من يعشق الأرض و الحرية
د. بثينة شعبان
بينما كانت إسرائيل تعلن في الأسبوع الماضي عن نيتها بيع مستوطنات غزة إلى البنك الدولي، استمرت آلتها العسكرية في تنفيذ حلم إسرائيل الدائم بإبادة الشعب الفلسطيني، وذلك بالقتل المتعمد للأطفال والنساء والشباب، وبالاغتيال والتفجير واستخدام كل أشكال العنف والإرهاب ضد كل من يقول «لا» للاحتلال، والشعب الفلسطيني برمته يقول «لا» للاحتلال. كما استمرت بهدم المنازل وبناء جدار الفصل العنصري بينما ظهر الصمود البطولي الفلسطيني عبر صور ذات مغزى تاريخي، فهناك شيخ فلسطيني جالس على أرضه التي سوف يلتهمها الجدار وهو يغرس عكازته وتداً في الأرض التي يعشق، ويرمي بجسده النحيل على التربة التي قلّبها بيديه وحدجها بناظريه حتى أصبحت جزءا من كيانه، بينما حاول عسكري إسرائيلي مدجج بالحقد والسلاح اقتلاع هذا الشيخ من على أرضه غير آبهٍ بأقدس المشاعر الإنسانية التي مكنت العرب من الاستمرار في العيش على هذه الأرض لآلاف السنين. وهناك أيضاً فتية فلسطينيون تجمعوا فوق ركام منزل هدمه الاحتلال وأخذوا يكتبون وظائفهم المدرسية بينما تحاول أمهاتهم إعادة ترتيب حياتهم رغم الخراب الإسرائيلي، وصورة أولئك الفلسطينيين الذين نصبوا خيمة فوق ركام منزلهم الذي هدمته وحشية قادة إسرائيل رافضين أن يغادروا موئل ذكرياتهم وموضع حنينهم وعيشهم المشترك. لا يستطيع المستوطنون وجيشهم وقادتهم أن يفهموا كيف يقدّم الفلسطينيون الشهيدَ تلو الآخر، ومئات الآلاف من الجرحى والأسرى والمهجرين لحماية هذه التربة المقدسة رافضين أن يغادروها ذلك لأنهم لا يفهمون حضارة الانتماء إلى الأرض والاندماج معها لدرجة يصبح الإنسان جزءا من ألوان التربة وزرقة السماء واخضرار الربيع. ولكنّ هذه الحضارة العربية العريقة بحاجة إلى من يتحدث عنها ويشرح أوجهها النيّرة خاصة في ظل تضليل إعلامي يرفض حتى استخدام أسماء بلداننا أو الإشارة إلى حضارة أجدادنا ولغتنا، فيحاول تجريدنا من هوية حضارة بلاد الرافدين وحضارة أوغاريت وماري وإيبلا وحضارة وادي النيل ليطلق تسمية « الشرق الأوسط الكبير» التي تستبعد عروبتنا وهويتنا وحضارتنا لتصورنا شعوباً وجدوا في هذه الأرض بدون تأريخ أو رؤية أو طموح بينما يعدُّ «العالم المتحضر» عدّته لنقل بعض من حضارته وثقافته إلينا للأخذ بيدنا والارتقاء بنا إلى مستوى الآخرين!!
إن صلابة الصمود الفلسطيني في وجه أبشع حرب إبادة عرقية وآخر احتلال استيطاني
عنصري تعرفه البشرية سوف يأتي أُكلَهُ حرية للفلسطينيين وعاراً أبدياً على نظام
يحكمه القتلة والإرهابيون. ورغم كل الآلام التي لا تطاق لا خيار لدى الجميع سوى
الاستمرار في الصمود، ولا شك أن النصر سوف يكون لإرادة الشعوب التي قررت البقاء
مهما بلغت قوّة البغيّ والعدوان. فقد شاركت اسبانيا وغيرها في حرب العراق رغم أن
تسعين بالمائة من الشعب كانوا ضدّ الحرب وهاهم اليوم يتخذون القرار بالانسحاب من
الحرب التي لم يؤيدوها منذ البداية، فيما تهتز سلطة أولئك الذين أرسلوا الجيوش
لاحتلال العراق والذين سيتحملون وِزر المجازر اليومية التي يتعرض لها شعب العراق.
