صانع الكوارث
د. بثينة شعبان
29 تشرين الأول 2007
احتلت أخبار حرائق كاليفورنيا هذا الأسبوع الرقم الأول في نشرات الأخبار العالمية، وكانت توصيفات ما يجري على الساحة تقارب إلى حد كبير توصيفات منطقة تعاني من نشوب حرب على أرضها. فقد أتت الحرائق على مئتي ألف هكتار من الأرض، ودمرت نحو ألف وستمائة منزل، وتسببت بأكبر حركة نزوح بشرية تشهدها ولاية كاليفورنيا في التاريخ الحديث بحيث يُقدّر الذين تمّ إجلاؤهم بنصف مليون شخص. لم يكن الرئيس بوش مسؤولاً هذه المرة عن إشعال هذه الحرائق ولكنه أعلن حالة الطوارئ في ولاية كاليفورنيا، وذلك للسماح بالمساعدات الحكومية بالتدفق على الولاية للتخفيف من المعاناة الإنسانية الناجمة عن هذه الكارثة. وكان أحد مسؤولي الولاية قد أعلن: "الحرائق تنتشر بشكل خارج عن سيطرتنا وإن الولاية تشهد وضعاً أشبه بمنطقة حرب". ولمن يعيش في منطقة الحروب المفروضة عليها من الخارج يعلم بعمق ماذا تعني هذه العبارة وما هي عواقبها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والمستقبلية. وكان من الملاحظ أن الإعلام الأمريكي تناول عواقب ما حلّ بسكان كاليفورنيا بمفردات ولغة وأسلوب مختلف عما يستعمله في الإشارة إلى ضحايا الحرب في العراق أو فلسطين أو لبنان. فمع أنه تمّ إجلاء ما يقارب من مليون شخص ممن فقدوا بيوتهم أو ممن يخشى أن تطالهم النيران فقد امتنع صانعوا الخبر من تسمية هؤلاء "نازحين" أو "لاجئين" أو "مشردين"، وهي اللغة التي تستخدم لضحايا الحروب عادة. وكان اللافت في الأخبار أيضاً أنها لم تركّز على الأرقام بقدر تركيزها على معاناة الناس والحيوانات أيضاً، وعلى ما يطال البيوت من خراب ودمار.
فقد ركّزت الأخبار مثلاً على اشتعال نار في حديقة الحيوانات في سانتياغو، وعرض صور الخيول والطيور التي تفحمت بينما نجت باقي الحيوانات دون أذى. كما ركزت الأخبار على تعطل الإنتاج التلفزيوني وماذا حلّ بحياة المشاهير، وأعمالهم، واستوديوهاتهم، ومسلسلاتهم التي كانوا في طور إنتاجها. كما أوردت الأخبار ما تعرضت له القصور التاريخية مثل "قصر كاشان" والمقتنيات الأثرية به نتيجة هذه الحرائق. ولم تنس الأخبار تكريم رجال الإطفاء والمسعفين ومنح القروض الفورية لمن خسروا منازلهم للبدء بإيجاد بديل لها.
ولا يملك المتابع لهذه الأخبار الكارثية، ومثيلاتها مثل كوارث التسونامي، والزلازل، والأعاصير إلا أن يتعاطف مع الضحايا الذين تعرضوا لمعاناة لا لذنب ارتكبوه بل لحلول كارثة بيئية في ديارهم خرجت عن حدود السيطرة رغم امتلاك الدولة الأقوى في العالم أحدث التقنيات في إطفاء الحرائق. والشعور الثاني الذي ينتاب متابع هذه الأخبار هو المقارنة بين الكوارث التي يعاني منها ضحايا حرب دموية خرجت كوارثها عن حدود السيطرة من نزوح 4.2 مليون وقتل أكثر من مليون مدني، وهي حرب من صنع بوش ومجموعته الحاكمة عن عمد وسابق إصرار في العراق، والأخير هو بلد لا يد لسكانه أيضاً ولا لضحايا حرب بوش فيه بإشعال أو استمرار هذه الحرب، وبين أخبار ضحايا حرائق كاليفونيا. فكما قرأتم فإن أخبار حرائق كاليفورنيا تؤنسن الخبر، وتتحدث بالتفصيل عن معاناة من اضطروا إلى مغادرة منازلهم، ومن تمكن من اصطحاب حتى حيواناته الأليفة معه، ومن استمرّ في تصوير أعماله، كما أنهم لديهم حكومة سارعت إلى إعلان منطقة كاليفورنيا منطقة كوارث ليسمح بتدفق كلّ المساعدات التي تضع حداً لهذه المعاناة البشرية الفظيعة.
