مؤامرة الصمت
د. بثينة شعبان
19 شباط 2007
حين سمعت كلمة الرئيس فلاديمير بوتين في مؤتمر ميونيخ لشؤون سياسة الأمن تساءلت ما الذي يفتقر إليه عالمنا اليوم؟! نحن نرى حكاماً طغاة يشنّون الحروب، وينتهكون الشرائع، ويرتكبون جرائم القتل الجماعي، وتهجير الملايين، ويستخدمون جيوشهم ومخابراتهم وإعلامهم لنشر الظلم، وقهر الإنسان وسحق كرامته دون أن يرفع أحدٌ صوته بالاحتجاج، وإذا احتجّ مليون أمريكي على الحرب فهناك كواتم صوت إعلامية تنهي الأمر خلال ثوانٍ في نشرة إخبارية واحدة. ولكنّ تصريحات الرئيس بوتين خرقت هذا النمط السائد في العالم حالياً. الرئيس بوتين ردّ على وزير الدفاع الايطالي الذي قال في كلمته أمام مؤتمر الأمن في أوروبا «إنّ استخدام القوة يكون مشروعاً إذا اتخذ القرار من قبل الناتو أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة» فأجاب بوتين في كلمته معترضاً بأنّ «استخدام القوة يكون مشروعاً فقط إذا أجازته الأمم المتحدة» وعلينا ألا نجعل من الناتو والاتحاد الأوروبي بديلاً عن الأمم المتحدة، مضيفاً: «حين تجمع الأمم المتحدة فعلاً القوة الدولية وتستطيع فعلاً أن تستجيب للأحداث في بلدان مختلفة، وحين نتخلّى عن ازدراء القانون الدولي، حينذاك فقط يمكن للوضع أن يتغيّر». كما استشهد بوتين بقول الرئيس الأميركي روزفلت « بأن أمن كلّ واحد يعني أمن الجميع وأنه حين يُنتهك السلام في أي مكان فإنّ السلام في جميع البلدان وفي كل مكان يصبح في خطر.»
جوهر الفكرة هنا هي محاولة العودة للمساواة الإنسانية بدلاً من تقسيم العالم إلى خير وشرّ وإلى حاكم ومحكوم. وقد كان لافتاً أن يشير بوتين إلى تركة الحرب الباردة والتي مازالت مستخدمة لدى البعض من التنميط الإيديولوجي إلى النفاق السياسي وعناصر أخرى كانت تشكل الأوجه الحقيقية للتفكير إبان الحرب الباردة. وبالفعل حين رأينا الرئيس بوش يلقي خطابه لحالة الإتحاد ورغم الامتعاض المرسوم على أوجه الكثيرين من نواب الكونغرس مما يقوله، كان مشهد وقوفهم جميعاً، المتكرّر أكثر من ستين مرة، ليقاطعوه بالتصفيق مسرحية استعراضية كان الغرب يصفها أيام الحرب الباردة بأنّها أحدى مظاهر الخنوع وعبادة الشخصية للحكام الشموليين والديكتاتوريين في العالم الشيوعي السابق! كما كان إرث الحرب الباردة واضحاً في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس بوش حيث تجاهل الصحفيون آراء 63% من الشعب الأميركي بالحرب على العراق وركزوا أسئلتهم على التشكيك بنوايا الرئيس بوتين، وبنوايا القيادة الإيرانية، وراحوا يقدّمون المساعدة لبوش في إعطاء المبررات لكل ما يقوم به في الشرق الأوسط. وساد جوّ من الودّ بين الرئيس بوش والصحفيين حيث يناديهم بأسمائهم الأولى، والظاهر هو أنه يعلم ماذا سيسأل كلّ منهم. وحين سأله بيتر عن سكوتر ليبي وشخصين آخرين في الإدارة سرّبا هوية فاليري بالم إلى الصحافة وأنهما لم يتعرضا للتحقيق أجابه الرئيس بوش أنه لن يتحدث عن هذا الموضوع وتحوّل الجواب إلى نكته لأن الرئيس مستعد لأن يعطيه فرصة لسؤال آخر وهذه دلالة على «لطف الرئيس»، ولكنّي وجدت في هذه دلالة قاطعة على لطف ما يسمّى «الإعلام الحرّ» الذي أصبح حرّاً بألا يزعج من تُنزل قراراته المآسي بالملايين من البشر، وتُمثّل سياسته تهديداً للسلم والأمن الدوليين تماماً كما قال الرئيس بوتين.
