كاتير بيلار... بانتظار دفاع العرب عن أنفسهم
د. بثينة شعبان
كان للخبر الذي صدر عن إدارة شركة كاتير بيلار للبلدوزرات بأنها تناقش مسألة وقف تصدير منتجاتها إلى إسرائيل في اجتماعها المقبل، آثار متضاربة في نفسي. فقد سعدت جداً بأن الشركة التي تشاهد استخدام آلياتها من قبل الإسرائيليين لتدمير بيوت فلسطينية آمنة وتشريد أهلها، قد تحرك ضميرها الأخلاقي والإنساني ولو بعد سنين، لتناقش على الأقل وقف التصدير. كما أنّ هذا الخبر أحزنني لأنه أشار بطريقة غير مباشرة لخطورة الصمت العربي وغياب أي فاعلية حقيقية لكل التحركات والاجتماعات والفضائيات العربية، سواء بمطالبة العالم بمقاطعة إسرائيل أو باتخاذ فعل حاسم وحازم، أولاً بمقاطعة إسرائيل مقاطعة تامة وكاملة لا لبس فيها، ومطالبة الشركات العالمية بمقاطعة إسرائيل إلى أن تتوقف عن ارتكاب الجرائم التي ترتكبها يومياً بحق الفلسطينيين والعرب، هذه الجرائم التي يتم تسويقها للإنسان الغربي إعلامياً بأنها «دفاع عن النفس» أو «محاربة للإرهاب»، من دون أن يجد المشاهد الغربي مرجعية حقيقية بديلة أو تفسيراً مقابلاً يدحض الحجج الإسرائيلية، ويشير إلى حقيقة ما يجري في المنطقة العربية من عدوان إسرائيلي متواصل، ومجازر يندى لها جبين البشرية، وعنصرية يتعرض لها العرب في فلسطين، يسجله التاريخ عاراً على كل الحكومات والسياسيين والإعلاميين في الدول «المتحضرة» و«الديمقراطية» التي تؤيد إما صمتاً أو جهراً الوحشية والعنصرية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين. إن ما يحدث في هذا الوطن العربي اليوم ليس فقط الجرائم التي ترتكب بحق العرب سواء في فلسطين أو القتل العشوائي للمدنيين والسجناء والأطفال والنساء في العراق، وليس فقط الإذلال والامتهان للكرامة العربية، ولكنّ ما يحدث اليوم هو الاختراقات في صفوف العرب، واقتناع بعضهم بأن أحداَ لا يراهم بهويتهم القطرية أو الشخصية، أو أنّ الغرب يفرّق بين عربي وآخر في التقييم، وما يحدث اليوم هو تشتت الرؤية والصوت وانكسار العزيمة نتيجة كل هذه العوامل مجتمعة. إن ما يبحث عنه الغرب اليوم في كل أنحائه هو القراءة العربية لما يجري في الأرض العربية، والرؤية العربية لما يجب أن يجري والتفسير العربي للأحداث. ويمكن لأي عربي أن يلحظ المرحلة الجديدة التي وصلتها أوروبا على الأقل من خلال الإقبال الإعلامي والسياسي على الزائرين العرب إلى العواصم الغربية، كي يقدّموا للجمهور الغربي الذي هو في حيرة من أمره قراءة لما يجري على الساحة العربية. فمنذ سنوات قليلة فقط لم يكن من السهل على مسؤول عربي أن يخاطب وسائل الإعلام الأساسية وقنوات التلفزة الكبرى، أما اليوم فإن هذه الوسائل والقنوات تبحث عن ضيف عربي متحدث كي يعبّر عن رؤيته لجمهور غربي مشوّش جداً حيال ما يجري في المنطقة العربية، خاصةً ما يتعلق بما يسمى «الحرب ضد الإرهاب» وعلاقتها بما يجري في فلسطين والعراق، وحيال وعد بوش بدعم شارون في سياسة الاغتيالات والقتل والتدمير، والانسحاب من غزة مقابل الاستيطان في الضفة الغربية، وحرمان اللاجئين الفلسطينيين من حقهم بالعودة إلى وطنهم فلسطين. وهناك تعطش في الغرب لمعرفة الموقف العربي الرسمي والشعبي من كل هذه الأمور مجتمعة.
