الأولوية للبلاد!
د. بثينة شعبان
كان قرار سونيا غاندي برفض منصب رئاسة الوزراء في الهند ردّاً على المتشددين الهندوس الذين أثاروا ضجة حول أصولها الإيطالية ردّاً سياسيّاً متميزاً وردّاً إنسانيا راقياً أكسبها احترام العالم من أقصاه إلى أدناه ومنحها مكانة تفوق بكثير أي منصب أو إنجاز سياسي وبرهن لخصومها السياسيين كما قال الزميل سمير عطا الله في زاويته الجميلة أن سونيا غاندي ليست هنديّة فقط وإنما "غاندية" أيضاً. واللافت في الأمر أنها أصرّت إصرار العظماء على رفض المنصب رغم إصرار الآلاف عليها كي تقبله وشرحت ذلك باستماعها لإحساس داخلي أكد لها عدم قبول منصب رئاسة الوزراء ورغم كل الصخب السياسي والشعبي الذي ناداها أن تكون رئيسة وزراء الهند بقي ذلك الصوت الخافت المختلج في أعماق نفسها أكثر مصداقية في وجدانها وأبعد أثراً على قرارها الأخير. والتوقف عند هذا الصوت أمر هام جداً لأن المنشغلين فقط بقضايا الأمة والناصتون فقط لهواجس البلاد والممعنون فقط باهتمامات أبناء بلادهم والمبحرون بعمق في تفاصيل كل قرار سياسي يتخذونه واثر هذا القرار على وحدة بلدانهم ومنعتها وعزّتها، هؤلاء فقط هم الذين يمتلكون ذلك الصوت الذي يعلو كل أصوات المصلحة الخاصة و بريق الشهرة والمكاسب الآنية التي تبدو كبيرة رغم أنها صغيرة جداّ ولا قيمة لها في المعايير الإنسانية الحقّة.
حين تخلّت سونيا غاندي عن منصب رئيسة وزراء الهند حققت مكاسب كبيرة لحزب المؤتمر الهندي ولوحدة الهند وأضافت ألقاً آخر إلى ألق غاندي العظيم في الغيرية ونكران الذات، ألقاً قلّما حلم أحد بقدرته على الإضافة إليه، و فوق كلِّ هذا وذاك حققت نصراً سياسيّاً رائعاً على خصومها و مما أفقدهم الورقة الوحيدة التي صنعوها من لا شيء كي يحققوا كسباً وظيفياً على امرأة مؤمنة بقضيتها وبلدها وشعبها فألحقت بهم جميعاً هزيمة أيّما هزيمة. كما أنها انتصرت بكل هذا الموقف السياسي الفذ إلى كرامة شخصيّة وعزة نفس ترفرف أجنحتها فوق كل المراكز والمناصب وأثبتت في زمن أصبح الإباء عزيزاً والموقف الحرّ مطلباً بعيد المنال أن السياسة عمل أخلاقي ووطني قبل كل شيء لأنها مسؤولية كبرى لا بدّ وأن تذوب من أجلها جميع الشوائب و أن يرتقي المتنطحون لها إلى مستوى القدوة الأخلاقية والشخصية والسياسية كي يحق تسميتهم قادة لمجتمعاتهم وأوطانهم والعالم.
وبعد التمحيص تبدو مبادرة غاندي برفض منصب رئيسة الوزراء بدهية لأن حساباتها انطلقت من مرتكز بسيط وهو إعطاء الأولوية للبلاد، أو ليس هذا ما يتوجب على كل سياسيي العالم فعله؟ أوليس المفترض أن يكون هذا هو سبب وجودهم في سدة الحكم
أصلاً؟ أو ليست مصلحة البلاد هي الاعتبار الوحيد الذي على السياسيين أخذه بعين الاعتبار؟ أم أنها الهند مرة أخرى تعيد تثقيف البشرية في التلازم بين السياسي والأخلاقي والإنساني؟! وعلّ هذا الدرس الذي قدمته سونيا غاندي بكل تواضع ووقار يجب ألا يمر مرور الكرام على منطقتا العربية والعالم، إذ أن ما نحتاجه اليوم في العالم العربي هو إعادة هذه المعادلة في الحكم إلى نصابها الصحيح ووضع الأوطان فوق كل اعتبار خاصة وأن المجازر البشعة التي ترتكب كل يوم في حروب الكراهية التي تشن على العرب تباعاً لتفترس آلاف الأطفال والنساء والرجال الأبرياء تدعو السياسيين العرب في مواقع الحكم و مناصب السلطة إلى اتخاذ مواقف لا تقبل الشك و تنطلق من مرجعيات فكرية وأخلاقية و سياسية واضحة تعيد الأولوية للبلاد وهويتها و الشعب ومستقبله.
