إذا لم يكُن أصمًّ!
د.بثينة شعبان
8 ديسمبر 2008
إذا كان
البرلمان الأوروبي يريد أن يبرهن للعالم «احترامه لحقوق الإنسان»، وحرصه على تحقيق
العدالة للفلسطينيين، فعليه أولاً أن يتخذ إجراءات عاجلة لإرغام إسرائيل على فكّ
الحصار عن شعب بأكمله، وإلا فإنه ما زال يعتبر إسرائيل فوق القانون، وحتى في مسألة
إرجاء التصويت، فقد حرصوا على القول «إنّ هذه الرسالة ليست موجّهة ضدّ الحكومة
الإسرائيلية»، رغم كلّ ما تخطط له وتنفّذه الحكومة الإسرائيلية من اغتيالات،
ومجازر، وحصار قاتل، واقتلاع للسكان الأصليين، وتدمير يومي للمدن والقرى والأحياء
الفلسطينية، وحرمان المدنيين العُزّل من الغذاء والدواء والوقود. أوّل ما على
الاتحاد الأوروبي والعالم أن يفعله هو فكّ الحصار الإعلامي الذي تفرضه حكومة
إسرائيل عن غزّة، فلماذا لا يعرف العالم برمّته ما يجري في غزّة والخليل ونابلس
ورام الله؟ هل تقع هذه المنطقة خارج العالم؟ وهل هي على
كوكب مختلف عن الكونغو أو زيمبابوي أو راوندا بحيث لا
يتمكن البرلمانيون الأوروبيون وغيرهم من الوصول إليها ليروا عن كثب ما إذا كان يجب
عليهم توجيه «رسالة» لحكومة إسرائيل، أم فرض عقوبات على حكومة ترتكب جرائم أبشع من
تلك التي ارتكبتها ممن اتخذت ضدّهم إجراءات دولية، بما في ذلك الاستدعاء إلى
المحاكم الدولية. لقد استخدم الاتحاد الأوروبي والعالم عبارات «انتقد» اسرائيل، بل و«حثّ» إسرائيل، أو الدعوة إلى ممارسة «الضغط»
على إسرائيل كي «توقف الاستيطان» أو «تضع حدّاً للاستيطان»، أو تتخلّص من
المستوطنات «اللاشرعية». والواقع
هو أنّ كلّ هذه العبارات التي تستخدم غير مناسبة لحجم الجريمة التي ترتكبها
الحكومة الإسرائيلية ضدّ الإنسانية في غزّة. والمطلوب فوراً هو الإجراءات الدولية
الملحّة لوضع حدّ لجريمة الإبادة المتمثّلة بحصار غزّة، وإيقاف الاستيطان اليهودي
للأرض العربية الذي يمثّل آخر استعمار أوروبي من نوعه في العالم. فبعد أن أعلن البرلمان الأوروبي أنّ «رسالته» ليست موجّهة ضدّ
الحكومة الإسرائيلية أضاف بأنه على «المفوضية ومجلس الاتحاد الأوروبي وضع ضغط،
وليس (ممارسة ضغط) على إسرائيل لتتوقف عن استعمار الأراضي الفلسطينية المحتلة عام
1967». والسؤال هو كيف يوضع الضغط، ومتى؟ وكم من المدنيين الفلسطينيين يجب أن يموتوا جوعاً ومرضاً أو
يُهجّروا أو يقتلوا أو تحرق منازلهم قبل أن ترتقي اللغة التي تستخدمها أوروبا إلى
بشاعة الجرائم التي ترتكبها حكومة إسرائيل، وإلى مستوى خطورة هذه الجرائم؟ وهل
يبرّر الابتزاز الإسرائيلي للأوروبيين حول المحرقة النازية المساواة بين
الفلسطينيين والإسرائيليين في المسؤولية، حيث تعمد معظم الجهات الدولية إلى «حثّ
الفلسطينيين والإسرائيليين على العمل من أجل التوصّل إلى اتفاق سلام» كيف يمكن
المساواة بين الضحية والجلاد؟ بين الإسرائيلي المحتل
المدجّج بالسلاح، وبين الفلسطيني المدني الأعزل، بين الآلة العسكرية التي تمتلك
كلّ أنواع الأسلحة بما فيها النووية وأجهزة القمع والتعذيب، وبين ضحية كلّ هذا
القمع والتجويع؟ كيف يمكن توجيه «اللوم» للقاتل والضحية على حدّ سواء في قضية سفك
دماء، وكأنّ كلاهما مسؤول عن الجريمة؟!
