إعلام أم إيهام:

إعلام "حر" يخوض في دماء الأبرياء!

د. بثينة شعبان

23 تموز 2007

يتزامن وصول توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق ومبعوث الرباعية لعملية السلام إلى الشرق الأوسط، مع كشف صحيفة الأنديبندنت البريطانية (19 تموز 2007) عن الخط الساخن الذي كان يصل مردوخ ببلير أثناء الاستعداد للحرب على العراق. كان توني بلير شريكاً أساسياً للرئيس بوش في الترويج لهذه الحرب، وتبرير ضرورتها، وما كانا يسميانه أهدافها "النبيلة" عبر اختراع "دلائل" استخباراتيه تبيّن أنّها كانت أكاذيب عن "أسلحة الدمار الشامل العراقية". وواضح من تقرير الأنديبندنت أن روبرت مردوخ كان الشريك الذي اعتمد عليه بلير في نشر تبريراته التي يتذرع بها لشن هذه الحرب، والتشهير بمن يقف ضد هذه الحرب.  وقد نشرت الأنديبندنت توقيت اتصالات توني بلير  بمردوخ ونتائج هذه الاتصالات التي كانت تظهر في اليوم التالي بشكل مقالات في صفحة الرأي بجريدة الصن البريطانية، التي يمتلكها مردوخ، كغيرها العديد من وسائل الإعلام "الحرة" في الغرب.  فقد اتصل توني بلير بمردوخ، مثلاً،  في 11 آذار 2003، وفي 12 آذار  شنت جريدة الصن في مقالها الافتتاحي هجوماً على الرئيس شيراك الذي يمكن أن يستخدم الفيتو في الأمم المتحدة ضد قرار الحرب على العراق ووصفته "بالإنسان الرخيص" الذي "يضع الثمن قبل المبدأ والمال قبل الشرف". وفي 13 آذار 2003 اتصل بلير بمردوخ لنقرأ في اليوم التالي في المقال الافتتاحي في جريدة الصن بأن "الرئيس شيراك ماضٍ  في حملته لإنقاذ صدام ولكنّ خيانته ستكلّف شعبه ثمناً باهظاً. وأن هذا الأناني المتورم أنانية قد سببّ أذىً لا يمكن إصلاحه لبعض البنى الهامة، ولكن الهشه للنظام الدولي". وبعد اتصال بلير بمردوخ في 16 آذار 2003 نقرأ في اليوم التالي في المقال الافتتاحي لجريدة الصن البريطانية مايلي: "لقد نفذ الوقت لصدّام حسين. لقد بدأت الحرب على العراق. إن شجاعة وصلابة توني بلير وجورج بوش سوف تشهدان الآن الامتحان الآخير."

     وبعد أن نقرأ هذا ونستذكر،  خلال لحظات،  الدمار،  والخراب الشامل، والكوارث التي تسببت بها هذه الحرب للعراق،  والمآسي الدموية من قتل وتعذيب وتهجير الملايين من العراقيين،  ونستمرّ في قراءة الأخبار لنرى أن بلير ذاته قادم إلى إسرائيل والضفة الغربية لبحث إمكانية إحياء عملية "السلام" بعد أن أعلن الرئيس بوش نيته في إحياء محادثات "السلام" نستطيع أن نتوقع أي محادثات وأي "سلام" وبالحقيقة أي كوارث تنتظر هذه المنطقة لسنين قادمة نتيجة التعنت في سياسات القهر العسكري، وشراء الذمم، والخداع، وتسخير الإمبراطوريات الإعلامية "الحرة" لتبرير هذه السياسات والترويج لها، ومنع التحدث عن نتائجها الكارثية، وتحويل وسائل الإعلام إلى وسائل إيهام لتبرير كلّ ما يريد أصحاب المصالح الكبرى تبريره، بغض النظر عن الواقع، والعدالة، والكرامة، وحقوق الإنسان والشعوب.   

