نجــاة النــادي
د. بثينة شعبان
14 أيار 2007
ماذا يخطر ببالك عزيزي القارئ وأنت تقرأ هذا العنوان؟ هل تظنّ أنّ خطأً ما قد حصل، وأنّ العنوان يجب أن يكون «نجاة المنادي» مثلاً، وأنّ الميم قد سقطت سهواً، أو يخطر لك أنّ العنوان يدلّ على نجاة نادٍ ما من حريق أو زلزال أو حادث أو هزيمة، أو ما شابه ذلك، ولكنّ كلّ هذه الظنون لن تخطر لك على بال لو أنّ اسم هذه المرأة الفلسطينية «نجاة النادي» قد حُفر في قلبك وعقلك وضميرك كما يجب أن يكون، أو كما يجب أن تكون الفضائيات والجرائد العربية قد فعلت لتضمن أنك لن تنسى هذا الاسم في حياتك. وقصّة «نجاة النادي» والتي مرّت عليها بعض وسائل الإعلام مروراً سريعاً هي قصّة ملايين الأمهات في العراق وفلسطين والجولان وجنوب لبنان، وهي قصّة يجب أن تروى بالكلمة والصورة لوسائل الإعلام العالمية كي تصل كلّ بيت وكلّ نفس إنسانية علّها تتساءل ماذا يحدث في فلسطين؟ وأين أقف مما يحدث؟ ولماذا؟ لقد رأت «نجاة النادي» ابنها نادي رائد، ذا السبعة عشر ربيعاً، معصوب العينين يوم اعتقلته قوّات الاحتلال الإسرائيلي على حاجز تفتيش جنوب مدينة حوّارة شمال نابلس في الضفة الغربية في الثاني من أيار الجاري. اندفعت الأم نحو ابنها بحنان وشوق لا يقيمان وزناً للسلاح الغاصب المشهر في وجهها من قبل جنود الاحتلال الذين تنطق وجوههم كراهيةً وحقداً للعرب، فأوقفوها وأخذوا التنكيل بها وهي ترى ابنها يقف بجانب سيارة عسكرية تمهيداً لنقله إلى معتقلات الاحتلال الرهيبة، وهو لا يستطيع أن يراها لأنه معصوب العينين. وبعد معركة مع الجنود تمكّنت رغم أسلحتهم وهمجيّتهم من الوصول إليه، وكأنه لم يكن بحاجة أن يراها ليعلم رائحة وحرارة العناق الذي لا يشبهه عناق في الكون كله، فعانقته بطريقة تريد أن تطير به بعيداً عن السجن المرتقب، أو أن تنشقّ الأرض لتنفذ منها مع فلذة كبدها بعيداً عن القوة الغاشمة المتربّصة بهما، والتي تُشهر الحربةَ في قلب هذه الأمومة الحميمة النبيلة لا لشيء إلا ربّما لأنّ الشاب ينتمي إلى شعب مقاوم يرفض الاحتلال. لقد كان مشهد إبعاد الأم عن ابنها مشهداً إجرامياً بكلّ ما في الكلمة من معنى حيث تنضح كلّ خلية من خلايا وجهها وكل رمش من رموشها التائهة في حزن عميق بألم لا يعرف مداه وكنهه، لا رايس، ولا اللجنة الرباعية أو مجلس الأمن، لا يعرف هذا الألم إلا الأمهات اللواتي يفضلّن ألف مرة تلقي السهم في قلوبهم بدلاً من وصول السهم إلى فلذات أكبادهم. ولا أعلم كيف يمكن لأي أم في العالم إذا ما رأت هذه الصور وشاهدت هذه الحادثة أن تحجم عن وصف الاحتلال الإسرائيلي بالإرهاب والإجرام بحق إنسانية الإنسان وأسمى ما يمتلكه من وشائج محبة ووصال.
وقبل أيام من هذه الحادثة كنت قد قرأت عن الأب الفلسطيني حامد عارف سليم والذي لم تصله الكاميرات حين اعتدى جنود الاحتلال بالضرب المبرح على ابنه البكر رجائي 23 عاماً أمام عينيه وأمام الأسرة وحين لم يتحمل الأب منظر ابنه تحت ضربات جنود إسرائيل المجرمين وحاول تخليص ابنه من بين أيديهم تعرض بدوره للضرب المبرح أمام زوجته وبناته قبل أن يجروا ابنه رجائي إلى خارج البناية وفي هذه الأثناء سرقوا ما تمتلكه العائلة من وفرٍ وضعوه بصيغة مصاغ ذهبي، ومثل هذه الأمثلة كثيرة إلا أن الإعلام العربي حوّل ضحايا هذه الاعتداءات إلى أرقام مجردة دون ذكر أسماء أو تفاصيل في غالب الأحيان وكأنهم تناسوا أن كرامة الإنسان وحياته لهما قدسية في الأرض وقدسية في السماء وأن مثل هذه الأعمال تشكل انتهاكاً صارخاً لكل القيم البشرية والتعاليم السماوية وفي جميع البلدان وعلى كل المستويات. فلماذا يسرد الإعلام أخبار قتل جيش الاحتلال البغيض لسبعة «ناشطين» أو «مسلحين» وكأن النشاط أو حمل السلاح مبررات كافية للقتل.