لقد فوجئت خلال وجودي في ألمانيا لمتابعة العمل الاغترابي بمدى الاهتمام الإعلامي
الغربي بالقضايا العربية وسعيه للتعرف على وجهة نظر عربية لتفسير حقيقة ما يجري في
المنطقة العربية. وقد عبر الكثيرون عن قلقهم حيال الأحداث وما يمكن أن تؤدي له،
خاصة أن هناك تأثيرا متبادلا للأحداث في المنطقتين العربية والأوروبية، وقد ارتبطت
المنطقتان حضارياً وسياسياً عبر التاريخ، واليوم مع الحملات التي يشنها الصهاينة
على المسلمين في أوروبا كما في الولايات المتحدة لوضعهم جميعاً في خانة الاتهام
بالإرهاب، ومع قسوة ما يجري في المنطقة العربية من احتلال ومجازر وقتل ودمار
وتشريد، ومع الانتهاكات التي تتعرض لها المرجعية والقوانين والشرعة الدولية وأبسط
حقوق الإنسان من قبل المحتلين، يشعر الكثيرون في العالم الغربي أنهم يحتاجون إلى
صوت عربي واضح يخبرهم عن حقيقة مشاعر العرب ومواقفهم. نقطة الخلل الأساسية هي أن العرب
يخاطبون الغرب بمنظور قطري بحيث تختلف رؤية بلد عن الآخر وموقف سياسي عن الآخر،
بينما التعبير السائد على كل لسان في الغرب هو «ما هو رأي العرب والمسلمين»، وما
هو «موقف العرب والمسلمين». علّ هذا الحال هو الذي يفسر قرار معرض فرانكفورت
للكتاب باعتبار الكتاب العربيّ هو ضيف شرف المعرض لهذا العام. إن هذا القرار ذو
دلالات كبيرة تعبّر عن التوق الحقيقي لدى العالم الغربي لأن يتعرف بشكل مباشر على
العالم العربي، وأن يقرأ عن العرب والمسلمين ما كتبوه عن أنفسهم لا ما كتبه
الآخرون عنهم. كما أن قرار مدرسة إيتون، وهي أعرق وأهم مدارس بريطانيا على الإطلاق
والتي يتخرج فيها أغلب العاملين في مجال السياسة والإعلام في المملكة المتحدة،
بتعيين شيخ مسلم في المدرسة ليدّرس الطلاب الإسلام، إنما هو محاولة هامة أيضاً
لتدريس الطلاب تعاليم وقيم الإسلام من مصدر مسلم بعيداً عن حملات التشويه المغرضة
التي يعمد الآخرون الى إثارتها. ويزيد من خطورتها العجز العربي والإسلامي لتوضيح
الصورة الحقيقية للإسلام، ووضع النقاط على الحروف وشرح الأخلاق الإسلامية السمحة
والحضارة العربية لغرب انتقل من تاريخ استشراقي مغرض إلى حملات صهيونية سياسية
وإعلامية مركزة هدفها النيل من حقوق العرب وحضارتهم وتاريخهم. لم يعد من الممكن للعرب اليوم أن
يتأخروا في توحيد صوتهم والتوجه إلى العالم برؤية واحدة ومرجعية واحدة عن الحق
العربي، وهناك آلاف الطرق الناجعة والسريعة والتي يمكن أن تأتي بأفضل النتائج
الممكنة وفي أسرع وقت ممكن. ومسؤولية هذا التحرك تقع على المفكرين والمثقفين
والمنظمات الأهلية والشخصيات الاعتبارية كما تقع على الحكومات وقادتها وأجهزتها
السياسية والإعلامية والثقافية. إن الفرصة سانحة جداً لفصل مفهوم «المقاومة» عن «الإرهاب»، وفصل
حقيقة العرب والمسلمين عن الصور المغلوطة التي يتم تقديمها عنهم وباسمهم بما يدعم
كرامة الجميع وحقوقهم ومكانتهم بين الأمم■
26 April 2004