من كيندي إلى بيلوسي

 

د. بثينة شعبان

16 نيسان 2007

 

أصبح من الواضح لكلّ المتابعين، أن زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، إلى دمشق في الثالث من نيسان الجاري، أثارت ضجة لم تثرها زيارة أي مسؤول إلى أي مكان في العالم، حيث انشغل الإعلام العالمي، وخاصة الإعلام عبر الأطلسي بهذه الزيارة لأيام عدة، واعتبرت معظم الآراء الرسمية الصادرة عن واشنطن ولندن هذه الزيارة «خطأ عظيماً» لأنها ترسل « إشارات خاطئة » إلى دمشق. ولم يكن هذا الاهتمام الرسمي - الذي وصل حدّ الغضب أحياناً – نابعاً من أهمية النتائج المتوقعة لهذه الزيارة، خاصة وأن بيلوسي ليست في السلطة التنفيذية، ولهذا لا يمكن أن تثمر زيارتها عن نتائج مباشرة بين واشنطن ودمشق، ولكن مجرّد حدوث الزيارة، أثار هذا الاهتمام، لأنها بحدّ ذاتها تشير إلى نهج مختلف، وأسلوب مغاير، وتفكير بديل، وأداء مخالف لما قامت به إدارة بوش طوال الأعوام الدموية الماضية، وهنا يكمن مصدر القلق الحقيقي، الذي عبّر عنه الكثيرون من ممثلي إدارة بوش بسبب هذه الزيارة. وقبل أن أناقش المعاني السياسية البعيدة لهذه الضجة الإعلامية حول زيارة، كان يجب أن تبدو عادية، أودّ أن أتوقف حول أكثر ما صعقني من نتائج هذه الزيارة، ألا وهو الفرق في التعامل والمستوى بين ردود فعل رئيسة البرلمان، وتعليقات مسؤولين هامين في الإدارة الأمريكية عليها. ولنتفق أولاً، أن السيدة بيلوسي قد خدمت بلادها أولاً وأخيراً، بإعطاء صورة مشرقة عن المسؤولين الأمريكيين، فهي سيدة شديدة الأدب، حاضرة الابتسامة، تحترم الكرامة الإنسانية لجميع البشر. ورغم كلّ ما كتب ضدّها في الصحافة الأمريكية، فقد كانت ردود أفعالها متزنة، رزينة، تحاول أن تستوعب كلّ ما كيل لها من  «اتهامات»، وتتصرف من منظور شعور عالٍ بالواجب. فقد قالت «إن وفدها لم يأتِ إلى المنطقة ليعقد صفقات بين سورية وإسرائيل، بل ليقيّم الحقائق على الأرض لإطلاع صانعي القرار في الكونغرس على هذه الحقائق»، وعلقت على كلّ الحملة الإعلامية المكثفة ضدّ زيارتها بالقول: « إن ما كان يقوله ويفعله الآخرون كان بعيداً جداً، وكان في منطقة ذات توقيت مختلف، ولم يكن له تأثير على زيارتنا إلا بزيادة الاهتمام بها». كما عبّرت عن أن « رسالتها هي رسالة الرئيس بوش »، مع ان رسالتها مختلفة تماماً، ولكنها ربما تقصد بالرسالة هنا الرغبة في خدمة بلدها.  وإذا كان الأمر كذلك، فقد كانت أقدر بكثير من رجال الإدارة على فعل ذلك. لكن ومقابل هذه التصريحات اللطيفة، فقد علّق نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، المعروف بتشدده وتطرف مواقفه، على تصريحات بيلوسي بالقول: «لم يكن ذاك تصريحاً، بل هراء لا معنى له»، بينما تبرع الناطق باسم مجلس الأمن القومي للمجموعة الحاكمة في البيت الأبيض غوردن جوندرو بتقرير مصير الزيارة والتعبير عن « القناعة التي توصل إليها الأسد»:   « هذه الزيارات أقنعت نظام الأسد بأن أعماله في دعم الإرهاب تمرّ دون نتائج»!! كم هو الفرق شاسع، بين نائب رئيس، يتحدث لغة لا تليق بموقعه، ويعلّق على كلام سيدة تماثله مباشرة في الأهمية الرسمية في بلادها، وبين الكلام المسؤول للسيدة بيلوسي، والتي قالت:   «أتينا إلى دمشق بصداقة وأمل مصممين بأن يكون الطريق إلى دمشق طريق السلام » . كما قالت في تصريح آخر: «لا شك أن تحقيق العدل والمساواة هو الطريق لتحقيق السلام ».