ولا يعلم المرء أيّ "سلام" ينوي الرئيس بوش ووزيرة خارجيته،  والشريك السابق واللاحق لهما،  توني بلير،  تحقيقه في ظلّ إعلان إسرائيل رفضها القاطع لمباحثات الوضع النهائي. لا شك أن إعلان الرئيس بوش عن  نيته عقد مؤتمر "للسلام" لا علاقة له بالرغبة أو النية في تحقيق السلام،  بل له علاقة بالإرث الذي يحرص الرئيس بوش أن يخلّفه بعد أن يرحل،  خاصة في ضوء فشله الذريع في العراق وأفغانستان،  فإن المستشارين الذين ورطوّه في هذه الحرب يخترعون له قضيه يوهمونه بأنها سوف تحقق له ولإدارته مكسباً تاريخياً ولكنها لن تكون بأفضل من "نزهته" الشاقة إلى العراق.  ذلك لأن الأساس في كلّ هذه السياسات والجهود المبذولة لتغطيتها إعلامياً هو الاستهانة بإرادة الشعوب في الدفاع عن هويتها وكرامتها وقضاياها، واستخدام المال والسلاح ووسائل الإعلام لتبرير سياسات الهيمنة والقهر وشراء العملاء. ورغم ذلك كله فقد توصلت شعوب المنطقة اليوم إلى معرفة مايٌحاك ضدّها تحت مسميات مختلفة، وتعلمت الكثير من تجربة الحرب على العراق، وفقدت الثقة بالآلة الإعلامية الغربية وبأكاذيب عديدة تم ترويجها سابقاً، بعد أن أصبحت الأداة الطيّعة بأيدي الطغاة الجدد الذي يقتلون الملايين من أجل تحقيق الحلم الإمبريالي: "إمبراطورية لا تغيب عن قواعدها العسكرية الشمس"!. في مذكرات ألاستر كامبل، يصف لانس برايس، نائب كامبل،  روبرت مردوخ،  بأنه "العضو الرابع والعشرين في مجلس وزراء بلير" ويضيف "كنا نشعر بحضوره دائماً. ولم يتخذ أي قرار في 10 داونينغ ستريت دون الأخذ بالحسبان ردود الفعل المحتملة لثلاثة رجال: غوردون براون، وجون بريسكوت، وروبرت مردوخ".

     لم يراود أحدنا الشك أن الحرب على العراق مرتبطة بالاستراتيجيات الأميركية والغربية للشرق الأوسط التي تستهدف فرض هيمنة إسرائيل السياسية والعسكرية والاقتصادية على الدول العربية.  وقد تزامنت هذه الحرب وغيرها من أساليب القهر العسكري والحصار والعقوبات مع ترتيبات محكمة للإعلام من "الإعلام المرافق للقوات" إلى قتل الصحفيين،  أو منعهم من الوصول إلى المناطق الساخنة، كما يحدث اليوم في العراق وفلسطين وعلى معبر رفح،  رغم المأساة الإنسانية المخجلة هناك، إلى صياغة المصطلحات بطريقة تبرئ الجاني وتدين الضحية، وشراء الذمم في الوسطين الإعلامي والسياسي بشكل واسع. ولكنّ مانشر في صحيفة الأنديبندنت وما سينشر لاحقاً دون شك، سوف يُري أن استخدام الإعلام من قبل دوائر المصالح المهيمنة على القرار السياسي في الغرب كان بأهمية استخدام القوات والأسلحة التابعة لها بكلّ أنواعها. أحد الحقائق الهامة جداً، على سبيل المثال لا الحصر، في الحرب على العراق والتي لم يسلّط أحد الضوء عليها،  هي أن حكومة الولايات المتحدة لم تستدع قواتها إلزامياً للذهاب إلى العراق بل اعتمدت على شركات خاصة لتجنيد المرتزقة وذلك لعدم إثارة غضب الرأي العام الأميركي.  ولو كانت هذه الحرب تخوضها القوات النظامية الأميركية فقط لاستَعَرَ غضب الشعب الأميركي منذ زمن ولما سمح لهذه الحرب بالاستمرار كلّ هذه الفترة.  ولا نزال نقرأ منذ اليوم الأول العناوين العريضة في معظم الجرائد الغربية عن "الخطر المحدق الذي تشكله القاعدة" للولايات المتحدة، وعن توقعات "مصادر استخباراتية" بأن محاولات عديدة تجري من أجل "هجوم على الولايات المتحدة"، انظر مثلاً الهيرالد تريبيون 18 تموز 2007، وقد أصبحت "التقارير الاستخباراتية" في السنوات الأخيرة مصدراً أساسياً للخبر الذي تروّجه الدوائر الحاكمة في الغرب لأنها بعيدة عن التدقيق والتمحيص ويمكن نشرها دون التأكد من أي معلومة فيها، والأهداف في معظمها غير نزيهة. وتعتمد هذه المعلومات "الاستخباراتيه" في معظمها على تضخميم مشاعر الخوف لدى الرأي العام الغربي كي يتقبل الجرائم المرتكبة والحروب التي تشنها قوات "التحالف" أو "الناتو" أو "الإئتلاف" أو "جيش الدفاع"  في العراق وأفغانستان وفلسطين ولبنان. فيما تستمر الأجهزة الاستخباراتية في قتل واختطاف وتعذيب "المشتبه" بهم في سجونها السرية دون أن يتطرق الإعلام لذلك.

أحد أساليب هذه الآلة الإعلامية يتمثل في حجب أية أخبار يمكن أن تناقض التوجه الحكومي أو تمثل ثغرة فيه.