ولا تتوقف عقلية وأساليب الحرب الباردة هنا بل تمتد إلى أوروبا حيث صمتت الدول الأوروبية عن 1245 رحله سرية نفذتها طائرات تابعة للمخابرات المركزية «السي آي إيه» لنقل عدد من «المشتبه» في علاقتهم بالإرهاب عبر الأجواء والمطارات الأوروبية بالإضافة إلى العشرات من حالات الاختطاف والتعذيب والقتل لأشخاص «يشتبه» في علاقاتهم بالإرهاب. لا يُعرف منهم أحد، ولن يُعرف! وخلال الحرب الباردة أصبح جدار برلين رمزاً للاستبداد، وبعد هدمه تبني إسرائيل جداراً عنصرياً لا ينتقده أحد كما تطالب الولايات المتحدة الدول العربية ببناء جدران بينها وتمزيق نسيجها وتحويلها إلى سجون صغيرة لسكانها في تكرار فاضح لما كان الغرب يقف بقوّة ضدّه إبّان الحرب الباردة.
وخلاصة كلّ ما تقدّم هو أن العالم اليوم يواجه قراراتٍ خطيرةً تصدر عن حكام في أنظمة أحادية ترتكز على القوة العسكرية الغاشمة وتأخذ من مسألة مكافحة الإرهاب ذريعة لانتهاك القوانين المحليّة والدولية من أجل فرض الهيمنة على العالم والسيطرة على مقدراته ونهب ثرواته وقتل أبنائه وتفتيت بنيانه، ويتمّ استخدام الإعلام بشكل مكثّف لكتم أيّ أصوات تحمّل كلّ مسؤول عن الانتهاكات والقتل والحروب مسؤوليته وفق القوانين والاتفاقات الدولية. والأخطر من ذلك هو التواطؤ الدولي مع هذه الانتهاكات الخطيرة بدلاً من التصدّي لها في عملية تجاهل سافرة للقانون والأخلاق الدوليين بذريعة تحقيق أهداف سامية من مكافحة الإرهاب، إلى نشر الديمقراطية والحرية «ففي زمن كان حرياً فيه بالاتحاد الأوروبي أن يتولى الزعامة إثر الانتهاكات الأميركية كانت الحكومات الأوروبية تتواطأ سراً مع حكومة الرئيس جورج بوش حول الاعتقالات السرية» وأفاد تقرير المجموعة اليسارية الموحدة في البرلمان الأوروبي «أن معظم دول الاتحاد كانت على علم بالرحلات السرية التي أشرفت عليها وكالة الاستخبارات الأميركية لنقل عدد من «المشتبه» في علاقتهم بالإرهاب، من خلال الأجواء والمطارات الأوروبية، وأيضاً بالسجون السرية التي أقامتها الوكالة على أراض أوروبية لاستجواب هؤلاء الأشخاص».
