أما آن لليلهم أن ينجلي عنا؟....

د. بثينة شعبان

31 كانون الأول 2007

لم نكن، نحن المعنيين جداً بما يجري لأهلنا وإخواننا في العراق منذ كارثة الاحتلال الأمريكي له، بحاجة إلى تقرير أعدّته الخارجية الأمريكية وتمّ رفعه إلى الرئيس جورج بوش، كي نتأكّد من الاستهداف المقصود والتصفية الجسدية المنتظمة للعلماء والأطباء والمفكرين والمدرّسين وأساتذة الجامعة في العراق. ولكنّ التقرير أكّد، على كلّ حال،  أن وحدات «الموساد» و«الكوماندوز» الإسرائيلية تعمل في الأراضي العراقية خصيصاً لقتل العلماء والمهندسين العراقيين وتصفيتهم جسدياً بعد أن فشلت الجهود الأمريكية منذ بداية الغزو في استمالة عدد منهم للتعاون والعمل في الأراضي الأمريكية، ويؤكّد التقرير أنّ هناك فريقاً أمريكياً خاصاً يساند القوات الإسرائيلية في أداء هذه المهمة الدموية، وأنّ الفريق الأمني الأمريكي يختصّ بتقديم السيرة الذاتية الكاملة، وطرق الوصول إلى هؤلاء العلماء العراقيين، وأنه ترتب على ذلك قتل /350/ عالماً و/200/ أستاذاً جامعياً حتى الآن في الشوارع العراقية بعيداً عن منازلهم. وتستهدف هذه العمليات وفقاً للتقرير الأمريكي أكثر من /1000/ عالم عراقي. إلا أنّ العبارة الجديدة الهامة في التقرير هي أنّ «أحد أسباب انتشار الانفجارات في بعض شوارع المدن العراقية يكون المستهدف منه قتل العلماء». أي أنّ قتل العلماء العراقيين لم يحدث نتيجة عمليات إرهابية غامضة، بل إنّ عمليات الإرهاب تحصد في كلّ مرة عشرات الناس خلال عملية تستهدف قتل عالم أو أستاذ جامعي، أي أنّ هؤلاء العلماء ليسوا ضحايا إرهاب عبثي يُلصقُ بـ «القاعدة» كالعادة، بل ضحايا عمليات قتل متعمّد من قبل أجهزة مخابرات مدرّبة على الاغتيال ولديها قائمة تستهدف سلب العراق خيرة علمائه ومفكريه.

       وقد كتبت جهات عدّة عن هذا الموضوع منذ احتلال العراق إلى حدّ اليوم، من ضمنها جريدة اللوس أنجلس تايمز (8 تشرين ثاني 2007) والتي تحدثت عن خطف وقتل أساتذة الجامعة، كما أشارات تقارير وكالات الأنباء إلى مقتل أكثر من ثلاثمئة أستاذ جامعي، وإلى «هجرة» ثلاثة آلاف منهم بعد الاحتلال الأمريكي الذي استهدف، كما يقول بوش وعلى ذمته، نشر "الديمقراطية" في العراق ليكون «نموذجاً» للبلدان الأخرى في الشرق الأوسط. يترافق ذلك مع حملة منظمة لخطف أشهر وأفضل الأطباء وقتلهم، وتهديد البعض الآخر ودفعهم إلى الهجرة خارج العراق أو مواجهة الموت المحتّم. كما أكّدت الحركة الإيرلندية المناهضة للحرب في تحقيق أجرته منذ شهر آذار 2006 أنّ قوات الاحتلال الأمريكية، ولا ننسى أنها جاءت لنشر "الديمقراطية" تساعدها في ذلك فرق الموت التابعة للموساد الإسرائيلي، يقومون بإبادة «الثروة الفكرية والمهنية» في العراق، مطالبة اليونسكو بحماية من تبقى منهم. وقال التحقيق «رغم أن هناك مغدورين من ديانات وطوائف متعددة»، لكنّ التقرير شدّد على أنّ «النموذج الوحيد السائد هو أنّ الغالبية المطلقة من الضحايا هم إثنياً من العرب حصراً، وأن الاختصاصات الرئيسية المستهدفة هي العلوم والحقل الطبي وحملة الدراسات العليا من الماجستير والدكتوراه ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والأكاديميين الناجحين والمعروفين»

