الإستراتيجية الدموية: ما أشبه خططهم اليوم بكوارث الأمس !
د.بثينة شعبان
6 آب 2007
خاطبت وزيرة الخارجية الأمريكية، السيدة رايس، في أكثر من مناسبة، مسؤولين عرباً، وخاصة الفلسطينيين منهم بالقول "الأفعال تتحدث بصوت أعلى من الكلمات" وإذا ما طبقنا هذا المعيار على ما تقوله اليوم، في زيارتها الثالثة عشر لمنطقتنا وعلى النتائج الفعلية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، يمكن لنا أن نكتشف مرامي السياسة الأميركية الحالية، وللعقدين القادمين، دون أن نضطر إلى تفسير العبارات المبهمة والمصطلحات الجديدة التي يدخلونها بشكل متواصل على قاموس الصراع العربي-الإسرائيلي، وخاصة تلك التي تتعلق بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وللشعوب العربية في أرضها وحريتها واستقلالها. ويساعدنا في هذه المحاولة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الذي حسم منذ أيام التساؤلات التي أثيرت حول الحرب على العراق، وخاصة انعدام وجود الأهداف التي تمّ إشعال الحرب بذريعتها، حين قال في مقابلة مع شبكة السي إن إن الأمريكية: "لو عادت عقارب الساعة إلى الوراء، فإن الولايات المتحدة سترسل قواتها إلى العراق حتى مع علمها بما تعرفه الآن، بما في ذلك مقتل أكثر من ثلاثة آلاف جندي أمريكي". ولم يكترث تشيني طبعاً بذكر الملايين من العراقيين الذين تم قتلهم أو إعاقتهم أو سجنهم أو تعذيبهم أو تهجيرهم، وذلك لأن كل هذه الجرائم هي موضوع الإستراتيجية الدموية التي يتبناها المحافظون الجدد، وهذا ما أكده تشيني في تصريحه حين أضاف: "اعتقد جازماً بأن القرار الذي اتخذناه فيما يتعلق بالعراق وأفغانستان كان صائباً من حيث الإستراتيجية والهدف" (الحياة 2/8/2007). ولا شك أن القرار الذي اتخذه مجلس الأمن مدفوعاً من الولايات المتحدة (ومن خلفها إسرائيل) بنشر 26 ألف جندي في دارفور السودان يصبّ أيضا في الإستراتيجية والهدف الذين كانا المحرّك الأساسي للحرب الدموية على العراق. كما أن تدخل الولايات المتحدة في الصومال، وفتح أبواب الحرب الأهلية هناك، يخدم الإستراتيجية والهدف ذاتهما. والقول ذاته ينطبق على دعم الحرب الإسرائيلية على لبنان في تموز 2006 بجسر جوي من القنابل العنقودية، وشق الصف الفلسطيني وصولاً إلى الحرب الأهلية، والتهديد بنقل هذه الإستراتيجية الدموية إلى عدد متزايد من البلدان العربية والإسلامية بما يؤكد شن تلك الحرب الصليبية التي أنذرنا بها بوش بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.
ولكن والحق يقال فإن الإعلان عن صفقات الأسلحة الأمريكية إلى المنطقة تعتبر خطوة نوعية في نقل هذه الإستراتيجية الأمريكية من المرحلة التي بدأتها عام 1980 بالزج بعراق صدام في حرب كارثية مع إيران انتهت بعد عقدين من السيناريو المحكم من تسليح ومقاطعات وحصار وحروب مفتعلة بإيصال صدام إلى حبل المشنقة لكي يستمر مفعول هذه الإستراتيجية الدموية بالمزيد من الدماء والخراب، ولتستمر عملية تدمير العراق، وسلب ثرواته، وقتل أبنائه، وتحويلهم إلى نازحين ومهجرّين، أو مقتتلين ومتخاصمين بحيث يبقى الاحتلال المستفيد الوحيد من كلّ هذه السيناريوهات وتنتعش شركاته النفطية وشركات صنع السلاح لتدعم قرارات أخرى تدرّ أرباحاً خيالية عليها، وبذلك تستمر إستراتيجية تدمير العرب، وقتلهم، وإفقارهم، وإضعافهم جميعاً كي تحقق إسرائيل تفوقها الاستراتيجي عليهم جميعاً.
