جارتي روز !!
بثينة شعبان
26 أيار 2008
بعد أمسية جميلة في بيت دمشقي قديم تعانق باحته السماء فيفرج عن الصدور كربها وتمتدّ باحته الواسعة لتخلق سعة في الصدر والقلب، وبينما نهض الفنان السوريّ ليودّعنا على الباب دخلت امرأة متقدمة في السن ترتدي ثوباً زهرياً يتناغم بودّ وألق مع شعرها الأبيض وعينيها الرماديتين، فقال الفنان «هذه جارتي روز، كلّ يوم هي في دارنا وهي جارة رائعة تحبّنا ونحبّها جداً»، وهَمَسَ بصوت منخفض: «روز امرأة يهودية» وما أن همس ذلك إلى أن عانقته روز وقبّلته وقالت له «أحبك كما أحب الله والتوراة». والتفتت إلينا وقالت لا يوجد أنبل وأنظف من هذا الشخص. وقبل أن نخرج أيضاً وصل ابن الفنان ومعه صديقته ابنة فنان آخر، ومن المفهوم من الأسماء أنه مسلم وصديقته مسيحية. ونظرتُ إلى هذه المجموعة الصغيرة من الناس من مسلمين ومسيحيين ويهود وقلت في خاطري «ليست المشكلة بتعدّد المذاهب فالجميع يعبدون إلهاً واحداً ويؤمنون بالأخلاق والمثل ولا توجد حروب أو قتل في منطقتنا بسبب انتماءات طائفية أو دينية مختلفة لأنّ هذه الانتماءات كانت موجودة على مدى قرون خلت، بل المشكلة في جوهرها هي مشكلة حقوق وسيادة وكرامة». والمتابع لطبيعة الحياة في العالم الإسلامي والعلاقة بينه وبين الغرب لا يفاجئه استطلاع غالوب والذي استنتج بعد دراسة طموحة دامت ست سنوات كان من أهم نتائجها أنّ الغالبيّة العظمى من المسلمين لا ترى أي تناقض بين الإسلام والديمقراطية، كما أرجع مؤيدو الهجمات الإرهابية دافعهم لذلك إلى أسباب سياسية وليست دينية، فهم يحسّون بالإحباط السياسي وبالاهانة والتهديد من طرف الغرب. وتأتي نتائج استطلاع غالوب في كتاب تحت عنوان «من يتحدّث باسم الإسلام؟» لصاحبيه أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة جورج تاون جون اسبوزيتو والمديرة التنفيذية لمركز غالوب للعلوم الإسلامية بواشنطن داليا مجاهد.
ولكن هل كنّا نحن الذين نتلقى نتائج السياسات الغربية المعتمدة على الإشاعة بحاجة أن ننتظر نتائج استطلاعات غالوب لنرى أن أسباب التوتّر بين المسلمين والغرب سياسيّة لا دينيّة؟ إذ متى كان لدى الإسلام موقف من أتباع الديانات الأخرى، ومتى اعترض المسلمون على المسيحيين أو اليهود وهم من أهل الكتاب؟ لكنّ الخلط المتعمّد الذي جرى بعد أحداث الحادي عشر من أيلول بين الدّين والسيّاسة كان يهدف إلى تشويه صورة المسلمين في نظر الغرب وذلك لتبرير استباحة بلدانهم وأرضهم وقتل أبنائهم دون أن يتحرك العالم لنصرتهم على اعتبار أنّهم يشكّلون خطراً على السلم والأمن في العالم.
وقد كانت خطب الرئيس بوش في الكنيست الإسرائيلي وفي شرم الشيخ معبّرة تماماً عن نتائج هذه الاستراتيجيه الجديدة والتي لم تضطره إلى ذكر معاناة شعب فلسطين أو شعب العراق رغم أنّه مسؤول شخصياً إلى حدّ كبير عن هذه المعاناة، ولكن تشويه صورة العرب في الغرب ووصفهم بالإرهابيين جعلا من الممكن قتل العشرات منهم كلّ يوم دون أن يتحرّك العالم وينتفض لزهق أرواحٍ هي لأخوةٍ في الإنسانية. وربما هذا ما كان يقصده بوش حين قال في إسرائيل«أمتانا واجهتا تحديات عظيمة لدى قيامهما». فما هو التحدي الذي واجهته الولايات المتحدة سوى إبادة السكان الأصليين عن بكرة أبيهم، بلغاتهم وثقافتهم ومعتقداتهم وإنشاء دولة على أنقاضهم، بعد أن نشرت في العالم صوراً تشوّه تاريخهم وثقافتهم وأدبهم وفنونهم. والسؤال هو أهذا هو التحدّي الذي تواجهه إسرائيل اليوم في فلسطين والولايات المتحدة في العراق؟ أي أن تبرهنا للعالم أنهما قادمتان لإدخال هؤلاء العرب إلى فلك الحضارة والديمقراطية وإنقاذهم من أساليب عيشهم المختلفة؟ ومن أجل ذلك يتمّ تهجير المسيحيين من العراق وفلسطين وإعطائهم تسهيلات استثنائية لينتقلوا إلى الغرب كي يصبح هذا الشرق كلّه مسلماً وكي يبرّروا بذلك أي جرائم تُرتكب بحق المسلمين بعد أن سخّروا الإعلام العالمي لوصف الصراع بأنه ديني مرفقين ذلك بحملات تشويه لصورة النبيّ محمد (ص) والرّماية على المصحف الشريف من قبل جنود أمريكيين ووضع القوانين ضدّ ارتداء النساء المسلمات للحجاب في المدارس والأماكن العامة واستهداف المصلين والمترددين على الجوامع في الغرب ومحاربة المدارس الإسلامية وإلى ما هنالك من إجراءات عنصرية ضد العرب والمسلمين.