       وتتزامن حملة الإبادة الجسدية هذه مع سرقة المتاحف، وحرق المكتبات، وتفجير الكنائس، والمساجد والجوامع،  خاصة ذات القيمة الأثرية والفنية والمعمارية منها. فرغم كلّ ما مرّ على العراق من غزوات وحشية مدمّرة في تاريخه لم يشهد وحشية مثل التي قامت بتفجير منارتي مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وتفجير مئذنة مسجد «العشرة المبشرة» في حي الزهراء في البصرة. وقد بلغ عدد المساجد، ومراقد الصحابة، ودور العبادة ذات المكانة الواسعة التي تمّ تدميرها منذ احتلال العراق أكثر من عشرين. وفي السياق ذاته يأتي تفجير وحرق المكتبات في الجامعات والمدن، بما في ذلك تفجير شارع المتنبي في بغداد والذي هو الشارع الوحيد في العالم المتخصص كلياً بالكتاب والمكتبات وهو دليل حيّ على ألق فكر وحضارة أبناء ما بين النهرين.

       ولكن هل هي محض صدفة أن تلقى مكتبة الشيخ عفيف النابلسي في مجمع الزهراء في صيدا اللبنانية ذات المصير، من قوات الدمار الإسرائيلية، الذي لقيه شارع المتنبي في بغداد؟  فقد دمّرت الطائرات الإسرائيلية، الأمريكية الصنع، مكتبة السيدة الزهراء في صيدا خلال حرب تموز عام 2006 وهي المكتبة التي كانت تضمّ آلاف الكتب والمخطوطات والمدونات، كما دمّرت أيضاً مكتبة العلامة السيد محمد حسين فضل الله، والتي كانت تعتبر من أغنى المكتبات في المنطقة. كما دمّرت إسرائيل البنية التحتية للمدارس والجامعات والمبرّات والمراكز التربوية والاجتماعية والإنمائية. والشيء ذاته تمارسه إسرائيل منذ عقود في فلسطين، والذي ظهر جلياً خلال اجتياحها للبنان عام 1982،  حين دمّرت بشكل منظّم مراكز الأبحاث والتراث والمكتبات الفلسطينية في بيروت والجنوب، كما اغتالت المئات من الكتّاب والمثقفين والفنانين الفلسطينيين، وتقوم حالياً بحرمان الشعب الفلسطيني من إدخال أي كتاب إلى الضفة والقطاع ضمن سياسة فرض حصار ثقافي وفكري على الشعب العربي الذي شكّل، طوال تاريخه الممتدّ لآلاف السنين، منارة للفكر والثقافة والعلوم والفنون والفلسفة والآداب في التاريخ الإنساني.

       وإذا قرأنا في ضوء ما تقدّم من حقائق ما كتبته جريدة الغارديان البريطانية في 10 آب 2007 عن مصير المكتبة والأرشيف الوطني في العراق، نستطيع أن نحدّد من هم «المتطرّفون» الذين يُتَّهَمون عادةً بحرق مكتباتنا، وبقتل علمائنا، واللذين يصدرون بياناً في موقع للانترنت تتبنى فيه «القاعدة» كعادتها المسؤولية. فقد كتب مايكل هاورد من أربيل مقالاً بعنوان «يخشى من السرقة بعد إحكام القبضة على المكتبة الوطنية العراقية» أنّ آلاف الكتب النادرة والمخطوطات في المكتبة ومركز التوثيق العراقي، وهي أهمّ مؤسسة ثقافية عراقية، أصبحت في خطر بعد أن تمّ احتلال المبنى من قبل قوات الأمن العراقية. وقال سعد اسكندر أمين المكتبة: «لقد حولوا مكتبتنا وأرشيفنا الوطني إلى هدف عسكري، وغداً أو بعد غد، سوف يأتي «المتطرفون» ويهاجمون القوات العراقية هنا» وأضاف «نحن بين فكّي كماشة الإرهابيين والمتطرفين من جهة، والقوات الأمريكية من جهة أخرى». وفي ضوء ما تقدّم نرى أن التخطيط لقتل العلماء، وإحراق المكتبات يتمّ بالتخطيط لهما بين القوات الأمريكية والإسرائيلية في حرب إبادة شاملة ومنظمة على الفكر والإبداع العربي.

