على طاولات النساء في يومهن.. دلالات و تساؤلات

 

                                                                                 د. بثينة شعبان

في مؤتمر منظمة المرأة العربية في بيروت، الذي عُقد بمناسبة يوم المرأة العالمي في الثامن من آذار، ظهرت هناك، كما تظهر في أي اجتماع عربي بهذا المستوى وبهذا الحجم للحضور، دلالات ومؤشرات وعِـبَر. فقد كان الحضور النسائي من سيدات أُوَل ورئيسات جمعيات ومفكرات ومحاميات وقاضيات، مناقضاً تماماً للصورة التي يروجها الإعلام الغربي عن المرأة العربية، وبدت المرأة من خلال المحاضرات والمداخلات على الطاولات المستديرة، مدركة بعمق لحقيقة ما ينتاب بلادها من أمواج عاتية، وبدت قادرة بامتياز، ليس فقط على تشخيص الداء، وإنما على وصف الدواء أيضاً.


كان جوُّ النقاش، خلافاً لما يعهده الجميع في الاجتماعات العربية، صريحاً وجريئاً ومكاشفاً بأوجه التقصير التي على العرب أن يتلافوها، وبأخطار اللغة الإنشائية المتحجرة وضرورة تبني لغة شفافة دقيقة تتفاعل مع الواقع وتلعب دور الريادة في تصحيحه.


كما كان اللقاء بين ممثلات الوفود العربية حاراً وعميقاً على هذا المستوى، وينجم عن كل لقاء فهم أفضل وأعمق وأدق لمشكلة الصحراء الغربية وللنزاع وجهود السلام في السودان ولحقيقة المعاناة في الأراضي الفلسطينية والجولان السوري المحتلين. ذلك لأن المرأة السياسية والمفكِّرة والعاملة في مجال المجتمع المدني والمنظمات الأهلية، قد أتت إلى هذا الاجتماع مدركة حجم الأخطار التي تواجه أمتها، ومصمِّمة على وضع النقاط على الحروف مساهَمةً منها في إنقاذ وضع هذه الأمة من محاولات الهيمنة والسيطرة التي تتجاذب فوق أرضنا وتحت سمائنا.
 كما كان المعرض الذي رافق افتتاح المؤتمر للشخصيات النسائية العربية التي قدَّمت مساهمات جادة في بناء الأوطان، من جوليا طعمة دمشقية، إلى عنبرة سلام الخالدي وأخريات كثر، تعبيراً عن الاعتزاز بالانتماء، وأن النساء العربيات المقبلات إلى بيروت يحملن في جعبتهن عبق التاريخ وأصالة الانتماء والاعتزاز بمساهمة الجدَّات، من سيدتنا خديجة بنت خويلد زوجة الرسول الكريم، وأول من آمن برسالته، بالإضافة إلى كونها أول سيدة أعمال في تاريخ الإسلام، ويحملن أيضاً في صدورهن

 

 

التوق إلى لعب الدور الذي يليق بهن والذي من دون شك ينعكس إيجابياً على قدر هذه الأمة وتوجهها المستقبلي.


