في الاقتصاد والسياسة
د. بثينة شعبان
22-آذار 2009
ومع اعترافي بأني لا أنتمي إلى عالم
المال أو الاقتصاد، إلا أنني كنت أشعر دائماً أن معنى الاستقلال والحرية
والديمقراطية هي أن يطبق كل بلد السياسات الأنجع لمواطنيه، وأن يكتشف خصوصيته
وينطلق منها بدلاً من استيراد المفاهيم التي قد تناسب البعض في أقاصي الأرض ولا
تناسب البعض الآخر في أدانيها. ولكن السؤال الذي أودّ أن أطرحه بعد كلّ ما يُنشر
ويُكتب اليوم في عالم المال والاقتصاد والبطالة والأجور هو هل يجب على الإنسانية
أن تنطح الصخرة الصلدة قبل أن تتجرأ على طرح الأسئلة المنطقية والمفيدة؟ وهل يجب
أن يكون الجبن سيّد الموقف إلى أن تبدأ الانهيارات وتعلو صرخات الاستغاثة كي يتجرأ
البعض على طرح الأسئلة التي كان يجب أن تطرح قبل عقود؟ وإذا كان المنطق الذي ساد
لفترة طويلة في الاقتصاد ينطبق ذاته على السياسة، أي منطق الإرهاب الفكري وعدم
الجرأة على طرح الأسئلة التي لا تتناغم مع التيار العام، فإن من واجب الناس اليوم
التعلّم مما حدث في الوضع الاقتصادي وعدم مسايرة المقولات المغلوطة والمغرضة،
وأحياناً الجاهلة، في السياسة، إلى أن تصل الإنسانية إلى حافة الهاوية وتعلو صرخات
الاستغاثة والتي قد لا تجدي نفعاً حينئذ.
بالتزامن مع فضيحة مادوف ونشر تقرير اللورد تيرنر عن
البنوك والإجراءات المالية أثارت تسمية تشارلز فريمان، كرئيس لمجلس الاستخبارات
القومي، من قبل الرئيس أوباما، ضجة في واشنطن أثارتها
منظمات اللوبي الصهيونية وانتهت بتقديم فريمان استقالته حتى قبل أن يتم تعيينه.
والتهم الموجهة إلى فريمان، والتي أخذت بعين الاعتبار لإجباره على الاستقالة،
تتضمن خدمته في المملكة العربية السعودية وخدمته في الصين، وتهماً وجهت إليه بأنه
بدا ودوداً ومرتاحاً لهذين النظامين، كما تتضمن هذه التهم انتقادات لإسرائيل،
ولقوة اللوبي الصهيوني، والذي يقود أحياناً سياسة الولايات المتحدة الخارجية.
وقد كتب الكثيرون مقالاتٍ مفاد بعضها
أن إرغام فريمان على الاستقالة هو برهان حيّ على ما كتبه الأستاذان من جامعة
هارفارد ميرشمار ووالت عن قوة هذا اللوبي ودوره الأكيد
في السياسة الخارجية الأميركية، بينما كتب البعض أمثال جوناثان فريد لاند في جريدة " الغارديان
" البريطانية 18/3/2009 بأن قوة اللوبي الإسرائيلي هي عبارة عن أسطورة، وحاول
أن يسوق أمثلة حيث اعترضت الولايات المتحدة على تصرفات إسرائيلية من بيع للأسلحة
وأوقفت صفقات لها، وأحياناً حين باعت الولايات المتحدة أسلحة للملكة العربية
السعودية وغيرها رغم اعتراض إسرائيل على ذلك. وجوهر المقال هو أن السياسة الخارجية
الأميركية ليست تنفيذاً حرفياً لما تريده إسرائيل و"اللوبي الإسرائيلي"،
بل هناك بعض التصرفات الأميركية في تاريخها الحديث، والتي لم تلق ترحيباً
إسرائيلياً، واعتُبِر هذا شأنٌ عظيم ودليلٌ على استقلال السياسة الأميركية عن
اللوبي الإسرائيلي ومتطلباته!!
مع ذلك فإن فريدلاند
قد ختم مقاله بالتأكيد على أن منظمة " الإيباك
" وحلفائها قد احتكروا الحديث باسم إسرائيل فترة طويلة جداً. ويضبف فريدلاند "دعونا نأمل
أن حادثة فريمان تدفع القادة الأميركيين للتمعن في هذه المنظمة وحلفاءها، ولرؤيتهم
على حقيقتهم، وهي أنهم ليسوا أقوياء إلى تلك الدرجة، وليسوا على حق دائماً".
وهنا، وفي العبارة الأخيرة، يكمن بيت القصيد إذ ليس كل من يتحدث عن تأييد إسرائيل
على حق، وليس كل من ينتقد إسرائيل على باطل، حتى إذا أراد الغرب أن يرى هذه
العبارة من وجهة نظر مصلحة إسرائيلية بحتة.
هل يعتقد الصامتون أو الذين يحاولون كمّ الأفواه عما ترتكبه " إسرائيل "
بأنهم يقدمون خدمة إلى مطامع إسرائيل ومستقبلها؟ إذا كانوا يظنون ذلك فليسبروا
آراء الأطفال العرب الذين شاهدوا إخوانهم في غزة يذبحون بالقنابل الفوسفورية ويفقدون بصرهم وأرجلهم وأيديهم وأمهاتهم وإخوانهم وزملاءهم
ليروا حجم الغضب والنقمة والظلم الذي يشعر به هؤلاء دون
أن يروا أحداً في العالم يغضب لسفك دمائهم الزكية أو يجرؤ على إدانة هذه الجرائم
المرتكبة بحقهم؟ هل يعتقد مؤيدو " إسرائيل " أن التلاعب بالإعلام وحجب
ما جرى في غزة من وسائل الإعلام العالمية والتضحية بشارلز
فريمان وانتقاد كارتر وتشومسكي وجورج غالاوي وماري روبنسون وآن ليند، وكل من يجرؤ على قول الحقيقة،
ومحاولة تهميشه، سينسي الأطفال العرب حقوقهم ودماءهم وطفولتهم المستلبة والمقهورة
والمنتهكة والمهانة، أم أنهم سينتظرون الانهيار الذي حدث في الاقتصاد أن يحدث في
السياسة ويقول أحدهم أنني أسف على ثلاثين أو ستين عاماً من العذاب الذي سببته لشعب
بأكمله من القهر والحرمان والتشريد والجوع والفقر والإهانة
والإذلال؟ حينذاك سيضطر الجميع إلى البحث عن إجراءات جديدة وأساليب جديدة تغيّر
جوهر الصراع وآليات معالجته.
غالبية الناس تفضل دائماً السير مع التيار، ولكنّ القلة القليلة
التي تضع الحقيقة والمصلحة الإنسانية العليا فوق الاعتبارات والمصالح الشخصية وحتى
فوق السلامة الشخصية، تستحق وقفة تقدير واحترام لأنها الوحيدة المؤهلة لتغيير وجه
التاريخ قبل حصول الكارثة.