لقد جاء
في بيان البرلمان الأوروبي على لسان نائب رئيسه لويزا مارغانتيني «إنّ هذا التصويت هو أيضاً إشارة أمل للفلسطينيين
تقول لهم بأنّ البرلمان الأوروبي مصممٌ على ألا ينتقد الوضع شفوياً فقط بل أن يتخذ
عملاً ملموساً من أجل احترام حقوق الإنسان والقانون الدولي». هذا العمل كان يجب أن
يبدأ البارحة، وكان يجب أن يبدأ ببعثة أوروبية من البرلمان الأوروبي إلى غزّة
والضفة الغربية، ويجب أن يرغم الحكومة الإسرائيلية على كسر فوريّ للحصار المنافي
لكلّ أسس القانون الدولي الإنساني الذي تفرضه بكل قسوة حكومة باراك وليفني على
المدنيين العُزّل، ويجب أن يأخذ الوفد البرلماني الأوروبي وسائل إعلام عالمية معه
ويصوّر الواقع الفعلي للجريمة، ويبثّ الصور للعالم كي يطّلع على مدى الجريمة التي
يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بالمدنيين في غزّة. كما يجب على أعضاء البرلمان
الأوروبي أن يطالبوا بالإفراج عن رئيس البرلمان الفلسطيني المنتخب، عزيز الدويك، وزملائه من برلمانيين ووزراء، الذين انتخبوا مثلهم
ديمقراطياً، فأودعتهم إسرائيل غياهب سجونها كي يحرموا
الشعب الفلسطيني من برلمانهم ومن حريتهم على أرضهم. لا شكّ أن قرار البرلمان
الأوروبي بإرجاء التصويت «مُرحّب به»، ولكنّ المطلوب،
وفق وقائع جريمة الحصار الإسرائيلية، هو أكثر بكثير من هذا «الإرجاء»، والمطلوب هو
ليس فقط من البرلمان الأوروبي بل من كلّ برلمانات وشعوب العالم أن تسجّل لنفسها
موقفاً مشرّفاً بالدفاع عن شعب تشكل معاناته من الاحتلال الإسرائيلي عاراً على
البشرية، ووصمة خزي في تاريخ القرن الحادي والعشرين. يجب ألا ينتظر أحد في أوروبا
أو روسيا أو الصين أو الهند أو الشرق الأوسط كما انتظر الرئيس بوش إلى آخر ولايته
كي يعترف أنّ حربه على العراق كانت «كارثة»، وكانت هذه
الحرب نتيجة «معلومات استخبارية خاطئة»، فالمعلومات عن
معاناة شعب فلسطين موجودة على أرض فلسطين التي تقع في قلب العالم، ومن السهل جداً
الوصول إليها والتيقن من جرائم الحصار المشينة لحقوق البشر، ومن الغياب المطلق
للعدالة. إلى حدّ الآن ما يزال العالم أصم وأعمى وأبكم،
ولذلك فإنّ جريمة الحصار الإسرائيلي مستمرّة في غزّة. قد يطمح البرلمان الأوروبي
أن يكون «إرجاء التصويت» الخطوة الأولى في خرق جدار الصمت الدولي هذا، ولكن عار
الصمت ما يزال مستمراً لأنّ الجريمة مستمرة والحصار مستمر على غزّة، وخرق جدار
الصمت هو في مصلحة الجميع لأنه، بالإضافة إلى ضرورته للفلسطينيين، فهو ضرورة
لمصداقية الديمقراطيات الغربية وحديثها الدائم عن حقوق الإنسان والعدالة، وهو بالتأكيد
ضرورة لمصداقية الحكومات العربية التي أنهكها الصمت إلى حدّ لا يشعر عرب غزّة
بوجودها!