ولكن لحسن الحظ فإن هذه الهجمة المركزة على العرب والمسلمين من قبل الحكومات الغربية قد قوبلت بفضول شديد لدى شعوب الغرب للتعرف على العرب والمسلمين، فخلقت حركة في الترجمة والاطلاع على العربية والقرآن والشرق الأوسط في محاولة للتوصل إلى حقيقة الأمور بعيداً عن الدعايات المغرضة التي يطلقها أصحاب شركات السلاح وشركات النفط، وهم المستفيدون الوحيدون من الدمار الذي يصيب الشرق والغرب على حد سواء. وبهذا المعنى فقد لعبت السياسات الهوجاء للإدارة الأميركية والصهيونية الإسرائيلية دوراً هاماً في الحراك القوي الذي تشهده الانتخابات الأميركية و الذي هو حراك غير مسبوق وقد تكون السياسات الأميركية البلهاء في المنطقة العربية عاملاً هاماً في تغيير وجه السياسة الأميركية خلال الأعوام القادمة، فإذا كانت وزيرة الخارجية للكيان الصهيوني تصرّح بأن غزة تتحول إلى مشكلة إقليمية فإنّ السياسات العنصرية ضد العرب والمسلمين في فلسطين والعراق والسودان والصومال والغرب أيضاً قد تحولت إلى مشكلة دولية يشارك فيها أبناء الشرق والغرب من مسيحيين ومسلمين ويهود، ولم يعد ممكناً خداع الناس في أقطارهم المختلفة من خلال شعارات برّاقة تتحدث عن الحريّة والديمقراطية بينما تمعن في قتل الأطفال والنساء وحصار المدنيين في غزة واستهداف العلماء والمبدعين في هذه الأمة وإذ كان بعض السياسيين يعتقدون أنهم يخدعون الناس العاديين فإن الناس العاديين قد تجاوزوهم في المعرفة والذكاء وكشف الأكاذيب وإدراك موقع الحقيقة.
فبينما كان بوش يغرق في عالمه الداخلي ويستمدّ منه آراءه المضحكة، والمنفصلة انفصالاً تاماً عن الواقع في منطقتنا، كان اهتمام الكثيرين منصبّاً على إحجام الولايات المتحدة وإسرائيل عن حضور مؤتمر دبلن الذي يهدف إلى تحريم القنابل العنقودية والتي ذهب ضحيتها مئات الأطفال والنساء والرجال الأبرياء في لبنان بعد أن أمطرت الطائرات الإسرائيلية لبنان بمليون قنبلة ونيّف قبل أن تضطر إلى وضع حدّ لاعتدائها عليه. وفي هذا الغياب تعبير واضح عن استخفاف هاتين الديمقراطيتين بحياة البشر لأنّ شكل القنبلة العنقودية منافٍ لأي من القواعد الأخلاقية في العالم لأنها صُنعت بشكل جذّاب للأطفال تغريهم إلى حتفهم.
كما أنّ مجمل ما يجري في فلسطين من تقويض لأسس المسجد الأقصى، وقتل يومي للفلسطينيين، وحصار عنصري ضدّ شعب فلسطين يبرهن للعالم اليوم أن الإدعاء بالديمقراطية مجرّد وهم لأن حياة الإنسان مستباحة كما أن العدوان غير المسبوق على حرية الإنسان وكرامته في أبو غريب وغوانتانامو قد أفقد العالم الثقة بالمستوى الأخلاقي للإدارة الأميركية والتي تدّعي البحث عن الديمقراطية كمقدمة لحرية الإنسان وكرامته. وبعد زيارة بوش للمنطقة بدأت محاولات في الكيان الصهيوني من أجل إلغاء مكانة اللغة العربية كلغة رسمية في إسرائيل. المستهدفون في العالمين العربي والإسلامي جميعهم يدركون أنّ جوهر المسألة هو الحقوق السياسية للعرب في أرضهم وديارهم ومقدساتهم ويفهمون تماماً أن كلّ القوانين العنصرية التي صدرت بحقّهم والتشويه الذي لحق بدينهم تهدف إلى ذرّ الرّماد في العيون وإحالة البصر والبصيرة عن اللّب السياسي للمشكلة.
ولكنّ ما يجري في انتخابات الولايات المتحدة واستطلاعات غالوب والطلب على دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي من قبل الغرب جميعاً يري أن الذين يروّجون لخلافات ومشكلات دينيّة لا يخدعون إلاّ أنفسََهم، ولن يطول الزمن قبل أن ترتدّ أقاويلهم عليهم ويشرق أنموذج التعايش الذي شهدناه ونشهده في منطقتنا تعبيراً حقيقياً عن الأخوة في عبادة الله الواحد وتمهيداً لإنهاء الظلم وإحلال العدالة والكرامة لجميع البشر.