متى تخرج أميركا من الكهف الإسرائيلي ليرتاح الجميع

 

                                                                                 د. بثينة شعبان


انتابتني وأنا استمع إلى الشهادة التي أدلت بها كونداليزا رايس، أمام اللجنة الوطنية المستقلة، حول الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في أيلول 2001، مشاعر مختلفة ومتناقضة، وازدادت حدة التناقض هذه، عندما حاولت أن أقارن بين النيات التي عبّرت عنها مستشارة الأمن القومي ونتائج القرارات التي اتخذت على أرض العراق وفلسطين والعالم. وتساءلتُ أين يكمن الخطأ، حيث قالت رايس: إنني أسأل نفسي مراتٍ عدة، ما إذا كان يمكن لنا أن نفعل أكثر مما فعلنا، لأنني أديت القسم أن أحمي وأصون بلادي.
                            
قلت، في ضميري، لا شك في أنها تعني ما تقول، ولكنّ سمعة الولايات المتحدة ومصداقيتها تراجعت أو تدهورت في المنطقة العربية. كما أن الأخطار على كلّ ما هو أميركي قد تضاعفت. هذا إذا أغفلنا كم سبّبت هذه السياسات من سفك لحياة عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء في العراق وفلسطين، بحيث قاربت من رؤية العرب والأميركيين، ضحايا لسياسات أميركية لا يعلم أحد، حتى الشعب الأميركي، دوافعها ومصادر معلوماتها وأهدافها.
                                
لقد أكدت رايس، أن التقارير التي وصلتهم كانت غامضة. وتحدثت عن ضربات مقبلة، ولكنها لم تحدد أين ومتى وكيف، وأن مئات التقارير التي شكلت سيلاً من المعلومات جعلت من الصعب اتخاذ قرار بتحديد ما هو ذو مغزى وما هو غير ذي مغزى.
لكن، حين وجّه لي هاميلتون السؤال لرايس، انتظرتُ جوابها بفارغ الصبر، لأنه السؤال الذي يسأله الأميركيون والمسلمون على حد سواء، حيث سألها هاميلتون أن هناك حوالي ملياري مسلم، وهم أناس جيدون، بعضهم لا يحبنا، وبعضهم يكرهنا، وبعضهم لا يحب آثار «المدنية» على ثقافته، وبعضهم لا يحب سياسات الولايات المتحدة ولا معاملة حكوماتهم لهم، وأنا أسألك، كيف نصل إلى صلب المشكلة؟ كيف نعالج النقمة التي تجتاح غالبية العالم الإسلامي؟
              
وقد عبّر جواب رايس عن أنّ الإدارة الأميركية عجزت، عن قصد أو غير قصد، عن تفهم جوهر المشكلة، ولذلك يأتي العلاج الذي تصفه الإدارة وتتبناه، ليزيد المشكلة تفاقماً وليزيد آثارها كارثية على العرب والمسلمين من جهة، وعلى الأميركيين من جهة أخرى.
                                   