إذا كانت الأفعال هي التي تتحدث و بصوت أعلى من الأقوال، كما تقول السيدة رايس، فإن زيارة غيتس إلى المنطقة تقارب العرب كسوق هائلة للسلاح ضمن الإستراتيجية إياها التي تستهدف إغراق العرب بالمزيد من الدماء والخراب، عبر تأجيج سلسلة متتالية من الصراعات بهدف استنزاف الموارد العربية، وإنهاك الشعوب العربية لدرجة وصول العرب إلى منتصف الألفية الحالية مستهلكين كلّ عناصر ومصادر قوتهم، وتكون إسرائيل خلال كلّ هذه الفترة قد ثبتت احتلالاً استيطانياً في المنطقة، وأصبحت قوة عسكرية ضاربة، يزيدها قوةً انقسام العرب على أنفسهم وانشغالهم بمعارك لا تخدم مصلحتهم أو مستقبلهم. وعلّ أحد الدوافع الأساسية لهذه النقلة النوعية في الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة هو الانتصار الذي حققه لبنان في الصيف الماضي على الجيش الذي لا يقهر، فسارعت مراكز الأبحاث إلى توصيف السيناريو الذي يستبعد إغراق الولايات المتحدة بحرب أخرى على إيران، خاصة وأن نتائج هذه الحرب قد تكون أكثر كارثية على سمعة ومستقبل الولايات المتحدة من حربها على العراق وأفغانستان، واستبدلوا هذا السيناريو بآخر يستهدف شق الصف العربي من جديد، وزج دوله التي لم يتم تدميرها بعد، في آتون التسليح المدمر، وربما في حروب مدمرة قادمة، ويبدو إن هذه الإستراتيجية الدموية ابتعدت استراتيجياً عن مواجهة إيران مباشرة، كما فعلت عام 1980، لتعيد سيناريو زج العرب من جديد في حرب دموية ضد إيران لإنزال المزيد من الكوارث بالعرب وحسب.
من هنا تزامنت زيارة رايس وغيتس مع تصريحات عن مصدر "واسع الاطلاع" في واشنطن قوله أنه "استناداً إلى كبار المسؤولين الاستخباراتيين الأمريكيين، فإن الرئيس جورج بوش قرر أخيراً عدم توجيه أي ضربة إلى منشآت إيران النووية المزعومة" وقد أنهى، ليس التصريح فقط، وإنما السيناريو الذي قدمته رايس، الجدل بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية إلى إيران. فقد تابعنا جميعاً ما كتبه المحللون عن نصائح نائب الرئيس تشيني بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران بينما دعمت رايس المسار الدبلوماسي ويبدو أن الحلّ الذي تمّ التوصل إليه هو تهيئة الأرضية في المنطقة لحروب، تختلق لها الأسباب لاحقا، بين دول المنطقة، و لا تضطرّ الولايات المتحدة أو إسرائيل بالإنفاق عليها، أو تحمّل نتائجها الكارثية بشرياً و اقتصادياً.
إذاً هذا هو التوجه الراهن للإستراتيجية الدموية الأمريكية وأهدافها المستقبلية تجاه العرب ألا وهو إعادة تجربة حرب العراق مع إيران على بلدان عربية أخرى بهدف إنهاكها، واستنزاف ثرواتها، وتدمير اقتصادها بمعارك لا طائل منها سوى أن تكون إسرائيل هي المستفيد الاستراتيجي الوحيد والعرب هم الخاسرون الوحيدون. وكما أن إيران ازدادت قوة بعد حربها مع العراق، وازدادت منعةً بعد حرب الولايات المتحدة على أفغانستان والعراق، يُتوقع أن تزداد إيران قوة أيضاً نتيجة هذا السيناريو الجديد، بينما تستمر الإستراتيجية الدموية بإنزال المزيد من القتل والدمار بالعرب.