والسؤال هو لماذا لم يشعر الرئيس بوش بالإلحاح ذاته بإعلان حالة الطوارئ في العراق علماً أنّ ما تعرّض له الشعب العراقي على يده مباشرة، وبقرار منه، من نزوح بالملايين، وقتل ودمار طال كل بيت عراقي وشمل العراق كله، وغير ذلك من مؤشرات الكارثة مثل سرقة أثار، وانعدام خدمات الماء والكهرباء والعناية الصحية، وقتل علماء وأطفال ونساء يفوق بمئات آلاف المرات ما تعرض له سكان كاليفورنيا؟ ولماذا لم يقرع الرئيس بوش جرس الإنذار العالمي ليتيح تدفق المساعدات العالمية لشعب شهد أكثر من أربع ملايين نازح من منزله، وتجاوز عدد القتلى بين أبنائه المليون، كما تمّ اغتيال أكثر من ألف عالم وصحفي وطبيب وأستاذ جامعي عراقي من ذوي الشهادات العليا في الهندسة والطب و العلوم؟
لو سمحت حكومة بوش لوسائل الإعلام "الحرّة" أن تتناول أخبار كوارث حرب العراق بالطريقة نفسها التي تناولت بها أخبار كوارث كاليفورنيا لاضطرت إلى فرد مئات الصفحات لما حلّ بآثار العراق من نهب وتدمير، ولما حلّ بمكتبات العراق التاريخية العريقة من حرائق، ولما حلّ بقصور العراق التاريخية ومساجده وكنائس من تدمير وحشي قضى على هوية يصعب ترميمها أو إعادتها لما كانت عليه حتى مع توفر أفضل النوايا وأسخى التمويل. لو كان للأخبار أن تتعامل مع كلّ مأساة إنسانية نتجت عن الحرب في العراق مثل تعاملها مع ما حلّ بسكان سانتياغو لاحتاجت إلى إصدارات على مدى أعوام متتالية ولوجد الكتّاب والفنانون مآسي أغرب من الخيال تغذّي أعمالهم الإبداعية لعقود قادمة عن قدرة شخص واحد مثل بوش وتشيني على صنع كوارث تفوق بدمارها ووحشيتها الطبيعة عندما تطلق عنان قواها التدميرية.
الكارثة التي حلت بالعراق وسكانه تختلف عن الكارثة التي حلت بكاليفورنيا بأمر جوهري هو أنها من صُنع من أعلن حالة الطوارئ والكوارث في كاليفورنيا، وأنه هو الذي يصرّ على استمرارها ويغذّيها بمليارات الدولارات كي تبقى مشتعلة ليحرق المزيد من المنازل التي تقصفها طائراته في العراق، وليقتل ويهجر المزيد من المدنيين العراقيين، فبوش لا يرى العائلة التي قتلت عن بكرة أبيها بقصف المروحيات الأمريكية لمنزلها في تكريت والأخرى التي أُبيدت بأطفالها ونسائها في مدينة الصدر، أو الثالثة في بعقوبة وسامراء، وغيرها من كوارث متعددة ينزلها قصف جوي يقال أنه يستهدف "مشتبهين" لنكتشف على الأرض جثث نساء وأطفال أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم عراقيون، وأن سماء العراق مسكونة بكارثة سببها طائرات أرسلها بوش وهي تحمل الموت كل لحظة، لكل منزل عراقي، ولكل عراقي أينما كان، ولا أحد منهم يعلم متى سيكون حتفه، وأين، ولماذا؟ لا بل إن حكومة بوش، والعالم برمته ، بضغط من بوش، لم تتحرك لمساعدة الملايين الأربع من المدنيين العراقيين الذين فقدوا منازلهم، وأصبحوا لاجئين داخل وخارج العراق في أكبر ظاهرة نزوح مأساوية يشهدها العالم منذ نكبة فلسطين عام 1948.
