هل يبرر الظلم مظالم أفظع ؟!

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

     حين استشهد الطفل محمد الدرّة في خريف عام 2000 بعد استهداف متعمد  من قبل الجنود الإسرائيليين أمام كاميرات الفضائيات استمر إطلاق نارهم عليه طوال عشرين دقيقة من أشد لحظات الزمن وحشية لقتله و هو مذعور يحاول الاحتماء بالصخرة أو بجسد والده. حينئذ استنكر العالم من أقصاه إلى أدناه عملية القتل الوحشية المتعمدة هذه ما عدا بالطبع الإدارة الأمريكية و أصبح محمد الدرّة رمزاً للطفولة التي تمّ اغتيالها على يد احتلال كشفت هذه الجريمة إحدى أوجهه الإجرامية المقيتة. ولكن و منذ ذلك التاريخ قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مئات الأطفال الفلسطينيين بعمر الورود و هم على مقاعد الدراسة أو عائدون من مدارسهم أو يلهون أمام منازلهم أو نائمون في فراشهم و لكنّ أحداً في العالم لا يعلم أسماءهم و لا يتذكر وحشية اصطيادهم دون أي ذنب ارتكبوه رغم أن أمهاتهم الثكلى يعانين مصيبة الثكل و الخسارة الكبرى كل يوم و رغم أن هذه البراعم كلّها قد حرمت وفق سياسة قتل متعمدة من حقّ الحياة, و هو الحق الإلهي المقدس, لا لذنب ارتكبته بل بسبب سياسة عنصرية تشنّ حرب إبادة على سكان فلسطين الأصليين كي تجعل من الاحتلال   والاستيطان أمراً واقعاً لا يجرؤ أحد على تحديه أو التفكير بتغييره. و هذا يري أن الدرس الذي تعلمته قوات الاحتلال من استشهاد الطفل محمد الدرّة هو أن لا تدع الإعلام يشهد الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال بحق الأطفال و بذلك تمضي في اقتراف جرائمها دون أن تسبب صرخة إدانة أو استنكاراً في الرأي العام العالمي. و الشيء ذاته ينطبق على هدم المنازل و الذي يشكل انتهاكاً سافراً لاتفاقيات جنيف و مسؤوليات قوات الاحتلال تجاه السكان المدنيين و ممتلكاتهم فقد سلّط الإعلام الأضواء حين قرر شارون تدمير منازل أسر الاستشهاد يين و تصاعد الجدل حول المسؤولية و الشرعية و لكن قوات الاحتلال اليوم تدمّر عشرات المنازل في اليوم لأسر آمنة تحاول العيش بسلام و أمن على أرضها و لم تتح لها الظروف حتى المشاركة بالمقاومة. و الواقع يري أن العقوبات الجماعية التي تتخذها حكومة شارون بقرار لا علاقة لها بما قامت به الأسر الفلسطينية من أعمال بل تشكل سياسة إبادة منتظمة ضدّ السكان الأصليين تهدف إلى تهجيرهم و قتلهم و الاستيلاء على أرضهم و تتضمن الخطط أيضاً التأكّد من عدم إثارة ضجة في الإعلام كي تمرّ هذه الحرب بهدوء و بعيداً عن التساؤلات أو الإزعاجات التي قد يسببها الرأي العام العالمي!!

 

و الشيء ذاته يتكرر اليوم بالنسبة للمهانة القصوى التي وجهتها قوات الاحتلال الأمريكية خلال تعذيبها الجسدي و المعنوي للأسرى العراقيين و الذين تمّ اقتياد معظمهم إلى السجن بشكل اعتباطي و دون أي إثم اقترفوه و دون أن توجه للكثيرين منهم أي تهمة و قد دلت الصور التي نشرت في كل مكان أن القائمين على السجن وقفوا بساديّة مقززة قرب ضحاياهم المهانين المعذبين ليتم التقاط الصور التذكارية لهم كي يتباهوا بها أمام عوائلهم و معارفهم في الولايات المتحدة و هذا دليل على أنها عمليات روتينية تتبع مخططاً مدروساً وتاتي نتيجة لتعليمات واضحة تطبق على الأسرى في كل مكان و لم تكن المشكلة لدى الإدارة الأمريكية بالنسبة لردود الأفعال مقدار التعذيب الجسدي و الإهانة الفظيعة و اللاأخلاقية التي عومل بها هؤلاء الأسرى وكيفية مساعدتهم لاستعادة الشعور بالكرامة و ضمان عدم تكرار التعذيب هذا لأي أسير آخر في السجون الأمريكية المنتشرة في أرجاء العالم و لكنّ المشكلة كانت بالنسبة لهم أن يبرهن المسؤولون عن هذه الجرائم أنهم غير مسؤولين و أن يبرهن دعاة " الديمقراطية" أن هذه الممارسات لا علاقة لها" بالديمقراطية" مع أنّ الذين يمارسونها يرتدون الزيّ العسكري، أي يمثلون الأداة الأساسية لنشر " الديمقراطية" بالجيوش و الأساطيل.  

