إنهم "يتعاونون" ضدنا فماذا أنتم فاعلون!
د. بثينة شعبان
26 آذار 2007
بعد اجتماع مطول عقدته وزيرة الخارجية الأميركية مع الترويكا الأوروبية في واشنطن في19آذار الجاري تحضيراً للقمة الأوروبية الأميركية التي ستعقد في نهاية نيسان القادم أدلت السيدة رايس وضيوفها بتصريحات في مؤتمر صحفي تبعث في ذهن كل عربي أسئلة مقلقة بالفعل. وقبل أن نبدأ بتحليل ما قيل لابد أن نتذكر أن هذا الاجتماع والتصريحات التي تلته تأتي قبل أسبوع ونيف على اجتماع القمة العربية القادمة في الرياض. وإذا كان ما قيل يقصد منه أن يسمع من قبل القادة العرب أيضاً وهم متجهون إلى الرياض تصبح الرسالة أشدّ خطورة بالفعل.
ومن الواضح من كل ما قاله المجتمعون أن،الشرق الأوسط، حسب مفهومهم قد شكل الموضوع الأساسي لمناقشاتهم. وقد سارعت وزيرة الخارجية رايس لتطمئن جمهورها بالقول أن المجتمعين وجدوا أنفسهم((متفقين جوهرياً)) حول الأمور وأنهم تحدثوا اليوم حول(( الأمور التي تشكل موضوع حديثهم كل يوم)) وقد وجدت رايس في هذا الأمر تعبيراً عن مستوى التعاون وتواتر الاتصالات في التحالف عبر الأطلسي وهم يواجهون((أكثر المسائل تحدياً في عالم اليوم)) وأكد الجميع على أنهم على((اتصال يومي)) لمواجهة العدد المتنامي للنزاعات، التي يثيرونها بالطبع هم أنفسهم في العالم((مما يوجب عليهم التعاون بشكل أوثق)) ولم يخطر ببال أي منهم،بالطبع،أن هذا((التعاون الوثيق))، و((الرؤية المشتركة)) لما يجري، التي تحدثوا جميعاً عنها، قد تكون سبباً أساسياً في ازدياد هذه النزاعات. فبعد أن أكد سولانا أنهم جميعاً((في تواصل يومي ومستمر))، وهذا ما يغبطهم عليه أي مواطن عربي،فياليت وزراء الخارجية العرب مثلهم على((اتصال يومي مستمر))!،أضاف:(( وأعتقد أن هذا جيد ليس فقط للأوروبيين والأميركيين ولكن للعالم أيضاً حين يعمل الأوروبيون والأميركيون سوياً، أعتقد أن العالم يكون أكثر أمناً))!!! لو كان السيد سولانا يعيش في المريخ! ولو لم يكن التوقيت عشية الذكرى الرابعة للحرب على العراق!! حيث أثمر التعاون الأوروبي الأميركي عن تدمير بلد عربي آخر،غير فلسطين التي أجهزوا منذ قرن على شعبها وحريته وحقوقه ودولته الوطنية، وهذا البلد الذي أغرقه التعاون الأوروبي الأميركي منذ أربع سنوات عجاف بالدماء تمثل انجازاته التاريخية فخراً للحضارة الإنسانية في مجالات الفكر والأدب والعلوم والفنون والتشريع، لو لم يأت تصريح سولانا بعد كل هذا الخراب لربما غفر المرء له مثل هذا القول، أما وقد برهن التعاون الأوروبي والأميركي في العراق وفلسطين والصومال والسودان،وأيضا في أفغانستان، عن كوارث دموية ومآسي يندى لها جبين أي متحضر، فقد الملايين بسببه حياتهم كما فقد عشرات الملايين حريتهم وحقوقهم، فإن المرء ليستغرب عما يتحدث هؤلاء الذين يتشدقون بتصريحاتهم عن(( العالم الحر)) مرة، و(( العالم المتحضر)) مرة أخرى ودون وجل،إلا إذا كانت شعوب هذه البلدان لا تعني لهم شيئاً وحياة أبناء هذه البلدان لاتمثل بالنسبة لهم قيمة مساوية لحياة البشر فهذا أمر آخر.
