ضعف إسرائيل و قوة العرب

 

                                                                                                                                                          د. بثينة شعبان


لا شك أن قيام قادة إسرائيل بوضع مخطط رسمي معلن لاغتيال الشيخ أحمد ياسين والآلاف من أبناء شعبه، يمثل أدنى درك للهمجية في القرن الحالي. فهو وفق أي اعتبار يمثل خرقاً لكل الأعراف والمواثيق والأخلاق الإنسانية، الدولية منها والدينية. وهو عمل إرهابي تم التخطيط له بدم بارد من قبل مجلس وزراء خصص جلسته لمناقشة عمليات اغتيال، بالضبط، كما يفعل المجرمون المحترفون في عصابات المافيا، فجسّد بذلك إرهاب الدولة المنظم التي يخطط قادتها لعملياتهم الإرهابية مستهدفين مدنيين يعيشون على أرضهم وفي ديارهم. ويهدف الإرهاب الإسرائيلي كأي إرهاب ترويع المدنيين العرب من أجل اجتثاثهم من ديارهم، واغتصاب أرضهم وممتلكاتهم. ورغم بشاعة العملية الإرهابية ضد شيخ عاجز طاعن في السن، كان يؤدي الصلاة بأمان الله، سلاحه الفكر والإيمان بقوة حق الشعب الفلسطيني بأرضه ودولته الوطنية، فإن ردود فعل الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية دلت على المستوى المتدهور إنسانيا وأخلاقياً وسياسياً ودولياً لما تدعيه هذه الدول من مكافحة الإرهاب. والأكثر من هذا هو أن الولايات المتحدة قد استخدمت حق الفيتو لمنع صدور إدانة دولية من مجلس الأمن لهذه الجريمة البشعة. وبهذا تكون الولايات المتحدة قد استخدمت حق الفيتو ثماني وعشرين مرة ضد حقوق الشعب الفلسطيني، الذي يعاني من حرب إبادة منظمة وتطهير عرقي. ولا يوجد تفسير للسماح لإسرائيل بارتكاب مثل هذه الجريمة الإرهابية، سوى الشعور العنصري حيال العرب والمسلمين بأنهم أقلّ من البشر، وأن حياة أي منهم لا تساوي حياة إنسان «متحضر» في الغرب، ولذلك فإن زهقها لا يستحق العقوبة التي يستحقها زهق حياة أخرى.
ولنتخيل فقط لثوان، لو أن هذه العملية الإرهابية نفذت من قبل أي دولة عربية أو مسلمة ضد أي طرف كان، لكانت استحقت عقوبات فورية، وربما قصفاً مماثلاً بالصواريخ. فأي «تحضر» أو «ديمقراطية» يمكن أن يفخر بها الغرب إن كان يبرر احتلال إسرائيل للأرض، وهدم المنازل، واقتلاع الأشجار، ونهب المياه، وسدّ كل سبل العيش الكريم والكرامة الإنسانية والحرية، وإذا فشلت في أن تهزم إرادة الفلسطينيين يبرر لها أن تقصفهم بالصواريخ على مرأى العالم «المتحضر» ومسمعه ؟ وأية «ديمقراطية» هذه التي تبرر حرمان شعب كامل من حريته، وإطلاق آلة

 

 

عسكرية لتعيث في أرض وحياة ذلك الشعب قتلاً وسجناً وتعذيباً ؟! لا اسم لمثل هذا الموقف سوى العنصرية.


إن الإرهاب الإسرائيلي كالإرهاب الدولي، يضرب أفق التعايش والمحبة والسلام، ويستهدف خلق هوّة بين الغرب والعرب وبين الأديان وبين القوميات والشعوب. إنه إرهاب قائم على إشعال نار الكراهية بين الشعوب، وخلق حالة هستيرية من الخوف وانعدام الأمن بحيث يبرر جرائمه. وعلّ هذا هو أحد الأسباب في أن الجريمة الأخيرة استهدفت مدريد عاصمة التعايش بين الحضارات والأديان والثقافات والشعوب، بحيث انتفضت أوروبا لدرء خطر «الإرهاب الإسلامي»، كما لقبوه. ولابد من الوعي أن الإرهاب ليس إسلامياً ولا دين ولا عرق له، وأنه لا يميز بين شعب وآخر وعاصمة وأخرى، وأنه لا بديل عن الحوار القائم على احترام الإنسان والكرامة الإنسانية لإلحاق الهزيمة بالإرهابيين وكل من يقف وراءهم، وكل من يستثمر في إجرامهم لجعل هذا لعالم مكاناً خطيراً للبشرية جمعاء.


