المخفي في السجون الأخرى في فلسطين والعراق أعظم

 

                                                                                 د. بثينة شعبان


أثارت الصور التي تمكّن أحد الجنود من تسريبها من سجن أبو غريب، اشمئزاز وإدانة العالم، وذلك لحجم الاستهانة بالكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان الأساسية، خاصة من قبل قوات ادعّت أنها مقبلة عبر المحيطات لإنقاذ العالم من أسلحة الدمار الشاملة غير الموجودة أساساً، ثم أدعت أنها جاءت لإنقاذ الشعب العراقي من الممارسات اللاإنسانية، ولمنحه «الحرية والديمقراطية». وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تسريب صور كهذه، فهناك آلاف الصور المماثلة التي يتداولها منذ أشهر الجنود وضباط الاحتلال والإعلاميون وناشطو حقوق الإنسان، لكنها المرة الأولى التي تصل فيها هذه الصور إلى الإعلام الأميركي، أو يبدي هذا الإعلام بالذات اهتماماً بها. ففي كانون الأول من العام الماضي، حين كنت في زيارة لواشنطن، تبادل بعض الناشطين في مجالات حقوق الإنسان رسائل الكترونية عن ممارسات ضد نساء عراقيات لا تقلّ شناعة و إجراماً، إلاّ أن أحداً لم يستطع إقناع المسؤولين عن هذه الملفات بإعطاء أذن صاغية لهذه التقارير. وها هو وزير الدفاع الأميركي، دونالد رامسفيلد، يعلن للعالم بأنه «لم يقرأ» تقرير الجيش عن جرائم جنوده وضباطه ضد الأسرى العراقيين في أبو غريب، وعلّه «لم يقرأ» أشياء أخرى كثيرة تعني الموت والمأساة للكثير من الأسر العراقية المعذبة تحت الاحتلال الذي قاده هو والإدارة الحاكمة اليوم في واشنطن، وهو من التعالي لدرجة أنه «لم يعتذر» لضحايا التعذيب الأميركي لأسرى الحرب الجارية منذ عام على العراقيين.


واللافت للنظر، هو أن الإدارة الأميركية سارعت للاهتمام بالموضوع، فقط بعد نشر الصور في الولايات المتحدة، وذلك بهدف احتواء انعكاساته على المستقبل السياسي لإدارة الرئيس بوش. فالعراقيون، وكل من يزور العراق، يعرفون احتقار الجنود الأميركيين لقيم وحياة العراقيين لأن حكومتهم منحتهم الحصانة من المحاسبة دولياً على أي جريمة يرتكبونها. والسؤال هو: ما هي الممارسات الأخرى التي لم يتم تسريبها للإعلام ولا يعلم أحد بها لحد الآن ويذهب ضحاياها الآلاف من دون أن يسمع الرأي العام العالمي بهم وينتصر لحقوقهم ويقف ضد عذاباتهم؟
السؤال يتعلق بآلاف الأسرى الذين لم تسجلهم سلطات الاحتلال في سجلاتها. السؤال يتعلق أيضاً بآلاف المدنيين الأبرياء من نساء وأطفال ورجال يقتلهم جنود الاحتلال و«المرتزقة الأجانب» الذين تجندهم سلطات الاحتلال من بين صفوف جيش الأبارتيد السابق، ومرتكبي المجازر في كوسوفو ومعتقل غوانتانامو، ومن العاملين في فرق الموت الإسرائيلية. أو يكون هذا هو السرّ وراء إصرار المسؤولين الأميركيين على تكرار مقولة «المتسللين الأجانب» في تصريحاتهم، ألا وهو التغطية على تجنيد السلطات الأميركية «للمرتزقة الأجانب» ليقوموا بالأعمال القذرة من تعذيب وتفجيرات ومجازر واغتصاب في العراق.


