تصوير ووصف الجريمة ممنوع ولكن ليس ارتكابها!!

بثينة شعبان

28 نيسان 2008

حين قتل الجيش الإسرائيلي المصوّر البريطاني، جيمس ميللر،  في رفح، والذي كان يصوّر من أجل إعداد فيلم عن أطفال فلسطين، ادّعى الإسرائيليون، وكعادتهم، في حينه «أن الفلسطينيين هم الذين قتلوه». كان ميللر يحمل راية بيضاء ويخرج من المنزل مع صحفيين بريطانيين حين اغتاله قنّاصة مدرّبون خصيصاً من الجنود الإسرائيليين لتنفيذ الاغتيالات، فقتلوه بطلقات في رقبته. واليوم،  وبعد خمس سنوات من العمل المضني والمكلف لعائلة ميللر، وبعد مفاوضات بين وزيرة خارجية الكيان ليفني، المعروفة بتبريرها لقتل الأطفال في غزّة على يد القنّاصة الإسرائيليين، وبين الحكومة البريطانية، تمّ التأكد من أن الجنود الإسرائيليين هم الذين قتلوه رغم أنّ «القضاء الإسرائيلي» كان قد أسرع بتبرئة القتلة من قبل. والفرق بين قضية ميللر وقصة الإعلاميين والمصورين الآخرين الذين قتلهم الإسرائيليون قبله أو بعده، وصولاً إلى قيام القنّاصة الإسرائيليين بالقتل العمد للمصور الصحفي الفلسطيني الذي يعمل لوكالة رويترز، فضل شناعة، هو أن عائلة ميللر امتلكت أدوات وإرادة متابعة القتلة الإسرائيليين، بينما لا يمتلك الفلسطينيون الواقعون تحت طغيان إرهاب الاحتلال البغيض تلك الأدوات.، وبالإضافة إلى سعي سلطات الاحتلال العسكري إلى إغلاق عدسة ميللر وشناعة وغيرهما من جرائم الاغتيالات والقتل والخطف التي يرتكبها العسكريون الإسرائيليون بحقّ المدنيين العزّل في فلسطين، فإنّ هدفهم الأساسي هو إرهاب المصورين والصحفيين الآخرين كي لا يقربوا مواقع الجرائم التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي يومياً، وكي تقتل إسرائيل المدنيين العرب من الأطفال والنساء والشباب دون أن يكون هناك شاهد على جرائمها ضدّ الإنسانية، أو وثيقة يمكن أن يظهرها المدافعون عن قدسية حياة الإنسان للعالم. والسبب ذاته هو الذي دفع كلا من مندوبي البلدان «الديمقراطية» و«المتحضرة»، الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا،  أن يغادروا قاعة مجلس الأمن لأن المندوب الليبي، ابراهيم الدباشي، قد شبّه الوضع الإنساني في غزّة بأنّه «لا يختلف عمّا جرى في معتقلات النازيّة»، مع أنه من المعروف الآن أن الإسرائيليين يستخدمون خبرات تراكمت عالمياً في قمع وإرهاب واحتلال فلسطين وشعبها، وهذا واضح من الأساليب والأدوات المستخدمة،  بما في ذلك التغطية السياسية والإعلامية على جرائم الحرب. والغريب هو أنّ هؤلاء المندوبين لا يغادرون قاعة المجلس احتجاجاً على من أوصل الوضع الإنساني في غزّة إلى درجة غير مقبولة، بكل المعايير المعترف بها دولياً، أخلاقياً أو إنسانياً، ولكنهم يعترضون على من يوصف الحالة، سعياً إلى مناقشتها واتخاذ القرار السليم بشأنها، ووضع حدّ للقمع والإرهاب الشامل الذي يقوم به الإسرائيليون ضدّ مليون ونصف إنسان من المدنيين العزّل وبشكل يجب أن يندى له جبين حلفاء إسرائيل من «الديمقراطيات المتحضرة» خجلاً. هذه هي بعض من مظاهر الحرب الإعلامية الإسرائيلية التي تنشر الأكاذيب والإشاعات والإرهاب والقتل ضدّ من يحاول كشف حقيقة جرائمهم وإظهار أبعادها إلى الرأي العام العالمي.

