هولوكوست (2) قيد الصنع

د. بثينة شعبان

 6 شباط 2006

    استوقفتني عبارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لدى زيارتها إسرائيل و وضعها إكليلاً من الزهور على نصب ياد فاشيم التذكاري لضحايا المحرقة التي ارتكبتها ألمانيا ضدّ اليهود بأنها باسم الحكومة الألمانية و الشعب الألماني تـُعرب عن "خجلها الشديد"  و ذلك بعد أن أكـّدت أنّ "وجود دولة إسرائيل كان و سيظلُّ إحدى الركائز التي لا تـُمَس للسياسة الألمانية و يمكنكم أن تكونوا واثقين من ذلك، و أقول ذلك باسم الحكومة الألمانية و باسم الشعب الألماني"  معربة ً عن "خجلها البالغ".    و كانت تلك الصورة لها و هي تضع إكليل الزهور على نصب ياد فاشيم هي الأكثر رواجاً بما لا يُقاس من أي صورة لها ظهرت خلال زيارتها لإسرائيل و الأراضي الفلسطينية المحتلة و كأنّ الرسالة الوحيدة التي نجمت عنها هذه الزيارة أنّ ألمانيا بشخص مستشارتها تعتذر من جديد عن المحرقة التي ارتكبتها ضدّ اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي و هي مستعدّة أن تفعل كلّ شيء لتكفـّر عن هذه الخطيئة التاريخية بحقـّهم حتى  و إن أدّى ذلك إلى ارتكاب جريمة جديدة هي إلغاء حقوق الشعب الفلسطيني و دعم جرائم الإبادة التي يرتكبها الإسرائيليون يومياً ضدّ الشعب الفلسطيني و جميعنا يعلم أنّ هذا الشعور بالذنب تجاه اليهود و الرغبة في التكفير عنه يشكـّلان جوهر السياسة الغربية المعادية للعرب و السبب الأساس لسكوت أوروبا عن المجازر الدموية التي ترتكبها إسرائيل يومياً ضدّ العرب و قتلها اليومي لأطفالهم و التنكيل بهم و مصادرة أراضيهم و مياههم و تشويه تاريخهم و تدمير مستقبلهم     و تدميرها لفلسطين وطناً و دولة مستقلـّة للفلسطينيين.

     و بما أنّ المحرقة شأن أوروبي و لا علاقة للإسلام و المسلمين أو العرب بها من قريب أو بعيد فإنّ هذا الموضوع من المفترض أن لا يعنينا إلا بما يختص بإدانته و دفع آثاره السلبية عنا إذ لا يجوز أن تكفـّر أوروبا عن ذنوبها ضدّ اليهود من خلال السماح لإسرائيل بخرق كلّ القوانين و الشرائع السماوية و الدولية ضدّ العرب فالأوربيون هم الذين اضطهدوا اليهود دون وجه حقّ طوال قرون و بلغ الاضطهاد ذروته  في ثلاثينيات القرن العشرين.

    و النقطة الأخرى التي تعنينا في الموضوع هي أنّ حرباً صليبية حقيقية قد بدأت في الغرب ضدّ الإسلام و المسلمين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول و التي تتحوّل يوماً بعد يوم إلى محرقة جديدة ترتكبها قوى أوروبا النازية الجديدة في القرن الحادي و العشرين و لكن هذه المرّة هذه النازية الجديدة ليست ضدّ اليهود بل هي موجهة ضدّ المسلمين حيثُ أنّ الحروب التي شـُنَّت على المسلمين و مازالت  آلة القتل الغربية متآلفة في ارتكاب جرائم الحرب في أفغانستان و العراق و فلسطين  و باكستان و للمسلمين المواطنين في دول غربية حيثُ تنتشر السجون السريّة التي تشهد اعتقال و تعذيب و قتل المسلمين على "الشبهة"  مما يُبرهن دون أدنى شكّ أنّ عبارة "الحملة الصليبية"  التي استخدمها الرئيس بوش في أعقاب الحادي عشر من أيلول لم تكن "زلـّة لسان"  بل كانت عنواناً لسياسات تمّ الشروع بتنفيذها من قِبَل تحالف قوى النازية الجديدة التي تتبناها العديد من القوى السياسية في الدول الغربية. و لا بدَّ اليوم من قرع أجراس الإنذار قبل أن تمضي بوادر هذه المحرقة ضدّ المسلمين و التي بدأت دون شكّ بإجراءات و استهدافات تـُـشبه إلى حدٍّ كبيرٍ السياسات و المظاهر و الإجراءات التي ارتكبتها النازية الأوروبية في ثلاثينات القرن الماضي ضدّ اليهود و لا ينفع أن تقدّم الدول الغربية الاعتذار لاحقاً للمسلمين كما تفعل اليوم لليهود بعد قتل و إذلال و تهجير الملايين منهم خلال السنوات القادمة كما تدلّ بوادر التضامن الإعلامي و السياسي الأوروبي الواسع في استخدام "حريّة التعبير" للإساءة إلى الإسلام و المسلمين و مقدّساتهم و قيمهم و نبيّهم الكريم عليه السلام.