لقد قالت رايس إنها تعتقد بقوّة، كما يعتقد الرئيس حازماً «أن هذا هو تحدّي العصر، وإن المشكلة التي ذكرها هاميلتون يجب معالجتها، ولكننا لن ننجح في ذلك في القريب العاجل».
 وبعد أن أكدت أن إحدى أصعب المشاكل في المنطقة العربية، هي أن اسم الولايات المتحدة ارتبط لعقود بسياسة لا تهتم بالحريات الفردية ولا بالحرية السياسية قالت: «أعتقد أن هذا سبّب لنا غربة عن سكان الشرق الأوسط (العرب). وقد قال الرئيس بوش، في لندن، إن هذا لن يكون بعد الآن موقف الولايات المتحدة، وإننا سوف ننخرط مع هؤلاء الذين يريدون شرق أوسط مختلف. وأعتقد أننا نستجيب بذلك لتيارات في الشرق الأوسط. هناك تيارات إصلاحية في بلدان مثل البحرين والأردن. وأخيرا كان هناك مؤتمر ممتاز في الإسكندرية، حيث كان الإصلاح على جدول الأعمال. سوف تكون هذه عملية بطيئة لأن بناء الديمقراطية صعب ولا يأتي بسهولة». وأضافت رايس: «لكن، إذا كانت الولايات المتحدة متمسكة بقيمها في سياستها الخارجية، فسوف يكون أداؤنا أفضل مما هو عليه إذا تخلينا عن قيمنا، ولذلك أعتقد سيكون الأمر صعباً وسيستغرق وقتاً». ثمّ تحدثت رايس عن الإصلاح الثقافي، واختتمت بالقول: «على المدى الطويل، أعتقد أننا سنغيّر طبيعة الشرق الأوسط، وخاصةً إذا كانت هناك نماذج. إن مثل هذا التغيير يمكن أن ينجح في الشرق الأوسط». يكاد المرء لا يصدّق أن هذه هي شهادة مستشارة الأمن القومي لدولة عظمى تتحكم بمصائر شعوبنا، وتنزل سياساتها المآسي يومياً بمئات الأسر في فلسطين والعراق، نتيجة إما مصادر معلومات خاطئة ومغرضة، وإما نتيجة قراءة خاطئة تماماً لكلّ ما يدور في العالمين العربي والإسلامي. وجواباً على سؤال هاميلتون، أستطيع أن أقول إن المسلمين لا يكرهون أحداً، ولكنّ سياسات الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وضعت جميع العرب والمسلمين في قفص المتهم، ووقفت حائلاً في مجلس الأمن ضد إدانة قتلهم وتشريدهم. وزودت عدوهم بالآلة العسكرية والتغطية السياسية لجرائم وحشية مدانة من قبل كل القيم البشرية. إن الإدارة الأميركية، ولأسباب آيديولوجية، ترفض أن تعترف بأن جوهر المشكلة هو دعمها المتواصل للاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وقتل الأطفال والمدنيين العرب، وجرف أشجارهم وهدم بيوتهم. وهذا الاحتلال والجرائم اليومية المرتبطة به تموّله الولايات المتحدة. وهي تستخدم الفيتو لتحمي شارون وعصابته من القتلة. وإذا كانت رايس تقول: «إننا لعقود لم نفكّر بالحريات والديمقراطيات»، فإني أحبّ أن أشير فقط، الى أنه في عام 1991، شاركت كلّ الدول العربية مع الولايات المتحدة في حرب لتحرير الكويت. ثم انطلقت كلّ الدول المعنية بالصراع العربي - الإسرائيلي إلى مدريد، برعاية الولايات المتحدة. واستمرّ العمل لسنوات من أجل حلّ هذا الصراع، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة.
أما سعادة الدكتورة رايس «بظهور تيارات إصلاحية أيدها الرئيس بوش في خطابه» فواقع الحال، هو أن هذه المنطقة شهدت الإصلاحيين والمصلحين من القادة والمثقفين الذين يكافحون منذ قرون من أجل حرية أوطانهم ومواطنيهم، وفي سبيل الإصلاح والتطوير. وليس جديداً على المنطقة ظهور الحركات الإصلاحية التي يقودها المثقفون العرب، فهذا جزء أساسي من الثقافة العربية وهويتها. أما «سعادتها بمؤتمر الإسكندرية»، فهي تعبير عن توجّه في السياسة الأميركية الحديثة، الذي هو جزء أساسي من المشكلة، ألا وهو دعم الموالين لسياسة وتوجهات الحكومات الأميركية في المنطقة.
ولا تنبع الصعوبة من واقع فعلي على الأرض، ولكنها تنبع من انغلاق السياسة الأميركية داخل الكهف الإسرائيلي المعتم، ورفض الإدارة الأميركية الخروج إلى نور الحقيقة، وبالتالي وقوعها في عمى سياسي عن جوهر المشكلة التي تواجهها، ألا وهي الاحتلال الإسرائيلي الدموي للأراضي العربية. أما جملتها الأخيرة التي قالت فيها إنهم «يريدون تغيير طبيعة الشرق الأوسط»، فهذا ناجم بالضبط عن تعاميها عن جوهر المشكلة بين العرب والمسلمين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، حيث تنصبّ جهود الولايات المتحدة، ليس على تحقيق الحرية للفلسطينيين والعراقيين، بل على تغيير المناهج والتفكير والقيم والهوية، بما يناسب النظرة الإسرائيلية، التي تلف بمعلوماتها المغلوطة التوجهات الأميركية، والتي تسعى دوماً إلى تعميق الفجوة بين الولايات المتحدة والعرب والمسلمين، وبالتالي توجيه السياسة الأميركية بعيداً عن جذر المشكلة الحقيقة في المنطقة.
حين يقول وزير خارجية الولايات المتحدة، إن معلوماته عن «المختبرات النقّالة كانت خاطئة»، وحين تقول مستشارة الأمن القومي «إن التقارير التي وصلتهم تحدثت كثيراً عن ضربات من دون تحديد متى وكيف ومن»، وحين يطلق سراح بريطانيين احتجزوا لسنوات في غوانتانامو على أساس أنهم إرهابيون، ومن ثم يكتشف أنهم بريئون، وحين تقيل الإدارة الأميركية مسؤولين أميركيين أمنيين في العراق مرتين، لأنهم يقولون حقيقة مشاعر الناس الغاضبة، ويحذرّون مما هو مقبل، أو لا يستدعي كل هذا من القوة العظمى أن تعيد النظر بمصادر معلوماتها، وبمن يدخلها في ورطة تلو الأخرى في الشرق الأوسط؟ أو لا يستدعي هذا أن تعطي الولايات المتحدة أُذناً صاغية لمن قال لها قبل الحرب على العراق «لا توجد أسلحة دمار شامل في العراق، وليس في مصلحتها شن الحرب على العراق، ولن تؤدي هذه الحرب إلاّ إلى فقدان الولايات المتحدة هيبتها ومصداقيتها في العالم؟». ليس في مصلحة أحد أن تستمر الولايات المتحدة في هذه السياسة التي تتناقض مع كل القيم التي من المفترض أن تمثلها، والتي تدخل أميركا والعالم على حد سواء في دوامة فوضى عارمة من العنف الدموي والإرهاب الوحشي والكراهية بين الشعوب، وهي فوضى تخدم سياسة الاحتلال وحسب■

 

12 Apr. 2004