       ولكي لا تصبح «الديمقراطية» متهمة بإخفاء أو حجب المعلومة، فإنها، بعد مائتي عام أو ربما خمسين، تسمح بتسريبها أو تصوير فيلم وثائقي عنها، بعد أن يكون قد تحقق الغرض من حجبها، وانتقلت الأسرة الدولية إلى أمور أخرى في دائرة اهتماماتها وأصبحت أخبار الجرائم المرتكبة من الماضي. وفي هذا الإطار بالذات يقع ما نشرته النيويورك تايمز في 20 نيسان 2008 بقلم الصحفي دايفد بارستو بعنوان «يد البنتاغون الخفيّة خلف المحللين العسكريين» وأفاد المقال بأن البنتاغون قام بإعداد محللين عسكريين أمريكيين كثيرين كي يعملوا بأجر مدفوع كمحللين تلفزيونيين وأنهم اطلعوا على إفادات خاصة، وقاموا برحلات، أحياناً في طائرة يستخدمها عادة نائب الرئيس ديك تشيني، لإعطائهم وجهة نظرهم في القضية، وظهر كثيرون من هذه المجموعة في ما بعد كمعلقين في شبكات التلفزة الأمريكية. وقال كينيت ألارد مدرّس المعلومات الحربية في جامعة الدفاع القومي: «إن الحملة كانت بمثابة عملية متماسكة ونشطة ومتطورة لنقل المعلومات» وأضاف «كنت أشعر أن الفجوة تزداد بين ما يقال وينقل للمحللين في إفادات خاصة وما كشف عنه فيما بعد في التحقيقات والكتب»، وأكّد «يومياً... كنت أشعر أننا نُخدع»، كما قال بعض المحللين «أنهم دفنوا شكوكهم بشأن الوضع في العراق خشية تعريض عملهم للخطر». حدث ذلك في صيف 2005 عندما كانت الاتهامات منتشرة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في المعتقل الأمريكي غوانتانامو.