     والأسلوب الآخر هو التشويش والبعد كلّ البعد عن التفاصيل والوضوح في الطرح. وفي هذا الإطار فالإعلام يخلط الحابل بالنابل على مدى السنوات الماضية في العراق بحيث نقف جميعاً مذهولين حول مصادر العنف والقتل وأهداف كلّ مايجري من تفجيرات وخطف وقتل للأبرياء. وللمرة الأولى منذ بداية هذه الحرب تعطي جريدة الغارديان البريطانية (19/7/2007) مساحة للمقاومة العراقية المناهضة للاحتلال تحت عنوان: "حيثما تجد الاحتلال تجدنا" وتؤكد هذه المقاومة أنه لا يوجد في العراق سنة وشيعة وأكراد بل يوجد من هم مع الاحتلال وآخرون ضدّ الاحتلال ويفرز الملحق للمرة الأولى الفرق بين هذه المقاومة وبين العنف العبثي الذي تقوم به جهات أخرى "مجهولة الهوية" ولا يستبعد أن تكون شركات المرتزقة التي تعتمد عليها الحكومة الأميركية في حربها المستمرة على العراق منذ 2003.

والوجه الآخر للتواطؤ بين الإعلام "الحر" في الغرب وبين حكوماته "المنتخبة" والمصالح الكبرى التي تسيّرها من وراء الكواليس،  هو ما تمت تسميته "الحرب على الإرهاب" والتي هي حرب دموية مفتوحة على العرب المسلمين بهدف تدمير وحدتهم القومية إلى الأبد عبر تقويض هويتهم، ونهب ثرواتهم وإعادة احتلال بلدانهم من جديد بذريعة أو بأخرى. ولذلك يستمر الإعلام "الحر" في تشويه صورة العرب المسلمين يومياً من خلال معلومات "استخباراتيه" وتُعتمدُ وكأنها معلومات موثقة وتنشر الشبهات في الصفحات الأولى من الجرائد وبالخطّ العريض.  ولكن إذا تمّ التوصل إلى ما ينفي هذه الشبهة بعد سنوات يتم، إذا ما نشرت، نشرها في الصفحات الأخيرة وبمكان ثانوي بحيث لا يقرؤها أحد وإذا قرأها لا يربط بين هول التوقع وتفاهة النتيجة. فمثلاً نقرأ في صحيفة الحياة في 17/7/2007 أن سويسرا أفرجت عن آخر المعتقلين في مجموعة اتهمت سابقاً بالتآمر لإسقاط طائرة ركاب إسرائيلية ورحل الرجل إلى بلده الأصلي الجزائر.  وكانت السلطات السويسريه قد اعتقلت في العام الماضي ثماني مغاربة بزعم مشاركتهم في مؤامرة إرهابية لكن وجود المؤامرة لم يثبت. وفي اليوم ذاته تصدرت الجرائد أقوال وزير الدولة البريطاني لشؤون الأمن آلان وست أن نحو"30 خلية إرهابية في بريطانيا تعدّ لتنفيذ اعتداءات"! وقد قرأنا أخبار أطباء عرب متهمين بمحاولة تفجير مطار غلاسكو وإلى اليوم أفرج عن بعضهم  دون أن نعلم ماهي حقيقة تلك الأخبار. وتنشر الجرائد صورهم وتتحدث لأيام عن أخطار العرب المسلمين لمجرد الاشتباه بتورطهم!! وبعد أشهر أو سنوات لا أحد يتذكر النتائج وتبقى صورة العربي المسلم محفورة بالأذهان بأنه يخطّط لأعمال إرهابية. إن أوجه هذا التواطؤ الإعلامي بتحليلاته المختلفة لا يقلّ خطراً على هوية ومستقبل وصورة العرب المسلمين من الحروب الظالمة التي يتعرضون لها في بلدانهم. بل هو الذي يقدّم المبرّر لارتكاب الجرائم الوحشية ضدّهم. ومن الواضح أن الدوائر التي تتخذ قرار شن الحروب تكرس الوقت والجهد والمال للحملات الإعلامية التي تستهدف خداع الرأي العام عبر ضخ سيل متدفق يومياً من الأوهام والقصص الملفّقة وأنصاف الحقائق في وسائل الإعلام.  إن حجم التحدي ينذر بالإحباط ولكنّ نجاح أصوات حرّة في الغرب بتحرّي بعض الحقائق وتحريك الضمير العالمي حيالها، أمثال سيمون هيرش، يدفع بنا إلى رفض اليأس من الحضارة الغربية التي لم نر منها عبر القرون إلا الحروب والدماء والدمار وإيديولوجيات القهر والطغيان.  إن المهمة أمامنا شاقّة ولكنها ضرورية ولا شكّ أنّ الكثيرين في العالم سوف ينخرطون بمعركة إزالة التسويف والتضليل عن أقدس القضايا المطروحة ألا وهي حياة الإنسان وكرامته وحريته