هكذا رأى عضو الكونغرس تفجيرات سورية

 

                                                                                 د. بثينة شعبان


لقد كان حجم الصدمة التي انتابتنا في دمشق الآمنة الجميلة، أقدم مدينة مأهولة باستمرار في التاريخ هائلاً، لم ينافسه سوى الصدمة التي تلقيتها حين سمعت عضوي كونغرس أمريكيين يعبران عن «شكوكهما» بأن الحادث الإرهابي الذي شهدته منطقة المزة في دمشق يوم الثلاثاء 27/4/2004 «قد يكون مدبّراً» من قبل الحكومة السورية «كي تكسب بعض التعاطف العالمي وتخفف من الضغوط الأمريكية عليها» !!؟! كما أن الناطق باسم الخارجية الأمريكية «رفض تسمية هذا العمل بالإرهاب» رغم استشهاد شرطي و امرأة !!


والرسالة الأمريكية واضحة لنا نحن العرب: إن حياة مواطن عربي لا تساوي حياة إنسان غربي ولا يستحق الإرهاب ضد العرب إدانة من الغرب بينما يُطلب إلى العرب إدانة أي انتهاك لحياة أي غربي في أي مكان!! ورغم ما يحتويه مثل هذا الموقف الآيديولوجي المدان من تناقض فإن عنصر المفاجأة الأكبر هو أن يقال «إن الحادث مدبّر من أجل أغراض وأهداف أخرى» لأن هذه المقولة تدفعنا إلى إعادة التفكير بكل ما كتبه وقاله العديد من الغربيين عن أن أحداث 11 أيلول كانت مدبرة وبكل الشكوك التي تثيرها التحقيقات التي ما زالت جارية في الولايات المتحدة نفسها بشأن مدبري أحداث الحادي عشر من أيلول وإصرار البعض على أن معلومات قد تسربت بهذا الصدد وأنه كان يمكن اتخاذ إجراءات لمنع هذه الأحداث من الوقوع.
وفي الوقت الذي لا يستطيع أحد أن يجزم ما إذا كانت أحداث الحادي عشر من أيلول مدبّرة أم لا، فإن نتائجها قد أتت بالوبال على العرب والمسلمين وفتحت الطريق لسياسات أمريكية جديدة في العالم بحيث نسفت هذه الأحداث كل ما سبقها وأصبحت مبرّراً لنهج سياسي جديد ضرب عرض الحائط بالشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة ومفهوم العدالة وحقوق الإنسان والشعوب في الكرامة والأمن والاستقرار. فباسم الحادي عشر من أيلول بدأت موجات العنف والإرهاب والحروب في العالم وبدأت حملة التضييق على الحريات بما في ذلك حرية الإعلام والرأي والتذرع بكل ما يراد فعله من قمع وقتل وتدمير وجرائم ومجازر بـ«مكافحة الإرهاب» في الوقت الذي نرى فيه أن هذه السياسات تشدّ من أزر الإرهاب والإرهابيين وتمكنّهم من الانتشار وحشد الطاقات واستقطاب الأجيال الشابة والذي بدوره يخلق مبرراً لسياسة «مكافحة الإرهاب» أن تحصل على التمويل والدعم وتبرّر استمرارها بكل الأثمان. والحقيقة هي أن اعتبار البعض لأحداث الحادي عشر من أيلول مفصلاً تاريخياً يبرّر كل ما يأتي بعده رغم تعرض العالم للإرهاب من قبل بأشكال مختلفة يُثير تساؤلاتٍ عديدةً حيث أن نتائجه السلبية تبدو منهجية ومدروسة وذات وجهة محدّدة الأهداف والمقاصد. فباسم «مكافحة الإرهاب» تمّ التخلي عن المرجعية الدولية ومرجعية مؤتمر مدريد للسلام والتي كانت أصلاً نتيجة مبادرة أمريكية استغرقت عشر سنوات من جهود حثيثة بغية التوصل إلى سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط. وكانت النتيجة التنكّر حتى للاتفاقات التي وُقعت في حديقة البيت الأبيض، كما تمّ نسف كل مرجعيات وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصراع العربي ـ الإسرائيلي وتمّ الربط القسري بين المقاومة المشروعة ضد الاحتلال والتي شرعتها كل الديانات والأخلاق والقوانين وبين الإرهاب العشوائي الطائش الناتج عن انحراف مرضي في النفس البشرية والأخلاق الإنسانية السليمة والمواقف السياسية والآيديولوجية المتطرفة.