       والدارس لمثل هذه المواضيع يجد عشرات الأمثلة من تغطية إعلامية محكمة تسير باتجاه، بينما الحقائق والأحداث تؤشر باتجاه إجرامي آخر مغاير تماماً. ولا نبالغ بالقول إنّ هذه المفارقة أصبحت سبباً رئيساً للمعاناة الإنسانية التي لا تجد لها مخرجاً في حروب تجري في الظلام، وبيوت تُهدم، وأطفال يُذبحون، ونساء تُرمَّل دون أن يتمكن الإعلاميون من إيصال صوت الضحايا لكلمة مطبوعة في جريدة، أو خبر، أو لعدسة كاميرا، حيث أن المحلّلين الإخباريين والمصورين أنفسهم أصبحوا هدفاً رسمياً لهذه الحروب، فإما أن يُقتلوا وإما أن يسافروا بطائرات خاصة ويتقاضوا أجوراً مجزية ويدفنوا شكوكهم في ضمائرهم المعذّبة. وقد وصلت هذه المفارقة حداً يكاد يكون غير مسبوق في السجال الذي دار مؤخراً بين الرئيس الأسبق كارتر ووزيرة الخارجية رايس، حيث قالت رايس في الكويت إن وزارتها «حذّرت الرئيس كارتر من التوجّه للمنطقة، ومن الاتصال بحماس بشكل خاص»، بينما جاء في بيان صادر عن مركز كارتر ومقرّه أتلانتا إنّ «الرئيس كارتر يحترم رايس ويعتقد أنها شخصية صادقة. لكنها تستمرّ وربما دون قصد في إصدار تصريحات غير حقيقية»، وأضاف البيان: «لم يطلب أحد في وزارة الخارجية أو أي جهة رسمية أخرى من كارتر عدم القيام بزيارة للشرق الأوسط مؤخراً أو حتى اقترح عليه عدم الاجتماع مع زعماء من حماس». أن يصل تشويه الحقائق إلى هذا المستوى الأعلى في الدبلوماسية الأمريكية فهو أمر يدعو للقلق بالفعل. والقلِق الأول هو القارئ والمشاهد، فأيّ أخبار يقرأون وأيّ صور يشاهدون إذا كانت الجهات المسؤولة، مثل وزيرة الخارجية نفسها، تعمد إلى تصنيع المعلومات أو حجبها بطريقة تسمح فقط للآراء التي تخدم عملياتها السياسية أو الحربية بالظهور. إنّ تصريح نائب مندوب الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن إليخاندرو وولف لجريدة الأخبار اللبنانية عمّا جرى في مجلس الأمن يثير ليس القلق وحسب، بل والاشمئزاز بالفعل حين قال «إنّ المندوب الليبي يفتقر إلى المعرفة بالتاريخ فغزّة ليست محتلّة ومثل هذه الخطابات هي المعرقل الحقيقي للحلّ في الشرق الأوسط. حماس هي التي بدأت إطلاق الصواريخ على المدنيين الإسرائيليين وانقلبت على الحكومة الفلسطينية، وهي التي تعطّل الحوار». والصحيح هو أنّ نائب المندوب الأمريكي جاهل جداً «بالتاريخ والجغرافية معاً»، فهل غزّة مكان يتمتع فيه الفلسطينيون بحرية الحركة والحياة الطبيعية؟. فإذا كان السجن الإسرائيلي المحكم على مليون ونصف مدني فلسطيني ليس احتلالاً فما هو الاحتلال؟ أوَ ليست الحقيقة أنّ المعرقل للحلّ في الشرق الأوسط ليست هذه الخطابات، وإنما الاحتلال العنصري الذي تفرضه إسرائيل بقوّة السلاح الأمريكي على الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى جرائم التطهير العرقي والعقوبات الجماعية التي تمارسها إسرائيل يومياً في الأراضي المحتلة، وهي جرائم يحميها الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الذي يمارسه مثل هؤلاء الذين استخدموه أكثر من أربعين مرّة لضمان استمرار إسرائيل بارتكاب جرائمها ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل الواقع تحت أبشع احتلال عسكري عرفته البشرية. وحماس ليست من بدأ بإطلاق الصواريخ، بل جاءت هذه بعد عقود من الاحتلال الإسرائيلي المفروض على شعب يقاوم الاحتلال ويرفض العبودية لنظام لا يعرف غير العدوان. وحكومة حماس هي الحكومة الفلسطينية المنتخبة التي انقلبت عليها حكومة إسرائيل وحكومات حليفاتها «الديمقراطية». فكيف تنقلب الحكومة الفلسطينية المنتخبة على نفسها؟! ومن المعلوم أنّ إسرائيل هي التي تعطّل الحوار وتمنع الحوار بين الأشقاء الفلسطينيين، وهي التي ترفض مبادرة السلام العربية، وتشنّ الحروب على لبنان، والاعتداءات على سورية. إذا كان تصريح نائب المندوب الأمريكي في مجلس الأمن يحتوي على كلّ هذا القدر من الأكاذيب والمغالطات، فمن أين يأخذ الرأي العام في دول «ديمقراطية» ينتشر فيها «الإعلام الحرّ» معلوماته عمّا يجري في أصقاع بعيدة في العالم؟

       لدى أصحاب الحقوق المسلوبة والأوطان المحتلة معركة حقيقة في الإعلام عليهم أن يخوضوها من خلال تأمين المصدر الصادق والنزيه للخبر،  والكاميرا القادرة على التقاط الصورة وإيصالها للمشاهد في كلّ مكان. دون ذلك تقف الخطط لقتل واستهداف الصحفيين والمصورين الأحرار والذين يقبع بعضهم في غياهب غوانتانامو والسجون السريّة مثل سامي الحاج، فقط لأنهم حملوا الكاميرا وأردوا نقل الصورة. لقد أصبحت الكلمة والصورة بخطورة الحقيقة بالنسبة للقتلة الذين تشنّ أنظمتهم الحروب على الشعوب العربية في فلسطين والعراق ولبنان وغيرها. والمشكلة هي أنّ الطغاة الذين يشنّون الحروب الظالمة على الشعوب الآمنة أصبحوا يتحكّمون بمصدر الكلمة، ووجهة الصورة، مما يزيد من ضحايا الاحتلال والعدوان. كما أصبح الطغاة قادرين في الدول «الديمقراطية» على منع وسائل الإعلام «الحرّة» من التغطية، وقادرين أيضاً على إجبارها على ترويج الزيف الذي يخدم أغراضهم الدموية وأهدافهم الإجرامية. لقد أصبحت الكلمة والكاميرا بأهمية الحقيقة، فمن يستخدمهما، وكيف،  ولماذا؟