وبدت المفارقة غريبة بالفعل، حين أشار الدكتور غسان سلامة إلى اجتماع القمة العربي الذي عقد في بيروت آذار 2002 ، وإلى حقيقة أنه نظر حينئذٍ في أرجاء القاعة ولم يرَ امرأة واحدة ضمن الوفود الرسمية التي تمثل الدول العربية، بينما يرى اليوم نساءً قادراتٍ على لعب دور متميز في صياغة مستقبل هذه الأمة التي تحتاج اليوم إلى شجاعة النساء وإلى زنود الرجال، وإلى تحمُّل الأطفال وإلى حلم الكبار كي يتعاون الجميع لإيصالها إلى برِّ الأمان. والمنظور الذي تحدث عنه الجميع ليس منظور سلطة أو مواقع ولكنه منظور المسؤولية وتحمل المسؤولية في هذا الزمن الصعب، وضرورة جلب جميع الطاقات كي تتوحد جميعاً في درء الأخطار، ومتابعة المسير إلى مستقبل يليق بهذه الأمة ويحقق الأمن والازدهار والحرية لشعبها. وقد توافقت الآراء على أن تواجد النساء العربيات بنسب أعلى بكثير مما هي عليه اليوم في مواقع اتخاذ القرار، أصبح ضرورة وطنية من أجل استثمار جميع الطاقات المتاحة للسير بالمستقبل العربي بعيداً عن الهاوية وإلى آفاق تعود بالخير والطمأنينة على النساء والرجال على السواء. والدلالة الأخرى المطمئنة والواعدة في اللقاء، هي أن العروبة كانت الانتماء الذي يفخر الجميع به، لغة وتاريخاً وحضارة وهوية، مع الإدراك العميق أن هذا الانتماء العربي هو المستهدف في كل محاولات فرض الهيمنة والتطويع والإبقاء على الاحتلال والاستيطان. وأحياناً كانت تبدو قاعة الاجتماعات بما يتخللها من مشاعر فيَّاضة وآراء نيرة، مغايرة تماماً لحالة الضعف والإحباط التي تعتري الكثيرين في هذه الأمة، بحيث انتابت البعض منا الرغبة لو انتقلت معنويات هذه القاعة إلى الأمة العربية أولاً، ولو انتقل الاعتزاز بالانتماء والثقة بالمستقبل إلى كل من يحاول الاستهانة بمقدراتها لأنها تمرُّ بمرحلة صعبة ومؤلمة.
و تناقض هذا الشعور تناقضاً صارخاً مع أسئلة الإعلام التي بدأت تنهال علينا منذ اليوم الأول وحتى قبل انعقاد جلسات العمل، عن جدوى مثل هذه المؤتمرات وقيمتها، إذا كانت اجتماعات الرجال العرب لم تثمر عن شيء فما هو المرتجى من اجتماعات النساء؟! وعن جدوى التوصل إلى توصيات وقرارات إذا كانت هذه التوصيات ستبقى حبيسة الأدراج حالها حال كل مقررات وتوصيات الاجتماعات العربية. وفي الوقت الذي أفهم خلفية هذه التساؤلات وأسبابها، فإني أعتقد جازمة ألا بديل أمام أحد منا سوى السير إلى الأمام. فإذا فشلت المحاولات في الارتقاء إلى مستوى طموحات الجماهير وإلى مستوى خطر التحديات ماذا نفعل ؟ هل نعترف أننا فشلنا ونغلق أبواب منازلنا، أم نشحذ الهمم والعزائم وننطلق من جديد مرددين أننا قد لا نفوز في النتيجة ولكن علينا أن نبقى في السباق.


وهنا بالضبط، يكمن جوهر المسألة، إذ أن الأمة العربية تعاني اليوم من شرذمة واستهداف ومصاعب داخلية تمكِّن الأعداء من الادعاء أن لا خلاص ممكن بعد اليوم، وأن ليس على أبناء هذه الأمة سوى القبول بما يتم التخطيط له من الخارج. في مثل هذه اللحظات، من المفيد تذكر المصاعب التي تمرُّ على جميع الشعوب والبلدان عبر التاريخ، وأن الخيار الوحيد الذي تمتلكه الشعوب الحيِّة هو في اسـتمرار المحاولات إلى أن يتحقق ما تريد، كما أنه من المفيد استذكار أن الهجمة الصهيونية تتركز على كل مكامن الضعف والخطأ في أمتنا وهي في الكثير منها لا تختلف عن مواقع الضعف والخطأ في أمم أخرى كثيرة معاصرة. وفي هذا الإطار، أصبح تقرير التنمية البشرية الذي أعدته مجموعة من الباحثين العرب للأمم المتحدة تهمةً ومبرِّراً للتدخل، بدلاً من كونه مؤشراً على مواقع الضعف من أجل المعالجة السريعة والحاسمة، بينما لا يذكر أحد تقرير الإيسكوا السنوي الذي يرفع للأمين العام للأمم المتحدة عن عدد المنازل التي هدمها الاستعمار الإسرائيلي الاستيطاني في الأراضي العربية المحتلة، وعدد الأطفال والنساء الذين استشهدوا، والجرائم البشعة التي ترتكب بحق العرب، والتهديدات التي تستهدف وجودهم وهويتهم، وكم يشكل كل هذا عائقاً في طريق حركة إصلاح طبيعية تنمو في قلوب وعقول أبناء هذه المنطقة الخيِّرة. إن التجاذب الذي يدور بإلحاح حول منطقتنا، دليل على أهمية هذه المنطقة الحضارية والتاريخية والجغرافية والاقتصادية، وليس علينا نحن أبناء هذه الأرض، سوى أن نرفع التحية لكل من قضى في سبيلها، وأن نعمل كلَّ ما بوسعنا مهما تعددت وفشلت المحاولات، كي نبقى جديرين بأن نكون أبناء هذه الأرض الطيبة المعطاءة، وأن نورثها لأبنائنا عزيزة كريمة، وفي هذا الجهد لا فرق بين امرأة ورجل، إذ على الجميع واجب المواطنية وخدمة الأوطان، خاصة في أوقات الصعاب■



 

15 Mar. 2004