صناعة تحويل المآسي والكوارث إلى نجاحات هائلة في ذهن أصحاب القرار!

د. بثينة شعبان

29 كانون الثاني 2007

 

في خلاف غير مباشر نشأ بين وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، وبين فيكتور إتش مير، أستاذ اللغة الصينية في جامعة بنسلفانيا، حول معنى كلمة «wei-ji» لن يتردّد عاقل في أن يثق بما قاله أستاذ اللغة الصينية، خاصّة وأنّ رايس اعترفت أنها لا تقرأ الصينية، ولكن اعتمدت على ما «قيل لها» أنّ التوصيف الصيني للأزمة هو «wei-ji» والتي تعني «الخطر والفرصة»، وقالت «هذا تعبير جميل وعلينا أن نطوّر الفرصة». ولكنّ أستاذ اللغة الصينية فيكتور مير قال إنّ صناعة كاملة قد نشأت حول هذه الصياغة العارية عن الصحة والدقّة حيث أكّد أنّ «wei-ji» تعني «أزمة حقيقة، أزمة خطيرة، حين تبدأ الأمور بالانحدار نحو التيه». والفرق بين المعنى الحقيقي للكلمة، المليء بالخطورة،  وبين المعنى الذي تمّ نقله للسيدة رايس،  المعبأ بالفرص،  يشبه إلى حدّ بعيد جداً الفرق بين ما يجري في الشرق الأوسط وما يتمّ إعلام السيدة رايس بأنه يجري، وهو الفرق ذاته بين الخطوات التي يجب القيام بها كي يكون الشرق الأوسط والعالم أكثر أمناً واستقراراً، وبين ما يقال للسيدة رايس أنه يجب القيام به كي يكون الشرق الأوسط أكثر أمناً واستقراراً. فكما أنّ السيدة رايس تتطوّع لترجمة مصطلح صيني دون أن تكون ضليعة بالصينية فترتكب بذلك خطأً لغوياً فادحاً، فهي أيضاً تتطوّع بوضع حلول لشرق أوسط لا تعرفه، ولا تعرف شعبه وثقافته أو طموحات أبنائه وبناته، ولا تعرف حتى حجم المأساة التي ألحقتها السياسة الأمريكية بحياة العشرات من الملايين من أبنائه وبناته سواء بشكل مباشر من خلال حرب دموية تدميرية على العراق، أو من خلال الدعم اللامحدود والذي وصل اليوم حدّ الشراكة في سياسات التطهير العرقي الإسرائيلية ضدّ العرب في فلسطين.  فالعراق الذي تراه رايس من على ارتفاع 37000 قدم يبدو متلألأً وهادئاً، ويصعب على من يسافر على متن طائرة وزيرة الخارجية الخاصّة أن يتخيّل ماذا يعني العنف والقتل والخطف وانعدام الأمن المطلق للأطفال والنساء والرجال العراقيين. إذ كيف للسيدة وزيرة الخارجية أن تعرف ماذا يعني خطف طبيب الأطفال صلاح مهدي حمزة، والذي رفض مغادرة العراق كي يساعد الأطفال المحترقين بنيران الاحتلال، وماذا يعني ذلك لزوجته التي دفعت كلّ ما تملك كي يعيده الخاطفون إليها كما وعدوا في اليوم التالي، فأعادوه جُثّة ملقاة على باب عيادته، وهو واحد من مئات الأطباء والعلماء وأساتذة الجامعة العراقيين الذين لاقوا المصير ذاته. وهل لدى السيدة وزيرة الخارجية فكرة عمّا نشرته جريدة شيكاغو صن تايمز بأنّ عصابات مجرمة في الولايات المتحدة تتسلل إلى الجيش الأمريكي، وأنّ هناك توثيقاً اليوم لوجود عصابات مجرمة تسللت إلى الجيش تقوم بارتكاب الجرائم في مواقع الخدمة، ومنها العراق، لأنّ «دخول أعضاء عصابات في الجيش الأمريكي يمكن في النهاية أن يقود إلى انتشار عالمي للعصابات من القواعد الأمريكية المنتشرة في العالم».