وباسم «مكافحة الإرهاب» تمّ الإجهاز على حرية التعبير حتى في الدول التي تعتبر ـ نظريا ـ حرية التعبير إحدى أهم مظاهر الديمقراطية وها نحن نقرأ اليوم الدراسة تلو الأخرى عن استخدام الإعلام فقط لتبرير الأجندة السياسية للبيت الأبيض وقد كتب عشرات الصحفيين والكتاب، وآخرهم سوزان ميللر في صحيفة «لوس أنجلز تايمز» عن أن الإعلام الأمريكي عام 2002 اقتصر على تغطية وجهة نظر الإدارة الحاكمة وأنّ كل ما يُناقض ذلك قد دفع به إلى الصفحات الداخلية واعتبر هامشياً.
 كما أن ظاهرة قتل الصحفيين قد تفاقمت، وها هي الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على قناة «الجزيرة» الفضائية لأنها تغطي ما يحدث على الأرض فعلاً وتنشر أخبار المجازر التي تريد الإدارة إخفاءها. واستشهاد صحفيي قناة «العربية» بنار قوات أمريكية في العراق وعدم إدانة قتل وقمع الصحفيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة من قبل الجيش الإسرائيلي وعدم السماح بنقل أي رسالة صحفية إلا بعد أخذ موافقة الرقيب العسكري. والسماح فقط للصحفيين الذين يستمدون أخبارهم من القوات المحتلة بتغطية الأحداث في العراق، كل هذا يري أن «الإعلام الحرّ» كان أحد أهم ضحايا حملة «مكافحة الإرهاب» التي أعقبت أحداث الحادي عشر من أيلول بحيث يشهد العالم اليوم عودة أكيدة إلى أيام الحرب الباردة حيث كان الإعلام أداة للدولة وهذا ما كان محطّ انتقاد العالم الغربي آنذاك. كما يتمّ اليوم فتح إذاعات وقنوات فضائية للدعاية فقط للسياسات الحكومية بعينها كما تمّ اختيار أشخاص من مناطق في العالم على أساس ولائهم للأجندة السياسية التي يتم تصميمها بعيداً عن أوطانهم ومصالح شعوبهم، كما يتم بناء جدار فصل عنصري بعد سنوات من مكافحة الغرب جدار برلين ووضع الشعب الفلسطيني في كانتونات عنصرية لا ترى الشمس والضوء ولا تتمكن من العيش الحرّ الكريم بعد سنوات من انهيار الأبارتيد في جنوب أفريقيا، وكل ذلك ضمن خطط حكومية يمولها دافعو الضرائب بمباركة من الكونغرس. وباسم «مكافحة الإرهاب» أصبح من الخطر أن يقول المسلم «باسم الله الرحمن الرحيم» أو «السلام عليكم» في المدن الأوربية والأمريكية علماً بأن «السلام عليكم» تدعو للسلام وتدحض الإرهاب والفكر الإرهابي. وباسم «مكافحة الإرهاب» لا يتجرأ العربيّ اليوم أن يقرأ جريدة عربية في قطار أو باص في مدينة غربية لأنه قد يتلقى الشتيمة والتهمة بأنه إرهابي. وباسم «مكافحة الإرهاب» يصدرون الادعاءات الواهية عن أن الجوامع والأماكن المقدسة الجميلة تستخدم لتخزين السلاح وإيواء الإرهابيين لتبرير ضرب أعزّ وأهم مقدساتنا في محاولة لإذلال المسلمين وإدخال اليأس إلى قلوبهم. وباسم «مكافحة الإرهاب» يتم الاعتراف بالاستيطان بأنه أمر واقع ويتم ابتلاع حقوق شعب تمّ تهجيره تحت تهديد السلاح وتمّ اغتصاب أرضه وتراثه وثرواته ومقدراته، وباسم «مكافحة الإرهاب» نرى على شاشات التلفزة ألواناً خضراء وصفراء تدل على قيام طائرات عسكرية بقصف مناطق مدنية مأهولة بالسكان وتسبب الموت والإعاقة والمآسي التي يندى لها جبين وتاريخ مرتكبيها. ومع كل ذلك هل يحق للبعض التفكير بأن كلّ ما جرى مدبّر ويهدف لأن يقود العالم إلى شريعة الغاب من جديد. هل يحق للبعض إذاً أن يقول عن أحداث الحادي عشر من أيلول بأنها مدبرة من قبل جماعات «المحافظين الجدد» لإحكام سيطرتهم على الولايات المتحدة وعلى العالم، بالضبط كما قال عضوا الكونغرس حول العملية الإرهابية في شوارع دمشق؟ هل المطلوب إعادة التفكير بما أثاره الكثيرون من التساؤلات وهناك كتب ومقالات عديدة تشكك بمدبري أحداث الحادي عشر من أيلول، وما ذهبت إليه لجنة التحقيق الأمريكية في أحداث الحادي عشر من أيلول يراه البعض دليلاً على أنه من الممكن أن تكون تلك الأحداث مدبّرة من قبل «المحافظين الجدد» أو من يريد أن يوصل العالم إلى الوضع الكارثي الذي وصل إليه بغية تكريس الاحتلال وقضم الأراضي وتثبيت شرعية العنف والحروب والإرهاب وسرقة ثروات الشعوب وماضيها وحضارتها وهويتها واستقلالها وكرامتها باسم «مكافحة الإرهاب».


ولذلك لا عجب أن نرى الإرهاب ينتشر اليوم في كل مكان، إذ قد يكون هذا هو أيضاً أحد الأهداف المبتغاة والمرسومة بتدبير دقيق على أيدي أناس ومؤسسات لديها أكداس هائلة من الأموال والخبرات والآيديولوجيات المعادية لكل ما هو عربي أو مسلم. ولا غرابة إذاً عندما يهلل الرسميون في الغرب لمقتل المدنيين العرب وللمجازر التي ترتكب ضد الأطفال والنساء العرب ويعتبرونها «دفاعاً عن النفس»، ولا غرابة أيضاً عندما يمتنع الرسميون في الغرب عن إدانة الإرهاب عندما تكون ضحاياه من المدنيين العرب والمسلمين إن كانوا في دمشق، أو غزة، أو كربلاء، أو الدار البيضاء، أو الرياض أو جنين أو الفلوجة. فالمهم كما يبدو لمدبري الأحداث التي أطلقت حملة «مكافحة الإرهاب» أن يكون ضحايا الإرهاب والعنف والحروب من المدنيين العرب والمسلمين، وإلاّ فإنها ستصبح مدانة حتماً وعلى لسان رؤسائهم■

3 May 2004