أوَ ليس كل الإسرائيليين مسلحين؟ أوليس كل المستوطنين «ناشطين» تخيلوا أن تسمعوا خبراً بأن عربياً قتل مسلحاً إسرائيلياً، أو «ناشطاً» ماذا ستكون النتيجة؟ لماذا نستسلم لمواقفهم وتصنيفاتهم ومصطلحاتهم ومصادر أخبارهم دون أن نقيم الدنيا ولا نقعدها لاعتقال كلّ شخصٍ أو لقتل كل شخص سواء في العراق أو فلسطين أو جنوب لبنان أو الجولان؟ لماذا لا ننشر مأساة « نجاة النادي» وآلاف المآسي المشابهة في كلً مكان على الانترنت مثلاً و ندخلها إلى وعي الجيل العربي الشاب بالإضافة إلى وعي من يتشدّق بضرورة الحفاظ على «أمن إسرائيل» والخطر الذي يهدّد إسرائيل من جيرانها العرب المحيطين بها. وإذا أردتم ألا تتحدثوا بالسياسة فلا تتحدثوا بالسياسة، ولكن لماذا لا تتحدّثون على المستوى الإنساني ولماذا لا تستهدفون إيصال ما يجري للشعب الفلسطيني والشعب العراقي إلى العالم برمّته؟ ما ذنب «نجاة النادي» إذا كانت أنشأت ابنها على الإيمان بحقوقه وترابه وأرضه؟ وما ذنب حامد عارف سليم إذا كان ابنه رجائي يأبى الذلّ والهوان ويكافح للخلاص من احتلال بغيض؟ وما هو الحلّ لتلك ولهذا إذا لم ينقل العرب معاناتهم إلى العالم؟
لقد توقّف الإعلام العربي منذ سنوات عن ذكر أسماء الشهداء، وأصبح الشهداء في العراق وفلسطين أرقاماً مجرّدة تذكر بالآحاد أو بالعشرات أو بالمئات، وذلك مقصود ومدروس بغية إبقاء الضحايا بصيغة المجرّد، وعدم خلق إحساس إنساني لا يتولّد إلا من خلال التعرّف على تفاصيل معاناتهم وعلاقاتهم الإنسانية، والأذى والألم اللذين أصابا الأهل والأصدقاء. فمقابل كلّ روح تزهق يتسرّب الموت إلى الأرواح المحبّة والمتشبّثة بالقرب الذي لا يستطيع حتى الموت أن يضع حدّاً له. والسؤال هو كيف يُفاخر الإسرائيلي ويحتفي بقتل أطفال فلسطينيين؟، وكيف يكتب جنود أمريكيون لذويهم أننا قتلنا اليوم عشرةً منهم «أي من العراقيين» دون أن يصاب أيّ منهم بنكبة في ضميره ووجدانه وروحه؟ كان المستوطنون البيض الذين كانوا يقتلون الأبورجينز، أو السكان الأصليين في أستراليا، من أجل سلبهم أرضهم يشيرون إليهم بأنّهم «كانغر» ويتحدّثون عن عدد «الكانغر» الذين قتلوهم في ذلك اليوم. ولم يعترف المستوطنون في أستراليا بأنّ السكان الأصليين بشر إلا في أوائل السبعينيات مع أنّهم استمرّوا بخطف أطفالهم وتربيتهم في المدن كي يضمنوا أنّهم «تحضّروا» غير آبهين بمشاعر الأمهات والآباء والألم الذي لا يُطاق، الذي يسبّبونه لهم في هذه العملية. والسبب أنني أستذكر كلّ هذا هو أنني كنت أسأل دائماً أوَلا ترى الإدارة الأمريكية المعاناة المأساوية للشعبين العراقي والفلسطيني؟ وحين قرأت تصريح السيدة نانسي بيلوسي بأنّ الرئيس الأمريكي «أصمّ للأمريكيين وأعمى عن العراقيين» أحببت أن أضيف بأنّ «الأسرة الدولية» كما يحلو لهم أن يسمّونها، عمياء عن معاناة العرب في فلسطين والعراق ولبنان، ربّما لأنها لا تعتبر مشاعرهم ترقى إلى المستوى الإنساني، أو لأنّ «حضارتهم» قد تكلّست في احتياط النفط ومقدار السيولة، ولم يعد يعنيهم لهيب قلب الأمّ أو حرقة الأبناء وهم يرون الإهانات تُكال لمثلهم الأعلى من الوالدين. وأكاد لا أصدّق وأنا أعايش معاناة أمهات فلسطين وأمهات العراق وأمهات قانا والجنوب والضاحية أن هذا العالم العربي من شرقه إلى غربه وبكل مقدراته الهائلة عاجز عن إيصال الصورة الحقيقية عما يجري في منطقتنا للضمير العالمي. علّ قلة قليلة في العالم تدرك أن الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني وصل بهم حدّ موت الأطفال، تماماً كما جرى في العراق سنوات الحصار في التسعينات، وأن قوات الاستعمار الإسرائيلية ماضية في العقوبات الجماعية والقتل والتنكيل ومصادرة الأراضي وقنص الأطفال كما كالكانغر، فواجب من أن يقف مع هؤلاء؟ إنه واجب البشرية برمتها، و لكن على المقربين من العرب أن يوصلوا هذا الصوت إلى العالم. فكما وقف الشعب الأمريكي اليوم ضد الإدارة الأمريكية في العراق يمكن أن يقف ضد الاحتلال الإسرائيلي لأراضينا العربية ولكن بشرط أن نحمل قضايانا بإيمان وجدية وأن لا ندع الخبر يمر إلى النسيان عبر أرقام مجردة دون أن نبرز نوع الجريمة المرتكبة بحق أناس لا ذنب لهم سوى أنهم السكان الأصليون لبلاد يصادرها طامعون مستوطنون بقوّة السلاح الغاشم لنبدأ بقضية «نجاة النادي »ولنحملها إلى كلّ أمهات الكون موثقة بالصور، وللأسف هناك كل يوم قضية مشابهة فكل من يتبرع بالوقت والجهد لمثل هذا العمل النبيل. ولمن يقول لا ينشرون لنا فإنّ هذا العذر لم يعد مقبولاً في عصر الإعلام الالكتروني.