       والفرق بين فهم السيدة رايس للصينية، وفهم أستاذ اللغة الصينية شبيه بالفرق بين ما يعلنه كاري سامور بعد زيارته محطة توليد الطاقة في أصفهان، وبين ما ينقل لها من مصادر المخابرات الإسرائيلية. وكاري سامور، نائب رئيس مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك والذي كان عضواً في مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس كلينتون ومبعوث الرئيس الخاص في  قضايا «الانتشار النووي»، لم يعتقد أنّ إيران لديها القدرة لصناعة القنبلة في السنوات القادمة، ولكنّ تقييمه يتناقض مع تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية والتي تتحدث عن « عتبة تقنية» يمكن أن تعبرها إيران هذا العام، وأنّ إيران يمكن أن تنتج قنبلة خلال سنتين أو ثلاثة. وجواباً على سؤال: هل يعتقد أن الإسرائيليين هم الذين يدقّون جرس الإنذار حول إيران؟ يقول نعم، «فالولايات المتحدة بعيدة، وأوروبا قانعة وراضية، وروسيا يمكن أن تعارض أسلحة نووية في إيران ولكنها لا تراها كنهاية العالم.. ولكن على المرء أن يأخذ بالحسبان أنّ أسلحة في إيران سوف تؤثر على الاحتكار الإسرائيلي لهذه الأسلحة في المنطقة»

       والفرق هذا هو ذاته بين ما كان خافيير سولانا يعتقد أنه الواقع في فلسطين وبين ما وجده على أرض الواقع من مستوطنات إسرائيلية، فقد قال: «أنه صُدم حين زار المدن العربية في الضفة الغربية على الضفاف الشرقية من القدس، صُدم بنموّ المستوطنات وبحاجز (جدار الفصل العنصري) والذي يخترق الأرض التي يريدها الفلسطينيون كدولة» والصحيح هو أنه  "يقضم الأرض التي يملكها الفلسطينيون ويسلبها لصالح الاستيطان". والفرق هو ذاته بين الضجة التي أثيرت حول كتاب جيمي كارتر والتي لم تناقش أي فكرة أو مفهوم في الكتاب سوى العنوان، إذ انشغل الجميع بكيف يُقدم رئيس أمريكي على تسمية النظام الإسرائيلي بالعنصري غير آبهين بالواقع الفعلي للإجراءات العنصرية اليومية التي تقوم بها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين وعمليات التطهير العرقي ضدّهم، وما تحضره اليوم من أجل الاستيلاء على المسجد الأقصى وحتى من أجل خطف التراث الفلسطيني كله بما فيه الكوفية بعد أن خطفت المدن، والآثار، والموسيقى، والملابس، والمأكولات الفلسطينية لتدّعي أنها يهودية. ومن لا يستطيع التحقق من عنصرية إسرائيل حيال العرب، ليقرأ ما كتبه الكاتب الإسرائيلي يوري أفنيري حول منع السائقين الإسرائيليين من أخذ ركاب فلسطينيين ومنع الفلسطينيين من السير في الطرقات التي يسير بها الإسرائيليون، وقد أوضح أفنيري في مقالة في الكاونتر بانش الإجراءات العنصرية الإسرائيلية التي تختلف أحياناً وتتطابق أحياناً أخرى مع إجراءات نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا.