الأفعال الأمريكية هذه تؤدي بنا إلى استنتاجين هامين: الأول هو أن الكوارث، التي نزلت بالشعب العراقي وتدمير العراق هما هدف استراتيجي إسرائيلي تنفذه الولايات المتحدة، ولا يتعلق بالعراق وحده بل يستهدف التخلص من أي بلد عربي قويّ أصبح يشكّل بثرواته البشرية والمادية خطراً محتملاً على خطط إسرائيل الاستيطانية التوسعية. ولا يكفي هنا قياس أفعال الولايات المتحدة من منطق أخلاقي صرف باعتبارها مسؤولة عن مقتل وجرح وأسر وتعذيب ونزوح وتهجير أكثر من ثمانية مليون عراقي وتدمير بلد بمؤسساته وأهله ومستقبله لأنّ إخراج العرب جميعاً من التواجد الحضاري الدولي يقع في صلب أهداف الإستراتيجية الأمريكية-الإسرائيلية لمنطقة الشرق الأوسط. والاستنتاج الثاني هو أنّ ما تمت تسميته بالدعوة إلى "مؤتمر سلام للمنطقة في الخريف القادم" هو عبارة عن جهد استراتيجي أمريكي – إسرائيلي تمهيدي مشترك لزجّ ما تبقى من العرب في آتون المحرقة الدموية القادمة، وفي خضم تدفق المسؤولين الأمريكيين والأوربيين، وتصريحاتهم الداعمة لهذا وذاك، وابتساماتهم و قبلاتهم عند اللقاء، لا ننسى الرعاية التي حظي بها صدام، من قِبَلِ مثلِ هؤلاء المسؤولين، قبل وأثناء حربه مع إيران، والتي شجعه عليها سيل من وزراء الخارجية والدفاع الغربيين الذين كانوا يتوافدون على بغداد حينذاك، ولهذا كان الغموض والرمزية، هذه المرة أيضاً، سيّد الموقف في كل ما قيل حول محتوى وهدف هذا المؤتمر، بحيث تحولت قضايا جوهرية مثل القدس، وحق العودة، وحدود الدولة الفلسطينية إلى "مسائل عالقة" أو"أفق سياسي"، وحيث يصبح الاستعداد للمناقشة من قبل رئيس وزراء الاحتلال إنجازاً، كما يصبح "تعليق الإسرائيليين" على المبادرة العربية "فتحاً لا يُستهان به"! و قد ذهبت رايس إلى أبعد ما تستطيع في مؤتمرها الصحفي مع ليفني، وزيرة خارجية إسرائيل، حين قالت: "في نهاية الأمر على الأطراف أن يناقشوا و يقرروا" وطبعاً يتساوى في هذا الطرف الذي زودته رايس ب20 مليار دولار من أسلحة الدمار الإضافية مع الطرف الفلسطيني الأعزل الذي تُحكم عليه إسرائيل أبواب السجن الديمقراطي الكبير!
إذا كان هذا هو السيناريو الأكيد الذي وضعته الولايات المتحدة للعرب للعقدين القادمين فذلك لأن الدراسات التي تجريها مراكز الأبحاث الإسرائيلية تفيد بأن أخطر نتائج حرب تموز هو الوعي الذي خلقته هذه الحرب لدى الأجيال العربية الشابة عن أهميّة مقاومة الاحتلال، ورفض الذلّ والهوان، واستعداد الشباب العربي للانضواء تحت لواء مقاومة الاحتلال من أجل الكرامة والحرية. ولكن كما فشلت الولايات المتحدة بعد عقود من سفكها الدماء في أمريكا اللاتينية وعادت بلدان أمريكا اللاتينية وثرواتها إلى سكانها الأصليين، ستفشل الولايات المتحدة وإسرائيل، وستنتصر الحضارة العربية، و لكنهم سيطيلون فقط دورة العنف، ويتسببّون بالمزيد من المآسي والألم للعرب، نتيجة جهلهم بالتاريخ العربي، وصلف وغرور القوة الذي تَمكّنَ من عقولهم وقلوبهم▪