إذا ما قورنت نتائج كل ما تقدّم بحقيقة أنّ معلومات المخابرات الأميركية عن أسلحة الدمار الشامل العراقية برهنت أن لا أساس لها من الصحة وأن الحرب على العراق التي شُنّت بذرائع عديدة لم يكن لها أيّ مبرر، وأنها انتهت إلى تدمير العراق، وسلبه نفطه وخيراته وخبراته وتدمير قدراته المستقبلية ندرك خطورة مؤامرة الصمت عمّا حدث ويحدث. إنّ الوتر نفسه يعاد عزفه الآن بالنسبة لبلدان عديدة مستهدفة من قبل نظام يعتمد على المخابرات والحروب وإفساد السياسيين والإعلاميين لتنفيذ سياسته وتحقيق أهدافه ولا بدّ أن نتساءل لمصلحة من كانت كلّ تلك الأحداث إذا كان المسلمون المتهمون بها هم ضحاياها الحقيقيون والمتضرّرون الأُوَلْ من تلك الأحداث؟ وأخيراً إذا أضفنا إلى كلّ هذا حقيقةَ أصبحت معروفة للجميع وهي أن إسرائيل تمكنت في السنوات الأخيرة، مع أشدّ المروجين لها من المحافظين الجدد، من تشكيل سياسات إدارة بوش كما كشفت دراسات كثيرة، وإنّ إسرائيل التي دفعت الولايات المتحدة إلى الحرب على العراق تدفع الآن جورج بوش لتوجيه ضربة إلى إيران، وزعزعة استقرار لبنان، وتفتيت السودان، واحتلال الصومال، يصبح من الأسهل علينا أن نفهم حقيقة ما يجري في هذه البلدان والدافع الأساسي وراء الترويج للفتنة فيها الطائفية منها، والسياسية سبيلاً وحيداً إلى تدمير مستقبلها السياسي كي يحقق الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية استمراره وغايته. لقد كان الرئيس بوتين محقاً أنّ «الجميع خائف اليوم من وحدانية القوة للولايات المتحدة ومن الخطر التي باتت تشكله على السلم والأمن الدوليين» ولكن بدايات الحلّ هي بأيدي شرفاء العالم الذين يدركون أبعاد وأخطار كلّ ما يجري، علماً أنّ الخطر لن يستثني أحداً عاجلاً أم آجلاً.
أما بالنسبة للمنطقة العربية، فهناك مظهر يتكرّر في السياسة الخارجية الأمريكية، فنرى مرةً تصاعد دعم الولايات المتحدة لهذا الرئيس أو ذاك الحاكم، ثمّ تتخلّى عنه دون اكتراث، وهو مظهر يتكرّر جوهره، لا صديق للولايات المتحدة، فالمهمّ هو من يخدم مصالحها ومتى وإلى أيّ حدّ، وبالنسبة للعرب فإنّ خدمة المخطط الإسرائيلي الهادف لفرض الاستسلام على العرب هو جوهر السياسة الأمريكية، ولكنّ هذه السياسة ستطال في النهاية واضعوها ومنفذوها أنفسهم. لقد اكتشف العراقيون أن الصواريخ التي تسقط على، ما أصرّت على تسميته أجهزة الإعلام، بأنها مناطق شيعية وسنيّة، تنطلق من مكان واحد قرب قواعد الاحتلال فكم سيتغير المناخ السياسي والمستقبل السياسي للعرب لو آمنو جميعاً أن الاستهداف لهم جميعاً دون استثناء، وأنّ مصدره واحد ألا وهو أعداء وحدتهم وقوتهم ومستقبلهم. أوَرأيتم إلام يفتقر العرب والعالم اليوم؟ إلى الرؤية الواضحة بوحدة الأسرة الإنسانية، وأنّها تبحر في قارب واحد وأنّ الاحتلال الأجنبي لا يميّز بين بلد وآخر، وبين نظام وآخر، وأنّ السجون السرّية لم تميّز بين المغربي والأردني والعراقي وأن التعذيب مورس على الجميع، وأنّ نفط الجميع مُهدّد بالنهب. إنّ الأخطار التي تحيق بالمنطقة تجعل مما يجري في العراق مقدّمة فقط لمرحلة أصعب وأقسى وأخطر على الجميع في المنطقة وخارجها، فهل لنا أن نشدّ على يدي الرئيس بوتين وعلى كلّ الصادقين والشجعان من القادة والحريصين فعلاً على أمن العالم وسلامة أبنائه في كل مكان. وليتذكر الجميع أن من يدعم الحق يدعمه الحقّ، ومن يُضعِفُ الحقَّ يضعفَه الحقُّ، والوقوف ضد من يشكل الخطر الحقيقي على حياة الناس وأمنهم لا يزيد الإنسان إلاّ قوّة واحتراماً ومصداقية، وهؤلاء المعنيون والحريصون هم الوحيدون الذين يجدون مكاناً في كتب التاريخ المستقبلية، أما المتواطئون على حياة ومستقبل البشر، فينتظرهم شرّ مصير مهما أبدوا اليوم من قوّة وتجبّر.