       والخطورة في المفارقة الشديدة بين الواقع وتأثير السياسات عليه، وبين العالم المتخيّل الذي يضع بعض صنّاع السياسة أنفسهم فيه هي أنها تقود العالم إلى صراعات دموية ونزاعات كارثية تدخل الجميع في نفق مظلم من العنف والإرهاب لا يعلم أحد كيفية الخروج منه. والمروّجون لبعض المفاهيم يرون في العالم عالمين، عالم غربي يريد درء الأخطار عنه، وعالم آخر مسلم يدخل في صراعات تزداد حدّة نتيجة الاحتلال والحروب والحصار والعقوبات. ومن أجل الوصول إلى الأهداف التي يرسمها البعض يتمّ تلخيص الشرق الأوسط بجملة مختزلة، أو يتمّ تلخيص شعوب أو أمم أو دول بشخص الحاكم،  أو تنميط عالم الإسلام الشاسع ببعض المقولات تصدر من هنا وهناك دون ملامسة الواقع الفعلي لهذه الشعوب والبلدان والأمم والثقافات. وقد بدأنا نلمس نتائج هذه المفارقات بين السياسات المبنيّة على الوهم، وبين الواقع الفعلي في كتابات وإجراءات يجب أن تثير جرس الإنذار لدى كلّ الحريصين على الأسرة الإنسانية والمؤمنين بوحدة مصيرها. فها هي جريدة الغارديان البريطانية (22-1-2007) تنشر ما كتبه الصحفي كاري يونغ «أنّ غير البيض أكثر عرضة للمساءلة في المطارات، وقد يصل احتمال مساءلة الشخص الأسمر إلى عشرة أضعاف احتمال مساءلة الشخص الأبيض». وها هي بعض الدول تقول أنّ سبب الذعر من امتلاك إيران أسلحة نووية، هو أنّ «إيران بلد شرير"،  بينما لا يثير امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية مثل هذا الشعور بالخوف لدى العالم "والمقصود لدى إسرائيل". وهؤلاء الذين شغلوا وسائل الإعلام بمشروع قرار يمنع إنكار الهولوكوست لم يتوقفوا عند حقيقة أنّ العنصرية النازيّة قتلت اليهود والعرب والمسلمين والبولنديين والروس، ولم يلتفتوا إلى حقيقة أنّ النازية انهزمت منذ ستين عاماً وانتهت جرائمها ضدّ اليهود والروس والأوروبيين، أما العرب والمسلمين فإنهم اليوم ضحايا العنصرية،  غير النازية هذه المرة،  المسؤولة عن الكوارث التي تتعرض لها البشرية اليوم كما في التاريخ، وإنّ علائم العنصرية ضدّ المسلمين والدين الإسلامي بدأت تأخذ أشكالاً وسمات لا يختلف اثنان على آفاقها الخطيرة في المستقبل إذا ما تُركت دون معالجة. إنّ كاتباً مثل هنريك إم برودر، كتب في دير شبيغل مقالاً بعنوان «الغرب والإسلام، هل نحن نستسلم!» مفاده أنّ أي احترام للمسلمين أو لنبيّهم أو لعاداتهم أو لحضارتهم وتاريخهم هو دليل على انهزام الغرب أمام المسلمين، وهذا أمر غير مقبول للكاتب الذي يتساءل في المقال «هل الاحترام والتعايش هما الأسلوب الصحيح للتعامل مع ثقافات تتصرف من جهتها دون احترام أو تعايش؟».  وبما أنّ حديثه كله عن الدين الإسلامي والمسلمين فمن الواضح أنه يعيش ذهنياً المفارقة بين اتهامه الثقافة الإسلامية بعدم الاحترام والتعايش، وواقع هذه الثقافة العالمية بجوهرها وطبيعتها التي أصرّت منذ بداية الدعوة لها على حقوق وكرامة الإنسان بغضّ النظر عن الدين والعرق واللون والجنس، والتي فتحت أمام عيون العالم آفاق العلم والمعرفة الرحبة.

     هذه المفارقات بين الوهم الذهني والواقع الفعلي لدى صنّاع الرأي والقرار تؤدي إلى ما نشهده اليوم من هجمة عنصرية شرسة ومن الحروب والاحتلال والعدوان وهي بالتأكيد العتبة لتفجير صراعات أشدّ خطورة مما شهده العالم حتى اليوم. وهل يمكن الشعور بالطمأنينة إذا كان الفارق بين الواقع المعاش وبين تصوير هذا الواقع لصنّاع القرار الأهم بالعالم أصبح فارقاً خطيراً ينمّ عن حالة طلاق حقيقية بين الواقع والمفهوم؟ وهل تصنيع هذا المفهوم المختلف جداً عن الواقع الفعلي ناجم عن صناعة خبيثة للأوهام الذهنية لتوريط العالم أكثر وأكثر في صراعات يمكن تجنّبها بسهولة لو تمّ تحكيم العقل المسلّح بالمعرفة والحكمة؟ وهل هناك خطر أكبر من أن يصرّ نائب رئيس القوّة الأعظم في العالم بأنّ العراق يسجّل «نجاحات هائلة» (الواشنطن بوست 25-1-2007) بينما يجمع العالم برمّته أنّ العراق يعيش «كارثةً رهيبة» أودت بجوهر وهدف الحياة كما يعرّفها كلّ البشر؟  إنّ المؤشرات جميعها تشير إلى أنّ العالم باشر ولوجه إلى النفق المظلم، فهل يمكن الحلم بوقفة جادّة وجريئة تغيّر المسار،  أم أنّ الوقت قد تأخّر لأبناء جيلنا كي يشهدوا مثل هذه الوقفة الضرورية اليوم؟