لا شك أن الهجمة على هذه الأمة كبيرة وحاقدة ومدروسة وقاسية ولكن لا شك أيضاً أن مواقف أكثر جرأة وأكثر التصاقاً بالقضايا و المصالح والقيم العربية وأقل اهتماماً بالمناصب و المكاسب و أكثر عروبة وإيماناً بوحدة المصير وأقل انغلاقاً داخل وهم الخلاص القطري أو النرجسية الفردية يمكن أن تغيّر الكثير و أن تكسب هؤلاء الذين يستشهدون كل يوم في رفح وبغداد والنجف والقائم و جنين ضحايا للعنصرية والكراهية المتزايدة ضد العرب، وربما تكسبهم حماية أفضل ودعماً أفضل ويمكن أن تعيد لتلك الأسر التي تهدم بيوتها كل يوم جزءاً من الكرامة التي تستحقها.
لا شك أن هؤلاء الشهداء النبلاء والمعتقلين المعذبين في سجون الاحتلال في فلسطين والعراق بحاجة إلى أن يقف كل عربي وخاصة أولئك الذين يجلسون في مواقع القرار وقفة عز تضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار وتنتصر لكرامة العرب المستباحة بمواقف نبيلة أبيّة يقدرها العالم ويتفهمها ويبدأ باتخاذ خطوات حقيقية لرفع الظلم الجاثم على صدور الأمهات والآباء وإيقاف حرب الإبادة والتطهير العرقي التي خطط لها العنصريون الجدد كي لا تبقي ولا تذر أي أثر للعرب وحضارتهم إلى أن يتحولوا جميعاً إلى هنود حمر القرن الواحد والعشرين، وقد وضعوا الخطط والأسلحة والتمويل لفعل ذلك. فهاهم يجردون العرب من كل سلاح بينما يسمح لمن يحتل أرضهم ويدمر منازلهم ويرتكب المجازر ويقتل أطفالهم أن يمتلك كل أنواع الأسلحة لقتلهم وتدميرهم وهاهم العرب يتحولون إلى لاجئين في مخيمات وقرى وكانتونات كانت كانتونات جنوب أفريقيا أفضل منها بكثير.
هل يمكن للعرب أن يكون لهم من السياسيين القادة ممن يغلبون المصلحة العامة على المنصب فيوحدوا مواقفهم ويطالبوا العالم بوقف المجازر التي ترتكب ضدهم بكل أشكال الجريمة وحشيةً، وأن يقوموا على الأقل بمقاطعة إسرائيل كما قاطع العالم جنوب أفريقيا العنصرية إلى أن تتخذ السياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة استراتيجية مختلفة تعتبر الاحتلال والاستيطان وقتل المدنيين الأبرياء جرائم حرب وإلى أن يبدأ العالم بمحاسبة قادة إسرائيل على جرائمهم البشعة ضد الشعب الفلسطيني الصامد.
لقد برهنت سونيا غاندي أن القضايا أكبر من المناصب وأن إعطاء الأولوية للبلاد تكسب الإنسان عزّاً وكرامة واحتراماً فضلاً عن تحقيق أهداف سياسية هامة قد تعجز أعوام من الأداء السياسي عن تحقيقها. إن الوجود العربي والمستقبل العربي مهددان، والتعلم من سونيا غاندي ليس ترفاً بل هو خيار وحيد لا ثاني له ألا وهو إعطاء الأولوية الأولى والثانية و .... للبلاد والأمة من قبل كل هؤلاء داخل الحكومات وخارجها إذ لا تتطلب هذه الأولوية دائماً رفض المنصب بل قد تتطلب أحياناً حسن استخدامه للمصلحة الوطنية بدلاً من الأنا الذاتية الضيقة ذات الأفق المحدود والزمن المحدد أكثر■
24 May 2004