لقد غابت في المؤتمر الصحفي معاناة الشعبين العراقي والفلسطيني، لا بل وغاب أي ذكر للاحتلال الأميركي للعراق أو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وأكد الجميع بتركيز شديد على تصريحات الحكومة الفلسطينية الجديدة، ولم يسمع أيٌٍّ منهم بما تقوم به حكومة أولمرت من((عنف))، ولم يعيروا انتباهاً للاعتقال الإسرائيلي لعشرات الفلسطينيين يومياً ولم يتذكروا جدار الفصل العنصري، ولا هدم بيوت الفلسطينيين وتشريد عوائل بأسرها على أرضها، ولا الحصار المفروض على ملايين الفلسطينيين في السجن الكبير بالضفة والقطاع، ولا القتل اليومي للأطفال والنساء، بل أكدت رايس وسولانا على أنهما مستمران((بمساعدة)) الشعب الفلسطيني!! وأي مساعدة تلك التي حرمت الشعب الفلسطيني من حريته واستقلاله وحقوقه، وأخضعته لعقوبات جماعية، وتطهير عرقي وحشي، وانتهاك إسرائيلي شرّعه (( التعاون الأوروبي الأميركي)) لكل الشرائع والقوانين الدولية، وكأن المسؤولة الأميركية والمسؤولين الأوروبيين لم يأخذوا علماً بتقرير مبعوث الأمم المتحدة لحقوق الإنسان جون دوغارد والذي أكد فيه أن ما تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين هو تكرار لتجربة الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. والدكتورة رايس،والتي خاض شعبها نضالاً مشرفاً ضد التمييز العنصري في بلدها الولايات المتحدة، وضد الاستعمار الأوروبي في القارة السوداء، لم تحاول أن تفهم ماذا تعني((المقاومة)) التي رفضتها((بكل أشكالها))، فالمقاومة التي لا تبدوا أنها كلمة جيدة بالنسبة لها الآن كانت الطريق الذي سلكها ملايين الأفارقة لنيل حريتهم وحقوقهم المدنية في الولايات المتحدة وفي إفريقيا ولمئات الملايين غيرهم من البشر في العالم بما في ذالك أوروبا والولايات المتحدة. كيف يمكن لامرأة في هذا الموقع الهام أن تلوي عنق الحقيقة وتلغي التاريخ لتستجيب لغرائز وحشية لمجموعة مستوطنين يحتلون الأرض العربية في فلسطين ويقتلون الأطفال يومياً ويمارسون كل ماتنهى عنه القوانين الأميركية نفسها ويطلقون الممارسات العنصرية منذ قرن ضد عرب فلسطين ولن يرضهم شيء أقل من موت الفلسطينيين جميعاً وربما موت العرب جميعاً! كل الأسئلة الأوروبية الأميركية كانت موجهة إلى ضحايا الاحتلال الإسرائيلي! ولم يوجه أحد من(( المتحضرين)) سؤالاً إلى حكومة إسرائيل الدموية التي تمارس يومياً أساليب القتل والتعذيب والإبادة والقمع العنصري ضد السكان الأصليين في فلسطين ويشكل هذا الموقف((الحر)) و((المتحضر)) الذي أعلنته رايس ورفاقها أساساً للقمة الأوروبية-الأميركية التي ستعقد في أواخر نيسان القادم.
فماذا سيقول القادة العرب في قمتهم القادمة لمثل هذه المواقف والتصريحات المعبرة عن((التعاون الأوروبي الأميركي)) الموجهة ضد شعوبهم؟! هل سيقررون ((التحادث يومياً))، كما يفعل هؤلاء عبر المحيطات، في الأمور التي تستهدف بلدانهم ووجودهم ومصيرهم، أم هل سيستمعون إلى أفكار رايس حول حرمان الشعوب من((حقها في مقاومة الاحتلال)) بل إنكار حق العرب فقط في مقاومة الاحتلال؟! وهل ستغلي الدماء في عروقهم لأن هذا يشكل استخفافاً بحقوقهم المشروعة في الحرية والكرامة، أم أن البعض سيقرأ نتائج الاجتماع هذا كحد أقصى((تقبله)) الدولة العظمى من العرب،وما عليهم سوى التحرك ضمن هذا الإطار؟!
