أزمة الرهائن العرب

 

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

بعد أن تم لف «أسلحة الدمار الشامل العراقية» بغياهب النسيان، وبعد أن تم تحويل الحرب الأميركية رسمياً من حرب على «النظام العراقي» إلى حرب ضروس على العراقيين، والتي بدأت باعتقال وأسر وتعذيب وقتل الآلاف منهم وتهديم بيوتهم وقصفها بأحدث الطائرات والمدافع والقنابل، وفي خضم المجازر المروعة التي ارتكبت بحقّ المدنيين العزّل في الفلوجة والكوت والناصرية وكربلاء والكوفة وبعقوبة.. والتي يذهب ضحيتها يومياً مئات الأطفال والنساء والرجال وتلحق إعاقات دائمة بالآلاف منهم ودماراً لكل مظاهر الحياة المدنية تذكرنا بـ«سبرينيتشا»، ظهرت أزمة «اختطاف الرهائن الأجانب» في العراق، وانشغلت وسائل الإعلام العربية والأجنيبة بالثلاثة اليابانيين والإيطاليين وغيرهم، وظهرت عوائل هؤلاء باكية أو غاضبة أو متلقيّة للمواساة والدعم من الآخرين، وعرفنا قصة الخطيبة المفجوعة والأمّ المنكوبة والإخوة الذين يشغلهم الانتظار والقلق والتوجس من الأخطار على صحة أحبائهم.


وفي الوقت الذي تعاطف فيه العرب مع كلّ منهم في مأساته الإنسانية هذه، الناجمة عن احتلال العراق وقتل أبنائه وتدمير مدنه، فإن الذاكرة العربية لن تنسى وبألم لا يطاق الطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي ظل الجنود الإسرائيليون يطلقون عليه النار أمام الكاميرات حتى قتلوه وهو يحتمي بجسد والده. ولا يمكننا أن ننسى الطفل العراقي عليّ ذي العينين الجميلتين والأعوام الثلاثة وهو يستلقي في فراشه مبتور اليدين والرجلين لا يعلم ماذا حصل له ولماذا ؟! ولا يتمكن من النهوض والركض كما كان يركض ويلهو منذ أيام قبل أن تصل إلى عقر داره قذيفة أميركية ألقيت على حيّ سكني فقتلت من قتلت من الأسر والنساء والأطفال، وسببت إعاقات دائمة كانت الشهادة أرحم منها بكثير.
 وفي خضم كل هذا القتل والدمار والاختطاف والأسر تساءلت: لماذا لا نسمع ضجة إعلامية غربية مماثلة حول الضحايا العرب الذين سقطوا ويسقطون يومياً قتلى وجرحى وأسرى ومُختطفين، وحول ملايين «الرهائن العرب» في فلسطين والعراق؟ فقد أصبح الشعب الفلسطيني برمته طوال قرن رهينة للاحتلال ولسياسات شارون التي تغتال وتقتل وتأسر وتهدم وتقضم الأرض وتبني المستوطنات. ومن ثمّ تحصل على مباركة الولايات المتحدة لكل ما تفعله لأنّ ضحايا القتل والأسر والدمار ليسوا غربيين وإنما عرب!! ولماذا لا تثار ضجة كبرى حول العشرين مليون عراقي الذين أصبحوا «رهائن» للعنف والفوضى وانعدام الأمن وأصبحت مدنهم وقراهم ومقدساتهم رهينة عصابات مأجورة من المرتزقة لا تخضع لقانون في أي مكان ولا يسمح لها بالعمل في البلدان التي تدفع لها أجورها لأنها تشكل خرقاً فاضحاً للقانون الدولي والأخلاقي والإنساني معاً.