حتى من هذه التصريحات القليلة والقصيرة، يمكن للقارىء أن يستنتج لما جُنَّ جنون إدارة بوش والإعلام الموالي لها من زيارة بيلوسي إلى دمشق. ذلك لأنها تريد أن ترى الحقائق على أرض الواقع، وتنقلها إلى صانعي القرار في الكونغرس، ويعلمون أن بيلوسي تتمتع بمصداقية كبرى، ولكلامها وزن لا يستهان به، بينما عاشت هذه الإدارة طيلة هذه السنوات، لتشن الحروب، إما بناء على أكاذيب لا أساس لها من الصحة، وإما بناء على تعتيم إعلامي يترك الشعب الأمريكي وشعوب العالم في جهل كبير بحقائق الأمور. فالسيدة بيلوسي تتحدث عن « العدل، والمساواة، والصداقة، والاحترام »، بينما قامت السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة على «العزل، والعقوبات، والتهديد، والابتزاز، والحصار، والتعذيب، والحروب». ولذلك ثارت ثائرة المجموعة الحاكمة في البيت الأبيض، حول زيارة بيلوسي، فهي تحضر إلى أذهان العالم النقيض الأمريكي لكلّ ما يمثله المحافظون الجدد، الذين انتهكوا، ليس فقط القيم والأعراف والأخلاق التي عرفتها الإنسانية المتحضرة عبر القرون والأديان والأمم، وإنما حتى تلك، التي سجلها الدستور الأمريكي، والنظم الأخلاقية، التي فاخر بها الأمريكيون طوال عقود. فقد قالت بيلوسي في دمشق « أنها كانت حاضرة حين ألقى الرئيس كيندي خطاب القسم في 20 كانون الثاني 1961 »، ومعظم الناس يتذكرون عبارته: « أعزائي الأمريكيين، لا تسألوا ماذا يمكن أن يفعل بلدكم لكم، بل اسألوا ماذا يمكن أن تفعلوا لبلدكم»، ولكنهم، أضافت بيلوسي « نادراً ما يتذكرون العبارة التي تلي مباشرة»:  «أعزائي مواطنو العالم، لا تسألوا ماذا يمكن لأمريكا أن تفعل لكم، بل ماذا يمكن أن نفعل سوية من أجل حريّة الإنسان»، وهنا بيت القصيد. ففي الوقت الذي تؤمن رئيسة مجلس النواب الأمريكية بالعدل والمساواة والعمل سوياً من أجل حريّة الإنسان، عمدت إدارة بوش، وكلّ من سار في ظلّها إلى تقسيم العالم إلى خير سائد في غرب يستحق الحريّة والحياة والكرامة من جهة، وشرّ يمثله الإسلام والمسلمون يستحقون القتل والتعذيب والاحتلال والدمار والخراب.

لقد بنت هذه الإدارة حروبها في أفغانستان والعراق على مبدأ: «نحن» و«هم»! وعلى مقولة «من ليس معنا فهو ضدّنا»، وبالتالي «إذا لم نقتلهم هناك سيأتون ليقتلونا هنا»، وألغت مبدأ المساواة والعدل وحقوق الإنسان، من القيم الأخلاقية والسياسية الأمريكية، ولم يتردد أصحاب هذا الطغيان من تناول السيدة بيلوسي ذاتها، ووصف تصريحاتها بعبارات لا تليق أبداً لأن الطغيان والعنجهية لا يفرقان بين الشرق والغرب، او بين إنسان وآخر.

هذا هو الخطر إذاً في زيارة بيلوسي إلى دمشق، الخطر هو في أن ترى أنه لا يوجد في دمشق شيء مما تتحدث عنه الإدارة الأمريكية، وتحارب باسمه الشعب السوري، كما لم يكن هناك في العراق أي سبب حقيقي لحصار فرض على الشعب العراقي طوال عقد كامل، ذهب ضحيته أكثر من مليون طفل عراقي، ولم يكن هناك أي مصداقية لأي من الأسباب التي تذرعت بها الإدراة لشنّ هذه الحرب الوحشية المستمرة منذ أربع سنوات على الشعب العراقي. وإذا ما لاقى توجه بيلوسي قبولاً وشعبية لدى الآخرين بزيارة المنطقة لاكتشاف الحقائق على الأرض، وإعلام صانعي القرار في الكونغرس، قد يكون هذا التوجه خطيراً جداً على المحافظين الجدد، لأن هذا قد يفضي في النهاية إلى  اكتشاف الشعب الأمريكي بأنه يموّل حرب إبادة ضدّ شعب أصيل وحضاري ومحبّ للسلام في فلسطين والعراق، وأنه يفرض حظراً وعقوبة جماعية ليس على «حماس»، كما يدعون، وإنما على أطفال ورجال ونساء فلسطين، وأن السياسة الأمريكية تدعم نظاماً عنصرياً تمارسه إسرائيل كقوة محتلة غاشمة ضدّ الفلسطينيين، يفوق في عنصريته نظام الابارتيد العنصري البائد في جنوب أفريقية، كما كتب ذلك عدة مرات جون دوغارد، مبعوث الأمم المتحدة الخاص بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، (انظر تقريره في 27 شباط 2007 وفي 29 تشرين الثاني 2006). وإذا ما اطلع العالم على الحقائق على الأرض، سيكتشفون أن إسرائيل هي التي ترفض السلام، وتوسّع الاستيطان الأجنبي لأرض فلسطين، وتعتقل النساء والأطفال والشبان، وتقتلع الأشجار، وتهجّر السكان الأصليين. فكيف يمكن لهذه الإدارة أن تستمر بسياستها، إذا رفعت سيدة مجلس النواب وأمثالها الستار المظلم الذي تسدله الإدارة والإعلام «الحرّ»، على كلّ أعمالها في الشرق الأوسط، والتي أدت حتى تاريخه إلى تدمير العراق وفلسطين وأفغانستان، وتسعى إلى تدمير المزيد من البلدان والشعوب. كلّ ما يطمح إليه العرب هو ما ذكرته السيدة بيلوسي بالذات: «العدل والمساواة والسلام»، وما لم يتحقق العدل والمساواة والكرامة الإنسانية سيصبح ليس الشرق الأوسط فحسب، وإنما العالم برمته ضحية طغيان الحروب والعنف والاحتلال والاستيطان.

كم يليق بسيدة حضرت خطاب قسم الرئيس كينيدي، أن تحمل قضية «حريّة الإنسان»، وتمتلك الشجاعة لتبقى هذه القضية حيّة ومتألقة في خدمة الشعب الأمريكي وشعوب العالم كافة. أما من أثاروا، كعادتهم، الحقد والضجيج ضدّ ما تقوم به هذه السيدة، فلن يكون لهم مكان في التاريخ المضيىء للإنسانية