مسرحة العالم
د. بثينة شعبان
لا تمتلك وأنت تستمع إلى أخبار المسافرين في أعياد الميلاد ورأس السنة والذين تمّ
إيقاف رحلاتهم في لندن وباريس لأسباب أمنية بينما طارت طائرات أخرى في الوقت
المحدد من المطارين نفسهما إلى واشنطن ونيويورك بدون أدنى مشكلة، لا تمتلك إلا أن
تبتسم ساخراً من أحداث تبدو غير واقعية وغير قابلة للتصديق لولا أن الذين يخططون
لها يدّعون علماً لا تمتلكه ومعلومات ليست بحوزتك، ولكنّ ابتسامة السخرية هذه لا
تلبث أن تنقلب إلى حزن لأنك تسمع أو ترى أو تقرأ ما يذكّرك بأنك جزء من هذا العالم
وأنّ ما يحدث في أي مكان منه لا بدّ أن يؤثر فيك اليوم أو غداً أو بعد غد.
وتحاول الانتقال من مطار هيثرو إلى شارل ديغول ومن ثمّ إلى ما يحدث في جورجيا وفي
البرازيل لتعود إلى العراق وفلسطين والجولان لتدرك بعد ذلك أن مسرحة الحرب على
الإرهاب وصلت مرحلة خطيرة تطال حياة وحرية وحقوق الفرد في أي بقعة في العالم
ولأسباب مجهولة لا يتوجب الإفصاح عنها أو إعطاء مؤشرات عليها، حيث أن القاعدة
الناظمة لشنّ هذه الحرب هي أنك إذا اعتقدت أن شيئاً ما يمكن أن يحدث ولا تعرف ما
هو فيجب أن تضغط جميع أزرار الإنذار التي بحوزتك بحيث يظنّ تنظيم «القاعدة» أنك
تعرف أكثر مما تعرف بالفعل فيتراجعون عما خططوا له. والنتيجة هي فوضى تلفّ حياة
مواطنين عاديين في أي مكان. ولكن هل هذه سياسة حكيمة؟ ولماذا يوضع اللون البرتقالي
للخطر في أوقات معينة؟ وبقدرة قادر يظهر شريط على محطة فضائية ليبرّر كلّ إجراء
متخذ ويقنع العالم بأن كل الإجراءات ضرورية لدرء الخطر القادم من كهوف برهنت أنها
عصيّةٌ على كل تكنولوجيا العصر، وأنها قادرة على الاختفاء والظهور رغم أنّ الأقمار
الصناعية وأساليب البحث عن مطلوبين أصبحت علماً ذا تخصصات وفروع في الدول كلها وفي
الدولة العظمى الوحيدة في العالم بالذات؟! بلا شك أن هناك مشكلة إرهاب في العالم.
ولكن لنتوقف قليلاً ونرى ماذا يحلُّ بنا في كل مرّة يتمّ وضع اللون البرتقالي في
واشنطن وبالصدفة المحضة تتمكن تلك المحطة الفضائية الخارجة عن الكون من الحصول على
شريط وبثّ التهديدات المسطرة فيه دائماً.
في هذا التوقيت بالذات الذي اعتاد فيه العالم زيارة مدينة بيت لحم مهد السيد
المسيح عليه السلام، تبدأ عملية «المياه الراكدة» وهي ليست راكدة على الإطلاق
لترتكب جريمة أخرى بحقّ مدينة أثرية عريقة وبحقّ سكانها الذين تعرضوا لتنكيل وقتل
وطرد وتشريد بينما الأنظار تتجه إلى مطارات واشنطن ولندن وباريس حيث لم ولن يحدث
شيء عما يتحدثون عنه، ولكنّ ما حدث في نابلس مرّ بدون أن يذكر في الصحف والإذاعات
والمحطات الفضائية الغربية. ما حدث في نابلس هو أن جيش الاحتلال الإسرائيلي دمّر
حيّ القصبة الأثري التاريخي العريق بذريعة البحث عن ناشطين فلسطينيين «مطلوبين»
(والشعب الفلسطيني كله مطلوب) بينما استهدف «قناصة» إسرائيليون مواطنين عزّل
فقتلوا ثلاثة منهم في يوم واحد. وللتذكير فقط فقد تعرضت هذه المدينة التاريخية
لتدمير مماثل في اجتياح نيسان 2002 الذي طال الكنائس والمساجد والآثار التاريخية
إضافة إلى انتشال جثث سبعة أفراد من عائلة واحدة من تحت أنقاض منزل «قصر عبد
الهادي التاريخي»، واجبر سكان نابلس على المكوث في منازلهم كما اجبر مسافرو طائرة BA 223 على
الانتظار في مطار هيثرو، ولكنّ الفرق هو أن سكان نابلس شاهدوا بأم أعينهم من نوافذ
منازلهم تفجير سراديب ومنازل ومبان تاريخية بدون أن تصل أي معلومات عن هذا العمل
الإرهابي المشين إلى دوائر صنع القرار في أي عاصمة عربية. والفرق أيضاً هو أنّ
الركاب يسافرون على متن طائرة أخرى أو يمضون أياماً في لندن، أما حيّ القصبة
الأثري في نابلس فلن يعود، وأما الطفل أمجد بلال المصري وعمّار عرفات وروحي حازم
شومان ومحمد الدرة ومئات غيرهم من الأطفال الفلسطينيين الذين قتلهم الإسرائيليون
بدم بارد فلن يعودوا إلى الحياة.