       من الواضح من كلّ ما لديّ من وثائق، والتي أشرتُ إلى النزر اليسير منها في هذا المقال، أنّ الإستراتيجية الصهيونية في فلسطين والعراق ولبنان،  وفي أيّ بلد عربي، تقوم على جذب أو تهجير أو قتل العلماء العرب، ونهب الآثار، وحرق المكتبات، ومن جهة أخرى اتهام العرب والمسلمين أنفسهم بالإرهاب، ويترافق ذلك مع منع أبنائهم من دخول فروع الطبّ والعلوم في الجامعات الغربية والأمريكية. ومن الواضح أيضاً أنهم بهذا يحاولون إعادة تجربة إبادة السكان الأصليين في الولايات المتحدة وأستراليا وإقامة دولتهم الاستعمارية الاستيطانية مكان الدول العربية، إذ يحلمون أن تكون هذه منطقتهم بعد مئة عام، ولكنهم أخطأوا العنوان هذه المرة، فهذه الأمة لن تموت ولن يتمكنوا من إبادتها، فقد قتلوا غسان كنفاني، كما اعترفوا مؤخراً، في بيروت فانبعثت مؤسسة غسان كنفاني لتخرّج عشرات الكتاب والمؤلفين، وقتلوا ناجي العلي، فتمّ تأسيس مؤسسة ناجي العلي لتخرّج عشرات الفنانين، وفي غمرة إحراقهم للكتب في العراق نالت الرواية العراقية المرتبة الأولى بين الروايات العربية المترجمة إلى الإنكليزية ونشطت حركة الشعر والكتابة والفنون والموسيقا لدى العراقيين في المهجر.

       هذه ليست المرة الأولى التي يتعرّض فيها العرب لمثل هذه الغزوات الوحشية، فهذه الأمة تعرّضت إلى سرقة فكرها وعلمائها وحرفييها مراتٍ عديدة طوال تاريخها الطويل، وأُفرِغَت بلادنا من أمهر الحرفيين والمهندسين والأطباء الذين صاغوا هويتها أكثر من مرة، وقد كان لذلك أسوأ الآثار طبعاً على تقدمها وحركتها وتطورها ونمائها، ولكنها ما لبثت أن أنجبت البدلاء وإن استغرق ذلك وقتاً، ووضعها في موكب مختلف عما كان يمكن أن تكون لو قدّر لهذه الأمة ألا يمرّ عليها الطغاة من الغزاة ممن سلبوها أفضل أبنائها. فالغزاة من جيوش الأجانب المتوحشين والمتحضرين، القدماء والمعاصرين، على حدّ سواء يستهدفون علماءنا أولاً بقدر استهدافهم ثرواتنا وقلاعنا. فهم الذين أحرقوا مكتباتنا عندما كانت كتبنا رُقماً طينية، وأحرقوها في بغداد والإسكندرية وطرابلس والأندلس عندما تحولت إلى الورق الذي نشره العرب ليكون أداة لحمل ونقل المعارف والحضارة لكلّ البشر. والغزاة الرومان، والتتريين، والمغول والعثمانيين، كالأمريكيين والإسرائيليين أفرغوا عواصم الحضارة الإنسانية: بغداد، ودمشق، والقاهرة، وقرطبة وكلّ المدن العربية التي غزوها، وفي كلّ مرة، من مئات الألوف من الفلكيين، والكيميائيين، والبنّائين، والحدادين، والأطباء، والمعماريين، والسيّافين والصيادلة والأطباء والعشّابين وغيرهم من شاغلي آلاف الحرف التي طورها الإبداع العربي، وحملوهم إلى مواطن الغزو الوحشية لينشروا فيها منتجات الحضارة العربية، وليحرموا أمتنا من فرص التطور والتنمية. هذا ما عمله هولاكو ببغداد، وتيمور بحلب ودمشق وحمص، وهذا ما كرره السلطان سليم العثماني بالقاهرة ودمشق وغيرها من مدن الشام، حين أقام أشهراً فيها وهو يرسل قوافل طويلة يومياً من العلماء والحرفيين وأدواتهم وكتبهم براً وبحراً إلى بلاده لتعميرها. وهذا ما يفعله بوش، وحلفاؤه من طغاة كيان الاستيطان الغربي في فلسطين،  من جديد، بعلمائنا وأطبائنا ومهندسينا ومثقفينا. ولكن عبثاً يحاولون! فالطغاة هم الذين ينتهون وأمتنا تجدد نفسها كلّ مرة رغم ظلام التجهيل، وظلم الغزاة