والسؤال هو لماذا لا تساوي، في نظر بوش وطغمته، حياة امرأة في بغداد حياة امرأة في كاليفورنيا؟ ولماذا لا تساوي آثار بابل، مهد الحضارة الإنسانية، "قصر كاشان" ولقاه الأثرية؟ ولماذا لا تساوي حياة العلماء والصحفيين العراقيين حياة مشاهير كاليفورنيا؟
تفيد التقارير الأمريكية بأن الحرب الأمريكية المباشرة على العراق وأفغانستان، وغير المباشرة على لبنان والصومال والسودان، قد كلفت دافع الضرائب الأمريكي إلى حدّ اليوم /2300/ مليار دولار وهذه الأموال أنزلت أبشع الكوارث بالملايين من المدنيين الأبرياء بمن فيهم الأطفال والنساء العزّل الذين فقدوا حياتهم واستقرارهم وأمنهم ومنازلهم ومزارعهم وأعمالهم. فمن هو المستفيد من استنزاف ميزانية الدولة العظمى لصنع الكوارث للملايين من البشر؟ ومن المستفيد من تدمير بلدان كاملة وقتل وتهجير أبنائها وإحراق هويتها من أجل إنفاق هذه الأموال الضخمة؟ لا شك إن شركات السلاح، وشركات النفط، وشركات المرتزقة مثل بلاك ووتر، التي أصبحت من الجهات الرسمية في عالم اليوم التي تمتهن القتل والدمار، والتي تعاقد معها صانع الكوارث القابع بمأمن في البيت الأبيض، هي الوحيدة المستفيدة من تكريس ميزانيات هائلة لإشعال الحروب وإنزال الكوارث وجني الأرباح والفوائد منها. ولهذا السبب لا يستطيع الرئيس بوش، وهو المسؤول الأول عن إشعال كارثة الحرب في العراق وأفغانستان ولبنان وغيرها، أن يتطوع ليعلن حالة الطوارئ في العراق ويدعو إلى إخماد لهيب هذه الحرب التي برهنت أنها كارثية على حياة العراقيين وأمنهم ومستقبل بلدانهم. أما الثمن الإنساني لكل ما يجري والمعاناة التي يتعرض لها معظم العراقيين ممن فقدوا أحباءهم أو أصيبوا بالعجز نتيجة أحداث الحرب فتحتاج إلى أجيال كي تسجّلها توثيقاً وأدباً وفناً وأفلاماً والتي ستفوق أثاره الكارثية صور ومتاحف الهولوكوست، التي أفردوا لها مكاناً في الذاكرة العالمية. وسيكون حكم التاريخ على من أشعل نيران الكوارث في أفغانستان والعراق ولبنان والصومال والسودان، ويهدد بإشعال نيران الكوارث في إيران وأماكن أخرى، أقسى بكثير من الحكم على من أشعل حرائق كاليفورنيا ولكن هذا يأتي بعد حين. فالتهديد الأكبر على الأمن القومي الأمريكي لم يكن العراق ولا أفغانستان، وليست إيران اليوم كما تقول رايس، ولكن التهديد الأكبر هو قرار صانعي الكوارث في واشنطن وقراراتهم الدموية، فهم الذين يشكّلون الكارثة الأكبر، والطامة الكبرى، والتهديد الأخطر للإنسانية، ولعالم اليوم، ولإنجازات البشرية الحضارية بكلّ قيمها ورؤاها المستقبلية▪