشني أن أحداً من العرب لم يجر هذه المقاربة! والسؤال : كم من الجرائم والمجازر سيرتكبها المحافظون الجدد وغيرهم من اللاساميين الجدد ضدّ العرب قبل أن يلاقوا مصير أسلافهم من إدانة التاريخ والبشرية؟!
31May 2004