إن ما عبر عنه الاجتماع الأوروبي الأميركي فعلاً هو الانصياع الأوروبي والأميركي المعلن والكامل للرؤية الإسرائيلية في صراع الشرق الأوسط، وسمها ما شئت من أسماء لا تختلف في جوهرها، ولكن الاجتماع يملي التنكر لحقوق العرب في عودة اللاجئين والقدس وتحرير الأراضي العربية المحتلة ويطالب بالتطبيع مع العدو دون إعادة الأرض العربية ولا حقوق الشعب الفلسطيني. وهذا هو جوهر الخطة الإسرائيلية التي وضعت عام 2000 والتي قررت التخلي عن((مبدأ الأرض مقابل السلام)) وسعت لفرض مبدأ((إحلال السلام مقابل السلام)) بالاعتماد على((التعاون الأوروبي الأميركي)) لكسر إرادة العرب لحد الانصياع لهذه الخطة. وأسميت هذه الخطة(( الاختراق النظيف: الإستراتيجية الجديدة للسيطرة على المنطقة))، وتضمنت الخطة الإعلامية الإسرائيلية المرافقة والتي وضعت عام 2002 فكرتين أساسيتين هما:((مساواة المقاومة بالإرهاب)) والتحدث عن ((الفلسطينيين والإسرائيليين كطرفين متساويين)). وها هي وزيرة الخارجية الأميركية ترفض كلمة((مقاومة بكل أشكالها)) بعد أن أطلقت صفة((الإرهاب)) على العرب في جهد يهدف في جوهره لاغتيال حق المقاومة للشعب الفلسطيني، وللعراقيين أيضاً ولإلباس الفلسطينيين المقاومين للاحتلال الأجنبي لبلدهم تهمة((الإرهاب)). ولهذا السبب ترفض الولايات المتحدة وأوروبا عقد اجتماع يعرّف((الإرهاب)) ويفرق بينه وبين المقاومة. ورغم تواصلهم اليومي ومراكز أبحاثهم يستمرون جميعاً عن قصد وسابق إصرار بتجاهل تعريف ((الإرهاب)) ويتعمدون الخلط بينه وبين المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي كي لا يدعم(( العالم الحر)) حق الشعب الفلسطيني في النضال من أجل حريته والخلاص من الاحتلال الوحشي لأرضه ولا يزال المختصون في مراكز الأبحاث الأوروبية والأميركية يتواطئون مع زملائهم الإسرائيليين بتبرير تجويع وقتل وتهجير الشعب الفلسطيني تحت يافطة((مكافحة الإرهاب)) هذه التهمة التي يراد إلصاقها بالكفاح الفلسطيني من أجل الحرية والاستقلال والكرامة.
كما أن تجاهل هذا الاجتماع للجرائم الكبرى التي ارتكبت وترتكب منذ سنوات بحق الشعب العراقي عشية الذكرى الرابعة لهذه الحرب يمثل تجاهلاً صارخاً لأسوأ نتائج التعاون الأوربي-الأميركي حول الشرق الأوسط. وإذا كانت هذه هي المحاور الأساسية للقمة الأوروبية-الأميركية القادمة فكم على أبناء هذا الشرق الأوسط الذين يستهدفهم هذا(( التعاون)) أن يخشوا نتائج اجتماعات قادمة لن تفعل سوى تبرير الجرائم، وزيادة العنف في المنطقة،وإضفاء الشرعية على الحروب والمجازر والانتهاكات لحقوق الإنسان.والسؤال هو كيف تبرر هذه القوى حقها في تقرير مصير دول عريقة وحضارية خاصة بعد أن أثبتت كل المبررات التي سيقت لشن الحروب على هذه البلدان بأنها كاذبة ولا أساس لها من الصحة.
لايبقى للمواطن العربي سوى أن يأمل أن القمة العربية سوف ترتقي إلى مستوى هذه التحديات السافرة التي يواجهها العرب جميعاً والاستهانة العلنية لكرامتهم ولحقوقهم في أرضهم ومياههم ونفطهم وحياتهم الحرة الكريمة بعيداً عن إذلال المحتلين من((العالم الحر)) و((المتحضر)) وتنكيلهم، واستهانتهم بكرامات شعبنا نساءً ورجالاً وأطفالاً.
لأن كل ما يردنا من واشنطن اليوم بعد أن تمت صياغته في إسرائيل يمثل توجهاً استعمارياً دموياً معادياً لبلداننا وشعوبنا، ولم يردع الاستعمار الغربي يوماً سوى وقفة عز شجاعة.