جرس إنذار: الغربيون ينشرون شموليتهم الجديدة بالحرب
د. بثينة شعبان
5 تشرين الثاني 2007
كنت واحدة من ألف امرأة تم ترشيحهن كمجموعة لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2005، ألف امرأة من كلّ أقطار العالم عملن واجتهدن وكتبن وقدّمن تضحيات من أجل إحلال السلام على الأرض، ولكن الجائزة في ذلك العام مُنحت للمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية السيد محمد البرادعي اعترافاً بما قدّمه هذا الرجل من أجل وقف انتشار الأسلحة النووية في العالم وإبعاد أخطارها عن البشرية، وربما استشرافاً لما يمكن أن يقدّمه أيضاً في المستقبل في هذا الموضوع الذي يقلق كلّ إنسان على وجه الخليقة. وفرحنا بأن "محمداً" قد نال جائزة نوبل للسلام في الوقت الذي تعرّض له هذا الاسم لحملات تشويه عنصرية منظمة تقرن الأسماء العربية بالعنف، والإسلام بالإرهاب وصولاً إلى حملة الكراهية البشعة التي مثلتها العملية المنظمة لنشر الرسوم الغربية التي قصدت الإساءة لسيد البشرية النبي "محمد" (ص). ولكنّ ما تعرض له البرادعي في الأسابيع الأخيرة من "انتقادات" و"تأنيب" من قبل السيدة رايس ووزير الدفاع الفرنسي وغيرهما من ممثلي الشمولية الغربية الحديثة يدفع إلى الصدارة المعايير التي يستخدمها عادة الشموليون ومنهم المحافظون الجدد لتقييم مثل هذه الأعمال والأشخاص، والتي عبر عنها بوش: "من ليس معنا فهو ضدنا". كيف يمكن لمدير مؤسسة بهذه الأهمية والخطورة والذي نال جائزة نوبل لمهنيته ومساهماته في مجال اختصاصه الدقيق، ومن ثمّ، وكما رأينا منذ أيام وأسابيع، يتجرأ على اختصاصه ومهنيته من لا يفقهون في الأمر شيئاً يريدون استخدامه لتمرير مآربهم السياسية الإستراتيجية بالسيطرة على المنطقة الرئيسية لإنتاج النفط، تماماً كما حصل مع السيد هانز بليكس، قبيل الحرب على العراق. ولندقق فيما قاله البرادعي لنرى أسباب وأهداف هذه الحملة ضدّه.
بصدد الاعتداء الإسرائيلي على سورية قال البرادعي: "لدينا نظام إذا كان لدى أي دولة معلومات بأن دولة أخرى تعمل على برنامج ذي علاقة بنشاط نووي فعليها إبلاغنا... لكن أن تقوم بعملية قصف أولاً، ثم تطرح أسئلة، فأعتقد أن هذا يقوّض النظام ولا يؤدي إلى أيّ حل (CNN, 30/10/2007). إذاً ما طلبه البرادعي هو ببساطة تطبيق النظام الدولي الذي وضعته جميع الدول بما فيها الولايات المتحدة والذي تطبقه وكالته على كلّ دول العالم، والذي لو خرقته أي دولة أخرى بالطريقة التي خرقته إسرائيل ضد العراق في الثمانينيات، وضد من تشاء لتعرضت تلك الدولة لأقصى العقوبات من "الأسرة الدولية". وكان البرادعي، يدافع عن مؤسسته الدولية، وعن الأسلوب والمنهج الملزم دولياً باتباعهما حين قال: "إن سياسة اضرب أولاً ثم اطرح الأسئلة بعد ذلك تقلل من شأن وكالة الطاقة ولن تزيل الشكوك" أوليس من يقول ذلك هو الشخص نفسه الذي نال جائزة نوبل لمهنيته واحترافه وخدماته في مجال تخصصه وعمله؟. وبالنسبة لإيران فقد قال البرادعي "أن هناك الكثير من الوقت لحلّ النزاع المتعلق ببرنامج إيران النووي وأن الدبلوماسية هي الحل الوحيد". وهذا بالضبط أيضاً ما قاله كبير مفتشي الأمم المتحدة السابق في العراق هانز بليكس: "لا أعتقد أن هناك خطراً الآن، الرئيس بوش يتحدث عن 2015 حيث يمكن أن تمتلك إيران السلاح النووي ولذلك فهناك الوقت للتفاوض مع إيران بطريقة حكيمة" وقد تحدى بليكس تأكيدات الرئيس بوش "بأن ايران تشكل خطراً نووياً وأن على العالم أن يتخذ عملاً وقائياً منها". وكانت مؤسسة سيدني للسلام قد منحت هانز بليكس جائزة المركز للسلام لعام 2007 وذلك "لمعارضته المبدئية والشجاعة للحرب على العراق ودفاعه طوال حياته عن اللاعنف وقيادته لبرامج إزالة الأسلحة". ولكن رغم آراء هؤلاء المختصين في هذا الشأن فإن وزير الدفاع الفرنسي يجرؤ على القول: "معلوماتنا التي تدعمها دول أخرى، تناقض تصريحات البرادعي". الدولة الأخرى التي هي مصدر تلك "المعلومات" المناقضة لتصريحات البرادعي هي إسرائيل والتي كانت مصدر "معلومات" عن آلاف المشتبه بهم من العرب في أوروبا والعالم حيث تدفع أجهزتها المخابراتية لتضييق الخناق عليهم والتنكيل بهم،ووصمهم بالإرهاب بهدف ترحيلهم أو زجهم بالسجون السرية حيث يتعرضون للتعذيب والقتل و"الاختفاء".