في نهاية الاسبوع ارتكبت به إسرائيل مجزرةً إرهابية بشعة بحقّ مدينة تاريخية وهوية
حضارية للعرب قتل الإسرائيليون أيضاً بدم بارد عشرات المدنيين الفلسطينيين وجرحوا
واعتقلوا المئات من الفلسطينيين العزّل وأُبعدوا العشرات منهم خارج الضفة، كما
اعتقلوا زوجات المقاومين الفلسطينيين وأبناءهم وأشقاءهم وصدر قرار بمضاعفة عدد
المستوطنين في الجولان واستقدام ثمانية عشر ألف مستوطن يهودي من اثيوبيا لتوطينهم
في الأراضي السورية والفلسطينية المحتلة ولمواجهة ما تراه إسرائيل دوماً الخطر
الديمغرافي الذي يشير إلى أن عدد الفلسطينيين سيماثل عدد الإسرائيليين في نهاية
هذا العقد. بالإضافة إلى ذلك اقتلع مستوطنو بتسهار 700 شجرة زيتون لسكان قرية
عينبوس الفلسطينية وهدد الاحتلال أهالي قرية بدرس بالقتل والتهجير، كما صعّد
الكيان الصهيوني حملة منع ورود أحوال للشعب الفلسطيني الأسير فبدأوا بمنع وصول
الأموال إلى الزوجات والمشافي والمؤسسات الخيرية بحجة تحويلها إلى ناشطين ضمن
جهودهم لتحويل قضية اللاجئين من الأونروا إلى الهيئة العامة للاجئين كمقدمة
لتوطينهم في منافيهم وترسيخ احتلال أرضهم وديارهم ومقدساتهم.
إن سياسات إسرائيل بالتنكيل والقتل والتعذيب وإغلاق المدارس والجامعات في نابلس
ورفح ورام الله والخليل تستهدف دفع الفلسطينيين للهجرة وتشديد الخناق على متطلبات
حياتهم اليومية لدفعهم إلى اليأس والسفر، وإن ما يتم من توسيع الاستيطان وبناء
جدار الفصل العنصري يتمّ تحت غطاء حرب دعائية استهانت بعقول وهمم البشر واستثمرت
غياب الطرف المقابل الذي يمكن أن يفضح مسرحة مكافحة الإرهاب ووضع العالم في بوتقة
خوف بحيث لا وقت لأحد للتساؤل عن أسباب ودوافع وأهداف ما يجري.
ولكن ومع ذلك تساءل كتاب غربيون كثر عن هذا النظام العالمي الجديد الذي يقلق حياة
الناس العاديين في كل مكان ويسلبهم حقوقهم ويتدخل في شؤونهم وحياتهم بحجة حمايتهم
بحيث أصبحوا بحاجة إلى حماية من حماتهم. وعبرّ الكثيرون عن عجز قوة وحيدة في
العالم عن التوصل إلى صيغة مرضية للجميع، ولذلك اقترح الكثيرون أنه لا بدّ من
التنسيق الإقليمي والمحليّ ولا بدّ من إيجاد بنية أمنية إقليمية في كل منطقة في
العالم تساهم في النتيجة في خلق أمن دولي وعالمي. الجميع يعلم أن النظام العالمي
الذي عرفناه قد انهار ولكن نظاماً آخر لم يتشكل في مكانه وما زال المحتلّون
والمستوطنون والمستعمرون يستغلّون عدم نشوء أي نظام بديل ليدمّروا الهوية والتاريخ
ويستقدموا مستعمرين ويجعلوا من الاحتلال أمراً واقعاً.
واليوم لم يعد من المقبول للعرب في هذه المنطقة من العالم أن يتأملوا أو يفكروا أو
يحلموا أو يعقدوا المؤتمرات ويلقوا الكلمات، عليهم جميعاً أن يفعلوا شيئاً، كل على
مستواه، ومهما كان الفعل صغيراً، وهذا لا يمنع من التفكير الكوني أن نركّز على
تفاصيل ما يجري في العالم أجمع. وعلّ التوجه إلى تركيا وإيران كما يفعل السيد
الرئيس بشار الأسد هو الخطوة الأولى للتفكير والبناء إقليمياً ولجذب الانتباه إلى
ما يحدث هنا وإلى فعل ما يتوجب فعله هنا لأن الأضواء الساطعة في لندن وواشنطن
وباريس تشلّ البصر عما يحدث لنا في منطقتنا ولأجيالنا المستقبلية ولا بدّ من تسليط
الأضواء على تفاصيل معركتنا مع إرهاب الاحتلال وحرب الإبادة التي يتعرض لها شعبنا
وأبناؤنا وأهلنا في فلسطين والعراق والجولان. وماذا مثلاُ عن القيام بمبادرات
دولية كتسمية المرأة الفلسطينية الصامدة في وجه الاحتلال والعدوان والمدافعة عن
حقها وحق أبنائها في الحياة، امرأة العام؟ ماذا مثلاً عن تسمية فدوى البرغوثي التي
اعتقل زوجها واعتقل ابنها والتي حملت قضية المعتقلين إلى الإعلام العربي والأوروبي
امرأة العام 2003، كرمز لصمود المرأة الفلسطينية وكأسلوب لجذب الأنظار إلى مسرح
الحدث الحقيقي بعيداً عن مسرحة الأحداث من قبل مخططين لاستراتيجيات تهدّد حضارتنا
ووجودنا، وبذلك ننتقل من الحلم والتفكير والحديث الإنشائي إلى خطوات عملية ضرورية
للأمن العربي والهوية العربية والوجود العربي كما نعرفه ونعتز به ونفخر؟!
12 Jan. 2004