ولا بدّ من قول هذا أيضاً لمن يحاول استثمار ما حدث في اسبانيا لتوجيه صفعة أخرى
للعرب والمسلمين من خلال وصمهم جميعاً بالإرهاب وتسمية الإرهاب باللغات الأجنبية
على أنه إرهاب إسلامي. ورغم إدانة كل الدول العربية والمسلمة بشدة لأعمال الإرهاب
التي تعرض لها الشعب الاسباني العريق فإن وسائل الإعلام تختار فقط ما يوصم العرب
والمسلمين بالإرهاب، وتحاول رسم هوّة عميقة بين مواقف الدول الغربية والدول
المسلمة من الإرهاب. وقد تعزز هذا التوجه بعد أحداث الحادي عشر من أيلول حيث كانت
النتائج اعتقالات وتمييزا عنصريا ضدّ العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، واليوم
يحاول من يقف وراء الإرهاب الدوليّ نقل هذه الحملة من العنصرية والكراهية ضد العرب
إلى أوروبا كي تبدأ معاناة العرب والمسلمين هناك. ولا أحد يعلم من يقف فعلاً وراء
أحداث 11 ايلول، أو وراء أحداث 11 آذار في مدريد، لكن الجميع يعلم أنّ من ينفّذ
ليس بالضرورة من يخترع الفكرة ويخطط لها ويستثمر نتائجها. ولكن كائناً من كان من
قام بهذه الأعمال الإرهابية فهو مجرم والإسلام والعروبة منه براء. وها هي المؤشرات
الأولى تدل على أن أحد المشتبه فيهم ملاحق من قبل السلطات المغربية لأنه يشتبه
بأنه أحد منفذي تفجيرات الدار البيضاء. وهذا يري أن العقلية الإجرامية لا تفرّق
بين الدار البيضاء ومدريد، وعلى كل عقلاء العالم من غرب وشرق التكاتف ضد عقلية
الإرهاب والقتل كائناً من كان من يرتكبها.
أما الموقف ضد الإرهاب فهو ليس موقفاً «غربياً» أو موقف «العالم الحر»، (وهل هناك عالم
حرٌّ وعالم مستعبد؟)، بل هو موقف كل إنسان عاقل من جميع الأديان والجنسيات. وما
محاولة خلق الشرخ بين الغرب والشرق إلا خدمة لمن يقف فعلاً وراء نشر الحروب
والإرهاب وتبني منطق القوّة والعنف لكسر إرادة الشعوب والإبقاء على الاحتلال
والاستيطان ووصم مناضلي الحرية الذين يدافعون عن أرضهم ببسالة بأنهم إرهابيون في
محاولة لابتزاز العالم وتخويفه من قول كلمة الحق.
إن الدين الإسلامي الحنيف هو دين العدل والإنصاف والحريّة، وهو الذي قدّس الحياة
الإنسانية واعتبر قتل النفس البشرية أكبر جريمة يرتكبها الإنسان واعتبر الناس سواسية
كأسنان المشط، وان الله عزّ وجل قد خلقنا قبائل وشعوباً لنتعارف وليس لنتقاتل،
ولنتبادل الخبرات والعلوم، ولندعو إلى سبيل ربنا « بالحكمة والموعظة الحسنة» وليس
بالرؤوس النووية وطائرات الأباتشي والدبابات. إن حياتنا مزيج من الغرب والشرق،
فنحن نستخدم منتجات الغرب كل يوم ونطلع على ثقافته وعلمه وفكره، ولكننا نتشبث
بهويتنا وأصالتنا وحضارتنا. ومع أننا نتطلع إلى كل الآفاق التي خلقها الخالق عز
وجل ونقدر ما جاء فيها فنحن متآلفون مع فضائنا نعود إليه بكل ما اكتسبناه من خبرة
ومعرفة، وهذا تعبير عن أصالة واستمرار حضارتنا واعتزاز بتراث عريق يمثل تاريخاً
يمتد آلاف السنين.
إنّ التعايش مع الغرب لا يعني الوقوع في أحضانه كما لا يعني التنازل عن حقوق أو
أرض أو تاريخ تحت أي مسمّى ولأي سبب كان.
إذا كانت الغلبة اليوم لقوة السلاح فإننا نعلم أنّ الغلبة في النهاية هي لمن يمتلك
الحقوق ويدافع عنها بكلّ الوسائل المتاحة، وإذا سكت اليوم العالم عن إدانة
الاستيطان وممارسات القتل والإرهاب الإسرائيلي وعن جدار الفصل العنصري وخرق
إسرائيل المواثيق والاتفاقات الدولية، فان المستقبل لن يبرّر هذا الصمت بل سيدين
الصامتين ويحملهم عار العنصرية والمجازر. حينذاك فقط سوف نعيد كتابة أسماء شهداء
فلسطين والعروبة بأحرف من نور، وسوف يكتشف العالم أن من يقف وراء الإرهاب و يغذيه
ليس العرب ولا المسلمون بل حفنة من الحاقدين على البشرية ومن أصحاب المصلحة في
إثارة الفتنة بين الشرق والغرب.
حتى ذلك الحين سيبقى أطفال ريم الرياشي يحلمون بلمسة حنان الأم، وسوف تبقى أم محمد
الدرة وغيرها المئات من أمهات الأطفال الذين اغتالتهم رصاصات الوحشية الإسرائيلية
يحلمن بأصوات أطفالهن الذين لن يصبحوا شباباً ولن ينجبوا أطفالاً ولكنهم أرسوا في
النفوس عشق الأرض والحرية، وأوقدوا في تاريخ شعبهم شعلة الحرية وأكدوا أن الأرض
لأهلها ولمن زرع الأقحوان والزيتون طوال آلاف السنين، لمن لا يغادرها أبداً رغم
المجازر والوحشية التي لم تعرفها القرون الوسطى، ولن تكون الأرض أبداً لمن يغتصبها
بقوة السلاح ثم يتاجر بها أو يحرقها ويدمرها إذا ما تمّ إرغامه على المغادرة. سوف
تبقى الأرض دائماً لمن يعشقها ويبذل الروح في سبيلها وسبيل العيش عليها بحرية
وكرامة■
22 Mar. 2004