ولكن للإرهاب الصهيوني دلالاتٌ أخرى، إذ كيف يمكن لكيان يمتلك جميع أسلحة الدمار الشامل، ومنها مئات الرؤوس النووية والكيميائية والجرثومية أن يخشى رجلاً مقعداً على كرسيه لدرجة يشرف رئيس حكومة، وبالطبع قادة جيشه، مستخدمين أعقد التقنيات لمتابعة عملية اغتياله؟ لا يخفى على أحد أن استهداف الشيخ أحمد ياسين أمر متاح وسهل، وكان يمكن إكسابه شرف الشهادة برصاصة واحدة، فلماذا كل هذه الصواريخ التي قتلت ثمانية ممن كانوا معه وجرحت العشرات؟ إن هذه الجريمة تري الحقد الصهيوني ليس على حماس والفلسطينيين وحسب، وإنما على رموز الهوية الحضارية العربية القائمة على أسس ثقافية واجتماعية، وعلى تعايش الأديان والثقافات وليس على العنصرية والاحتلال والاستيطان. ومن هنا ينبع الخوف الذي يعيشه الكيان الصهيوني، والذي يتحدث عنه كل من يزور ذلك الكيان، ويؤكد رغم امتلاك الصهاينة كل أنواع الأسلحة انهم يشعرون بانعدام الأمن، ذلك لأنهم يدركون أن القوة العسكرية وحدها لا تحقق الأمن مهما بلغت، وأن المنطقة العربية التي تتعايش فيها الثقافات والأديان والمذاهب الفكرية عبر التاريخ، لا تقبل هوية عنصرية، ولن تقبل كياناً عنصرياً قائماً على الحقد والكراهية وقتل الآخر وتهجيره وإذلاله. ولذلك فإن استهداف الشعب الفلسطيني والتهديد الموجه إلى سورية والسعودية ومجريات الاحتلال الأميركي للعراق، تستهدف جميعها تغيير وجه المنطقة، من منطقة حضارية تقوم على تعايش الأديان والأعراق والثقافات والأفكار، إلى منطقة دويلات دينية أو عرقية أو طائفية تماثل الكيان الصهيوني في انغلاقها العنصري، كي تصبح إسرائيل كياناً مقبولاً وعادياً في المنطقة. وبدلاً من تغيير الطابع العنصري المنغلق الذي تقوم

 

عليه إسرائيل، وبالتالي لجوئها الدائم لسياسة العنف والاحتلال والإرهاب، فإن الصهاينة يريدون أن يشعلوا الفتنة بين مكونات النسيج الحضاري للمنطقة العربية، وهي منطقة حضارية تميزت دوماً بالتعددية والانفتاح، ومارستهما لآلاف السنين، وانطلقت إلى العالم تشاطره إبداعاتها ونتاج فكرها، بحيث أصبح المتوسط بحيرة تعاون وسلام وأمن. وها هي تجربة أفغانستان والعراق تبرهن بما لا يقبل الشك، أنه لايمكن تحقيق الأمن بواسطة القوة، وإنما بواسطة إزالة الأسباب التي أدت إلى انعدامه.


رغم رداءة الوضع العربي في الكثير من مناحيه، والذي يحتاج إلى مشروع عربي نهضوي، لن يكون مستحيلاًَ على أبناء هذه الحضارة العريقة، فإن طريقة إخراج عملية اغتيال الشيخ أحمد ياسين وردود فعل القوى المؤيدة لإسرائيل، تري بما لا يقبل الشك، أن ما تخشاه إسرائيل هو قوة العرب الكامنة في الإرث الروحي والقومي والتاريخي للأمة العريقة، وهو إرث يقوم على ثقافة انفتاح وعلى حضارة تزدهر بهويات الشعوب وثقافاتها المتعددة. وما يرعب إسرائيل ومؤيديها، هو ضعفها الكامن في قيام مشروعها الصهيوني على الاحتلال والاستيطان والاغتيال والإرهاب والانغلاق العنصري والتفوق العرقي وغيرها من المخلفات الفكرية للقرون الوسطى في أوروبا الصليبية.


ولكن، وفي يوم استشهاده، ولدت النساء الفلسطينيات عشرات أحمد ياسين، ممن سيحملون جميعاً حلمه بالحرية والانعتاق من الهمجية الإسرائيلية، وسوف يصدون رغم كل جرائم الإذلال والترهيب والقتل التي يتعرضون لها. كل ما نأمله وهو أن يتمكن العالم برمته من تجاوز الإرهاب الفكري الذي تنشره الصهيونية، وأن يسمي الأسماء بمسمياتها، فيدين الإرهاب والاغتيال والاحتلال والاستيطان، ويحييّ المقاومة من أجل الحرية والاستقلال والكرامة الإنسانية والتعايش الحضاري، الذي ميز هذه المنطقة المباركة مهد الحضارات والديانات والثقافات والفنون والآداب والعلوم لآلاف السنين■

29 Mar. 2004