وهنا أطالب اعلامنا العربي أولاً والغربي ثانياً، بالتفكير جدياً بأزمة الرهائن العرب كما يفكرون دائماً بأزمة أي رهينة أجنبية في أي زمان ومكان. إنّ المعايير المزدوجة التي يطبقها السياسيون والإعلاميون على الأجانب والعرب تري على أرض الواقع أن حياة الأجنبي ذات قيمة كبرى أمّا حياة العربي والمسلم فلا قيمة لها بنظرهم، وإلا، كيف لم نسمع تلك الضجة حول ستة وأربعين طفلاً تحت سنّ الخامسة قتلوا في الفلوجة، وأكثر من مائة وست وأربعين امرأة قتلن بنار القناصة من المرتزقة، بالإضافة إلى مئات العوائل التي دفنت تحت أنقاض بيوتها ومساجدها، حيث بدا الملعب البلدي مقبرة جماعية، وحيث بدا أبو علي مع ابنه عليّ الذي فقد يديه ورجليه يلخص بتعابيره الحزينة مأساة العالم العربي الذي تُغتصب أرضه ويُقتل أهله ومن ثمّ يتم تشريع ذلك والمصادقة عليه بذريعة أنه من غير الواقعي أن نفكر بطريقة أُخرى اليوم، وبذريعة أن الأمر الهام اليوم هو أمن إسرائيل، ولكن ماذا عن أمن الفلسطينيين في فلسطين والسوريين في الجولان واللبنانيين في شبعا والعراقيين في العراق؟
لقد تحدثت مقالات في الصحف الأجنبية عن آثار قرار الرئيس بوش الأخير بالموافقة على كل ما أراده شارون من الاستيطان في الضفة وبناء جدار الفصل العنصري وقضم أخصب أراضي الضفة وعزل سكانها عن أرضهم ومدارسهم وعدم الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بالعودة، ولكنّ أحداً لم يتحدث عن آثار كلّ هذا على الشعب الفلسطيني، بل تحدثوا عن آثار كلّ ما تقدم على حملة الرئيس بوش الانتخابية وما إذا كان هذا القرار سيضمن له بعض الأصوات في سباق على الرئاسة يبدو متقارباً. ولم يناقض المرشح كيري قرار الرئيس بوش كي لا يخسر هو الآخر أصوات اللوبي اليهودي، وبهذا يصبح الملايين من الشعب الفلسطيني «رهائن» لانتخابات أميركية لا علاقة لمفرزاتها بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ولا حتى بمبادرة الولايات المتحدة نفسها في عهد الرئيس بوش الأب ومرجعية مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام. وقد صرح استراتيجيو الرئيس بوش بأن هذا القرار بالتخلي عن عملية السلام وعن حقوق العرب في أرضهم ومياههم قد يكون له انعكاسات إيجابية على حملة بوش عام 2004 ، وقد يعني هذا القرار «الفرق بين خسارة أو كسب فلوريدا وقد يعني هذا القرار وضع حدّ لحملة كيري لجمع التبرعات من الجالية اليهودية»، كما قال أحدهم إن هذا التغيير في السياسة الأميركية «قد يحدث ردة فعل إيجابية بين الناخبين الذين لم يصوتوا في الماضي لصالح الجمهوريين».


في الوقت الذي يتحدث فيه العرب عن حقوق وقانون دولي وأخلاق في السياسة يحسب الآخرون أثر بيع ما لا يملكونه من حقوق تاريخية للشعوب في أرضها وديارها وحقها في العودة وحقها في إنهاء الاحتلال لأراضيها على كسب بضعة أصوات انتخابية قد تأتي بالفوز لأحدهم وتلحق الهزيمة بالآخر لفـترة رئاسية تمتد لـثلاث أو أربع سنوات. أو هذه هي الأسس الديمقراطية وحقوق الإنسان والإيمان بالحرية التي «عهد الله بها للولايات المتحدة أن تنشرها في العالم» كما قال الرئيس بوش. إن ثوابت السياسة الأميركية ذاتها لا تعترف بالاحتلال و لا بضم الأراضـي وتعتبر «المستوطنات عقبة في طريق السلام» كما أنّ المبادرة الأميركية للشرق الأوسط والتي أطلقها الرئيس بوش الأب تتناقض بشكل صارخ مع كلّ مستجدات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فهل يمكن أن تكون الانتخابات الرئاسية أو حتى ضمان الفوز بها مبرراً للتنكر لأبسط حقوق الإنسان بالعيش بحرية وكرامة على أرضه وفي وطنه والتنكر لحـقوق من تمّ تهجيرهم واغتصاب أرضهم وحقوقهم والاستيطان في ديارهم؟ والجواب نعم عندما يكون الضحايا عربا وحسب!
لا شك أن نظرة متأنية لما يجري في المنطقة العربية اليوم تُري أن العراق وفلسطين أصبحا رهينتي تجاذب السياسة العالمية الانتخابية وادعاءات محاربة الإرهاب والتي أطلقت العنان لمنطق العنف قوة السلاح في السياسة الدولية. ولكن مهما كان حجم الصدمة التي يشعر بها العرب اليوم بعد قرار بوش الأخير، والذي يشبه إلى حدّ بعيد وعد بلفور إذ يتبرع للآخرين بحقوق ليست ملكا له، وبأراض ليست أرضه، فإن من المهم ألا يشعر العرب اليوم بأنهم رهائن لهذه السياسات والقرارات،
 وأن يبقوا الإيمان نابضاً في قلوبهم بحقوقهم المشروعة في أرضـهم وتاريخهم ومستقبلهم، وكي يحرروا أنفسهم وأجيالهم المستقبلية من عشوائية التحكم الظالم بمصائرهم. لا بدّ للعرب من وقفة حاسمة مع أنفسهم لتوحيد الكلمة ورصّ الصفوف والتوجه إلى العالم بصوت قوي يليق بتطلعات وطموحات وتوقعات أمة عانت منذ قرون الويلات والحروب من الغرب ولكنها مصرّة على البقاء والحياة. و لا بدّ من أن نحرر أنفسنا أولاً وقبل كل شيء من الخوف، الخوف من الآخر والخوف من السكوت عن الخطأ أينما كان، ولنؤمن أنه لا يمكن لأحد أن يغتصب الحقوق المشروعة للشعوب إذا قررت هذه الشعوب التمسك بحقوقها والدفاع عنها مهما كلفها ذلك من جهد وتضحية ومعاناة ومهما طال الزمن فلن يموت حقٌ وراءه مطالب■



19 April 2004