الرئيس الأميركي جورج بوش سارع للظهور على شاشات التلفزة العربية ليؤكد، بالتعالي المعروف عنه للعرب، أن هذه الممارسات الفردية «لا تعبر عن الجيش الأميركي»، مع أن المسؤول عن التعذيب قال:«لم يطلب مني أحد معاملة الأسرى بطريقة مختلفة»، أي أن هذه المعاملة هي الطبيعية بالنسبة له. لكن ظهور الرئيس الأميركي، الإعلامي، أتى للدفاع عن سمعة إدارته وليس تضامناً مع ضحايا التعذيب والمجازر، أو مع أسر وأهل ومجتمع الأسرى والمعذبين في العراق، إذ لم نسمع كلمة تعاطف أو اعتذار مع الضحايا وأسرهم، ولم نسمع وصف هذه الجرائم بجرائم حرب وإظهار مرتكبيها على الشاشات كمجرمي حرب، وإنزال أشد العقوبات بهم، بل تمّ الاكتفاء بنبرة متعالية بأن (الجلادين لا يعبرون عن أميركا) في حين اعتبر «المحافظون الجدد» منفذي اعتداء الحادي عشر من أيلول معبرين عن الإسلام والعرب والمسلمين. وبهذا فإن التعامل مع الحدث كان تعاملاً إعلامياً سطحياً يحاول احتواء الآثار السلبية لظهور الصور في الإعلام الأميركي، بدلاً من اتخاذ خطوات عملية تعبر عن رفض هذه الظاهرة الإجرامية التي هي بالتأكيد أشد انتشاراً وإيلاماً مما ظهر من هذا التسريب البسيط للصور، التي لا تشكل بالتأكيد سوى غيض من فيض مما يتعرض له العراقيون الرازحون تحت الاحتلال العسكري الأميركي من إذلال وإهانة وتعذيب وهدر للكرامة وحرمان من السيادة والحرية.


إن قراءة ما تسرب تؤكد خطورة الحظر الذي تفرضه قوات الاحتلال على النشاط الإعلامي في العراق، فلا أحد يعرف حقيقة المجازر المرتكبة في الفلوجة مثلاً، وكل ما يجري في مدن العراق الأخرى، الذي تحوّل منذ احتلاله إلى سجن كبير للعراقيين. كما لا نعلم على الإطلاق حجم المآسي والدمار الذي تعرض له أهل الفلوجة مثلاً نتيجة القصف الجوي للأحياء المدنية الآهلة بالسكان، ونتيجة أعمال القنص التي ارتكبها «المرتزقة الأجانب» المجندون من قبل سلطات بريمر، وهذا يؤكد مقولة خطيرة تثبت هذه الأحداث صحتها، وهي أن ارتكاب جرائم حرب بحق العرب في فلسطين والعراق مسموح به طالما أنها لا تتسرب إلى الإعلام، وحين يحدث خطأ ما ويتسرب شيء من ذلك يسارع الآخرون للتخفيف من حجم الضرر الذي قد يلحق بسمعة المرتكبين ويؤثر على مصداقيتهم، ويترافق ذلك مع إخفاء المرتكبين عن الإعلام وإبعادهم عن المحاسبة العلنية وعدم اعتذار أسيادهم عن الجرائم مهما عظمت.
والحقيقة الأخرى الخطيرة هي أن النظرة الدونية التي بدأت تروّج لها الإدارة الأميركية عن العرب والمسلمين، وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، والحملة العنصرية ضدّ الإسلام والمسلمين في أوروبا، والتعاليم العسكرية التي يتلقاها الجنود و«المرتزقة الأجانب» في العراق، تقود إلى مثل هذه الجرائم، التي تمثّل في جوهرها إذلالاً فظيعاً للكرامة الإنسانية لا يماثله سوى التشويه المتعمد لقيم الإسلام ولتاريخ العرب وثقافتهم، الذي يقوم به «المحافظون الجدد» ضمن آيديولوجية عدائية جديدة ينشرونها حالياً في الغرب.


إن التنكر لحقوق الإنسان والاستهانة بثقافة ودين وحضارة الشعوب، وتقويض الشرعية الدولية، وانتهاك القانون الدولي، والقضاء على عملية السلام، ودعم الاحتلال العسكري الأجنبي سواء في فلسطين أو العراق، تساهم كلها بشكل أساسي في إحلال شريعة الغاب وانعدام المقاييس الأخلاقية والقانونية، وانتشار النظرة الإزدرائية العنصرية تجاه العرب التي يروّج لها «العنصريون الجدد» في الغرب والإعلام الغربي. ولا شك أن كل هذا قاد ويقود إلى الممارسات المشينة لجنود الاحتلال الأميركي و«مرتزقتهم الأجانب» ضد أسرى الحرب الأميركية على العراق.


المسألة الحقيقية أخطر من هذا بكثير، وجوهرها هو حرب إبادة وتطهير عرقي يتم تنفيذها يومياً ضد الفلسطينيين العزّل على أرضهم، في الوقت الذي ينزف فيه العراق جراح الطمع بثرواته والاستهانة بحياة وكرامة شعبه، والنظرة العنصرية المعادية للعرب والإسلام، فهل يمكن لأصحاب القرار في واشنطن أن يسارعوا الى اتخاذ موقف قانوني وأخلاقي من الاحتلال والاستيطان والقتل قبل أن يتركوا إرثاً من الجريمة والعار للأجيال المقبلة، لا يمكن لكلّ فضائيات وصحف العالم تبييض صفحاته السود بعد فوات الأوان؟

 

10 May 2004