 

و ما لم يكن العالم حذراً فإن الشيء ذاته الذي حصل لأطفال فلسطين الذين يتم اغتيال العديد منهم يومياً و منازل فلسطين التي أخذت تهدم بالمئات اليوم دون أن تثير أي ضجة إعلامية من قبل الرأي العام العالمي سيحصل بالتأكيد للأسرى في العراق حيث ستستمر ممارسات التعذيب هذه ضدهم و لكن بعيداً عن الكاميرات  وبعيداً عن الضوء الإعلامي و بالتالي بعيداً عن نظر العالم و سمعه و إدانته.   ولذلك على العالم ألا يسمح لمثل هذه الممارسة أن تمرّ دون إنزال أشدّ العقوبات بمرتكبيها و دون وضع الأسس التي تضمن حصول المنظمات الدولية على معلومات حقيقية لما يجري داخل السجون الأمريكية لا التعتيم عليها بعد اليوم   وضمان إثارة وعي العالم بمثل هذه الأفعال إذا ما ارتكبت و فتح ملفات الأسرى العراقيين لنعلم جميعاً لماذا اعتقلوا, و ماذا جرى فعلاً لهم, و ما الذي يتعرض له مروان البرغوثي و ابنه وسمير القنطار و آلاف المعتقلين الفلسطينيين  والفلسطينيات الذين قد يكون وضعهم ليس بأحسن حال من الأسرى العراقيين  والعراقيات و الفرق الوحيد هو أننا لا نعلم ماذا يجري وأن العالم غير متنبه بشكل حقيقي لما يجري هناك.

 

 أما الأسئلة التي وجهت لي من قبل السيدة الفاضلة عائشة بكر – السعودية – في الشرق الأوسط عدد 9297 - 2004/5/21 وغيرها من المقالات التي تحدثت عن المظالم التي تعرض إليها العراقيون في عهد صدام حسين وبشأن ممارسات حكومات عربية تقوم سلطاتها الأمنية بخروقات لحقوق الإنسان فإنّ مثل هذه الممارسات كانت مدانة حينها من قبلنا نحن العرب بينما حظي صدام وأمثاله على دعم أو سكوت الإدارة الأمريكية وحلفائها على تلك الممارسات الوحشية بما في ذلك جريمة حلبجة والتعذيب في السجون.

 

 

 

وفي كل الأحوال فإن التعذيب في سجون صدام لا يبرر الجرائم التي ارتكبتها قوات الاحتلال في أبو غريب على الإطلاق. ثم ألم تأتِ قوات الاحتلال لتخلّص العراقيين من ظلم طاغية دمّر حياة شعبه وحوّلها إلى جحيم؟! فبأي منطق يجوز لمن استنكر وأدان خروقات حقوق الإنسان في بلدان أخرى أن يسمح لقواته بارتكاب أبشع الجرائم بحقوق الإنسان الأساسية في سجونه ومعتقلاته؟!. ولكلّ العرب الذين يدعون لقبول الظلم الأمريكي بذريعة وجود ظلم  في المجتمعات العربية أقول إن القوى الغربية اعترفت على ألسنة كبار مسؤوليها أنها دعمت الديكتاتوريات في العالم العربي لسنين طويلة وأنها لم تولِ اهتماماً للحكومات الليبرالية والوطنية التي حاولت إرساء الأسس العلمانية في مجتمعاتها، فالمعيار بالنسبة للغزاة اليوم ليس حرية العرب أو كرامتهم بل هو امتهان هذه الكرامة بما يخدم الانقضاض على هويتهم وأرضهم وتاريخهم. إن من قرأ تقرير هدى شاكر عن عذابات السجينات العراقيات والمأساة التي تعرض لها صلاح الراوي من التعذيب الوحشي والإهانة المطلقة على يد الجلادين الأمريكان في سجن أبو غريب وبشكل لم يرتكبه جلادي صدام من قبل ومن يرى آلاف الأسر تتضرع إلى الله في العراء على ركام منازلها في رفح وغزة يرى أن من واجبه الإنساني فعل شيء ما لضمان عدم حدوث ذلك في المستقبل. وهذا لا ينفي أنه على العرب أيضاً فعل شيء ضد أي مظهر من مظاهر الخطأ والجريمة بما في ذلك التعذيب في بلدانهم ولكن أرى غرابة مطلقة بل وحالة مازوخية عند أولئك الذين كتبوا ليبرروا للجلادين الأمريكان جرائمهم بذريعة أن صدام ارتكب مثلها أو أسوأ منها!! فالجريمة والمظالم لا تُبرَّر إطلاقاً بجرائم ومظالم أكبر و أقسى و أعتى. وليس المهم من يرتكب الجريمة بل هي الجريمة نفسها مدانة وتكون مدانة أكثر للذين يدعون أنهم جاؤوا ليجلبوا لضحايا حربهم وجلاديهم الحرية!! ومهما يكن من أمر فإن على الجميع إدراك خطورة المرحلة فهي ليست معركة هنا وأخرى هناك بل مسألة حياة أو موت لنا جميعاً، وربما للبشرية جمعاء، وعلينا جميعاً أن نختار. يجب ألا نسمح لمثل هذه الجرائم أن تمرّ بسهولة ويجب أن نشعر أننا جميعاً  مستهدفون وأنّ الإهانة موجهة لنا جميعاً لأنّ حقيقة الأمر هي كذلك. ومن يقف ضد الخطأ في فلسطين والعراق هو ذاته من يقف ضد الخطأ في كلّ مكان. وليس من المهم أن نحصي كم عدد الضحايا  وأن نقلّل من شأن ما حدث لهم إذ يكفي أن يحدث ما حدث لشخص واحد كي يوجّب ذلك استنكاراً من ضمائر البشر جميعاً فهناك حكمة مطلقة في قوله تعالى " ومن يقتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً" إن الانتصار للحق والانتقاض ضدّ الظلم لا يتجزأ ولكن المناضلين عبر التاريخ اكتشفوا أن ظلم الاحتلال الأجنبي هو أقسى أنواع الظلم وأن مهانة الاحتلال هي تدمير مطلق للكرامة البشرية والإنسانية وهاهو الاحتلال يبرهن على ذلك يومياً في فلسطين والعراق.