إذاً بماذا ينذر هذا التعامل مع أخطر المواضيع المطروحة على الساحة الدولية؟ لقد قال هانز بليكس "إن هذا ينذر بسباق تسلح وعودة الحرب الباردة"، ولكن وبالإضافة إلى هذا، فإنه ينذر بتبنّ ٍ شامل "لمعلومات" تقدمها مخابرات لجهات تروّج للحروب، والدمار، والقتل، والعنف، والإرهاب في وجه معلومات يقدّمها مهنيّون معروفون وخبراء دوليون معترف بهم يرفعون أصواتهم الصادقة ويتخذون المواقف السليمة للدفاع عن الحقيقة، ولكن مروجّي صناعة السلاح والمستفيدين من هذه الحروب الذين أفلتوا من أي محاسبة على ما ارتكبوه من قتل أكثر من مليون عربي في العراق ولبنان وفلسطين وتهجير الملايين، بل أن منافع الحرب وغنائمها تشجعهم لاستكمال مشروعهم الشمولي الحاقد بالسيطرة على موارد المنطقة بهدف تحقيق حلم كل الشموليين والطغاة وهو السيطرة على العالم وإخضاع البشرية لأفكارهم ومشاريعهم. وإن ما يحدث اليوم مع المدير العالم لوكالة الطاقة الذرية هو امتداد لاستخدام معلومات مشبوهة بهدف الاستمرار بالحرب على العرب وهو التوجه الذي يستهدف المسلمين عموماً، ولكنّ المستغرب هو أن بعض العرب ما زالوا يعتبرون النظام الأمريكي بصيغته البوشية مثلهم الأعلى للديمقراطية! في حين يتخلى عنه أشخاص مثل كارين هيوز، آخر المستشارين الذي يغادرون البيت الأبيض، اعترافاً باعتراضهم على الأقل على سياسات الرئيس بوش وامتعاضهم من نتائجها.
إن المحيّر في الأمر فعلاً هو أننا لا نطّلع على حقيقة ودوافع ومقاصد وأهداف ما يجري من إعلامنا العربي، كجهة ذات سيادة تعارض المشروع الذي يحاك ضد العرب والمسلمين ويحتفظ بعض الإعلاميين لأنفسهم بحق مهاجمة الأنظمة العربية وحسب، ووصفها بالشمولية، وبأنها تحكم من قبل طغاة قساة، وهي تنتهك حقوق وكرامة وحرية "المشتبه بهم". والسؤال هو ماذا فعلت الأنظمة العربية بمجملها الديمقراطي والشمولي، والديني والعلماني، الحديث والتقليدي من ممارسات لم يفعل مثيلها النظام الأمريكي. هل نتكلم عن دور أجهزة المخابرات الذي يتجاوز القوانين والسلطات والمؤسسات الدستورية، وهل نتكلم عن قوانين "طوارئ" وإجراءات "سرية" ضرورية "للأمن الوطني" تمحي المواطن وحقوقه ووجوده؟ هل نتكلم عن كمّ الأفواه لخبراء ومهنيين واحترافيين؟ هل نتكلم عن محاسن "غوانتانامو" واعتقال "المشتبه بهم" أو قصفهم من الجو لنكتشف في عشرات المرات، في أفغانستان والعراق ولبنان والصومال، أن الضحايا هم من النساء والأطفال؟ أم أن العرب يتحدثون فقط عن المدافعين عن حقوق الانسان في الوطن العربي، لا غير، ويمتدحون الديمقراطية الغربية، وحسب، رغم كلّ مفرزاتها الخطيرة علينا وعلى البشرية في السنوات الأخيرة. وإذا كان الجواب أن رئيس الإدارة الأمريكية جاء منتخباً ولم يأت بانقلاب عسكري، نقول ولكن ألم يأت هتلر إلى السلطة منتخباً! هل هناك جريمة أقسى اليوم من قتل مليون عراقي للثأر من مقتل سكان بنايتي التجارة الدولية دون أن يحاسب من قام بهذا الفعل؟ لماذا؟ هل يبرر أن الرئيس الأمريكي انتخب ديمقراطياً من قبل بعض الأمريكيين فهو وأعماله خارج نطاق المسائلة القانونية عن قراره بقتل وتعذيب وتهجير الملايين من العرب؟ هل ارتكب أي زعيم شمولي جرائم ضد المدنيين العرب نوعاً وكماًَ أكثر من الرؤساء الغربيين الديمقراطيين المنتخبين ديمقراطياً، والذين، نعم، يتداولون السلطة فيما بينهم، ولكن يرتكبون ما يشاؤون من جرائم قتل واغتيال وفساد ضدنا؟ من قتل مليون ونصف جزائري ورفض حتى الاعتذار عن ذلك؟ ومن يقتل ويشرّد الفلسطينيين منذ قرابة قرن دون وازع من ضمير؟ إنهم الديمقراطيون الغربيون الذين يتداول رؤساءهم السلطة! ومن يقتل المدنيين العرب بأحدث القنابل وأثقلها وزناً، بأحدث القنابل الذكية، وأكثر الطائرات فتكاً، وأشدّ المخابرات انتهاكاً لكلّ القيم والقوانين؟ ومن يبني السجون السرية، هل هم فقط الشموليون أم الديمقراطيون أيضاً؟ هل منع الحجاب في المدارس الفرنسية موقف شمولي أم ديمقراطي؟ وهل منع المسلمات من المشاركة في دوري رياضي بكندا بسبب الحجاب، وبالتالي إجبارهن على الاختيار بين معتقداتهم وبين التهميش والحرمان، سلوك ديمقراطي فعلاً؟ هل حرمان "الأقليات المسلمة" من التمثيل السياسي في البرلمانات الديمقراطية الغربية موقف شمولي؟ أم فقط إذا امتنعت إحدى الأنظمة غير الغربية عن تمثيل الأقليات في بلدانها تصبح شمولية؟
لقد تجاوز الملايين من أحرار العالم، والذين يتظاهرون ضد الحرب على العراق، ويناضلون ضد ارتكاب جريمة شن حرب جديدة على إيران هذه، وعلى غيرها في المرات القادمة، تجاوزوا جميعاً أكذوبة أن الديمقراطية، كما تمارسها الإدارة الأمريكية اليوم، وكما تمارسها العديد من الدول الغربية، لها الحق في إبادة ملايين البشر الأبرياء لنشر الديمقراطية، وهاهو البرهان تلو الآخر بصفعنا بأنهم لا يحترمون مهنيّة من نال جائزة نوبل للسلام ولا من أثبت أنه كان محقاً وهم المخطئون (هانز بليكس) والذي لو التزموا بمهنيته لما حدثت الحرب على العراق، بل مازالوا يعتمدون على "معلومات" مصدرها أعداء العرب والمسلمين لشنّ حرب على العراق وفرض حصار على سورية وايران وتعذيب كل فرد من الشعب الفلسطيني يومياً ومنذ سنين وتبرئة قاتلي أطفال ليبيا وتبرئة سارقي أطفال التشاد، ومع ذلك لم يسمع بعض العرب جرس الإنذار الذي يرعب الملايين من أصحاب الضمائر في الغرب والشرق فتراهم يردّدون الأسطوانة المشروخة عن الشموليين العرب متناسين الشموليين الغربيين الذين ينشرون الطغيان السياسي والحرب في كل مكان. أي إنذار يحتاجه العرب كي يدركوا أن ما يتمسكون به من أوهام الديمقراطية التي يبشّر بها بوش وأقنعتها قد سقطت في أعين معظم الناس في الغرب والشرق، فهل حان الوقت ليصبح العرب ووسائل إعلامهم جهة مرجعية لحقّ العرب بالعيش أحراراً في بلدانهم؟ هذا هو السؤال الجوهري اليوم.
انتهى