 

ولكنّ الغريب في ردود الفعل على المهانة البشعة التي عانى منها السجناء العراقيون هي أن الكتاب الأجانب في الصحافة البريطانية وحتى الأمريكية لم يحاولوا إيجاد المبرّرات للسجانين كما حاول بعض الكتاب العرب ودافعهم في ذلك - وهم محقون - الخوف من أن تنتقل هذه الممارسات إلى مجتمعاتهم وبدلاً من تغيير النظام في العراق إلى الأفضل يتمّ تغيير مجتمعاتهم إلى الأسوأ، وها هو توماس فريدمان المعروف بعدم حبه للعرب يطلق جرس الإنذار بانعدام النفوذ الأخلاقي في العراق وينتقد امتداح الرئيس بوش لرامسفيلد بدلاً من طرده ( الشرق الأوسط 2004/5/14) كما وجدت جريدة الكارديان البريطانية في مقالها الافتتاحي الخميس 2004/5/13 خطراً عظيماً على العالم بأن الدولة الأقوى في العالم ترفض أن تقيم أي اعتبار لمؤسسات وقوانين حقوق الإنسان وأنها تضع أسراها خارج إطار القانون وبذلك ليست مؤهلة للقيام بما يتوجب القيام به في العالم اليوم. كما ذهب كتاب غربيون آخرون إلى قرع جرس الإنذار أن النازية قد بدأت بحجة مكافحة الإرهاب ثم توسعت ممارساتها. كما أشار البعض، جوناتان رابان في الكارديان ويكلي (2004/5/13) ، بأن ما حدث في أبو غريب هو ترجمة للنظريات الاستشراقية التي ترى في الشرق أناساً تحكمهم نزواتهم لا عقلهم وتفكيرهم أي أنه ترجمة لسياسة عنصرية ضد العرب والمسلمين وتساءل جوناتان رابان مع آخرين عن ضآلة حجم الغضب الذي عبّر عنه العرب في هذه الأحداث الخطيرة على العرب والعالم! لقد كان الأحرى بالكتاب العرب أن يتحدثوا عن أن خرق اتفاقيات جنيف في فلسطين والضرب عرض الحائط بكل قوانين الشرعة الدولية ودعم منطق الاغتيال والاستيطان يقود بالنتيجة إلى ممارسات أبو غريب التي قد تنتقل إلى أجزاء أخرى في العالم بما فيها بلد المنشأ!. الأمر الذي يصيب معظم مفكري العالم بالذعر والغضب والدعوة لفعل أشياء حقيقية تضمن بشكل أكيد عدم عودة هذه الممارسات وكشف واستئصال أمثالها في فلسطين وأفغانستان، فهل لنا أن نغضب أكثر وأن نعبّر عن غضبنا بالكلمة الجريئة الصادقة؟

 

17 May 2004