      فبعد الحرب على دول إسلامية بذرائع مختلفة و استمرار الضغوط  و التهديدات و العقوبات ضدّ الواحدة تلو الأخرى من بلاد المسلمين بذريعة أو بأخرى لسلبها حقوقها في الحريّة و الاستقلال و الازدهار تـُشنّ حملات التشويه  و التمييز العنصري الإعلامية و السياسية و القانونية ضدّ المواطنين من معتنقي الإسلام في الدول الغربية قاطبةً و الذين يُـزجُّ ببعضهم في السجون السريّة  و العلنية دون محاكمة بحجّة أنـّه  "مُشتبه بهم"  بينما تنطلق الدعوات من مسؤولين في أوروبا  لترحيل بعضهم إلى بلدانهم الأصلية و نزع الجنسية عن بعضهم الآخر و هذه الإجراءات كما يُـحذر حتى بعض قادة اليهود في فرنسا: "هي ذاتها التي اتـُخِذَت ضدّ اليهود في عام 1930" "أولم يلجأ موسليني و هيتلر إلى إسقاط الجنسية عن اليهود"  يسأل المؤرخ الفرنسي جيرار نويريل و يحذّر بأن  "الإجراءات التي تـُتـّخذ  ضدّ المسلمين في فرنسا اليوم تُذكـّر بقوّة بمعاملة فرنسا لليهود في ثلاثينيات القرن الماضي". و عندما يُصبح العداء للمسلمين اليوم و التمييز ضدّهم ورقة في الحملات الانتخابية لمرشحي الرئاسة أو الوزارات أو البرلمانات في أوروبا فإن هذا يرسل رسالة واضحة لا لبس فيها للمتطرفين و النازييّن الجدد في الإعلام و السياسة و مواقع العمل و السكن بأن إذلال المسلمين و التمييز ضدّهم هو أمر مقبول رسمياً   و يحظى بدعم الفئات الحاكمة و  قادة أوروبا. فقد بدأت منظمة يمينية "أم أنها نازية جديدة؟؟!!"  تُسمّى  "كتلة الهويّة"  بتوزيع حساء للمشرّدين يحتوي على لحم الخنزير كي لا يتمكن المسلمون و اليهود من تناوله و ترافق ذلك مع نشرات تقول "إنّ لحم الخنزير كان دائماً مكوّناً أساسياً في الثقافة و الإرث الفرنسيين"  و كما تمّ اضطهاد الطالبات المسلمات في فرنسا بذريعة أنّ غطاء الرأس ليس من مكونات "العلمانية"  الفرنسية. و بدأت المجموعات المتطرّفة في بلجيكا بفعل الشيء ذاته بتوزيع حساء لحم الخنزير مع نشرات مماثلة، أما الدانمارك فقد أصبحت البلد الذي يمثـّل رأس حربة الكراهية الأوروبية التقليدية للآخر خاصة ما يتعلق بالشرق و هي اليوم تشنّ حملة العداء للإسلام بشكلٍ رسمي في سياساته و على أعلى المستويات ففي التسعينات اعتبر حزب الشعب الدانماركي المسلمين في الدانمارك و الذين يمثـّلون 4% من السكان  "مشكلة مقلقة"  و لكن و بعد أحداث الحادي عشر من أيلول إنضمّ إلى هذا الحزب أحزاب أخرى و أصبحت مسألة  "وجود المسلمين" في الدانمارك قضية انتخابية و ركـّز الإعلام بشكلٍ كبير على مشاكل المهاجرين المسلمين ليلصق بالإسلام صفة  "العنف"  و  "التطرّف"  و  "المحرمات"،  و تتم مناقشة مشاكل اجتماعية للهجرة من زاوية دينية بحتة و انضمت جلالة الملكة إلى جوقة الكراهية بتعبيرها عن القلق من المشكلة التي يمثـلها بعض رعاياها  "المسلمون".  و نال حزب الشعب الدانماركي جماهيرية من خلال توجيه إهانات متواصلة للمسلمين و وصفتهم إحدى أعضائه المرشحة لبلدية كوبنهاغن لويس فيريفريت بأنهم "مرض سرطاني في المجتمع الدانماركي". كما قال مارتن هنركسن الناطق باسم  حزب الشعب الدانماركي "أنّ الإسلام منذ بدايته كان حركة إرهابية"  محذراً  "من السماح للمسلمين بأن يترشحوا لعضوية البرلمان أو للمجالس البلدية".   و وصف هنركسن من يعتنق الإسلام من الدانماركيين بأنهم  "مجرمون أخلاقيون"  و يحفل موقع هنركسن بالعداء و الإهانة  للإسلام و لدى مناقشة موقعه في جلسة برلمانية قال إنّ  "إنتقاد الإسلام يمثـّل السياسة الرسمية لحزبه".  و السؤال الذي يوجّه لقادة الدانمارك هو: هل كانت تصريحات هتلر و غوبلز و غيرهما من عتاة النازية ضدّ اليهود و اليهودية تختلف حتى بالنص و الحرف عن هذه التصريحات الدنماركية الرسمية ضدّ الإسلام و المسلمين!!.  و انطلاقاً من هذا الجوّ و الخلفية أتت مسابقة جريدة الياندبوستن لتنشر رسوماً كاريكاتورية مسيئة إلى نبيّ الرحمة    و السلام (ص).  لم يوجّه الإسلام أو المسلمون يوماً أيّ إساءة إلى الدانمارك أو النرويج أو فرنسا أو بريطانيا بل على العكس تماماً. كما أنّ كلّ هذا لا علاقة له  "بحريّة الإعلام"  و  "حريّة التعبير"  كما يدّعي رئيس وزراء الدانمارك  أو وزير خارجية فرنسا فليس هناك شيء في حريّة التعبير يسمح بالإساءة إلى مقدّسات الآخرين و قيمهم و تاريخهم و إلا لماذا أصدرت هذه الدول قوانين تـُحرِّم مناقشة المحرقة!

      إن الوقائع تشير إلى أنّ أوروبا تشنّ هولوكوست جديد منظم ضدّ المسلمين في كلّ أنحاء العالم تماماً و ما يحدث للمسلمين في أوروبا اليوم حدث ما يماثله تماماً لليهود في ثلاثينات القرن الماضي. فالمسلمون في الولايات المتحدة و أوروبا يضطرون اليوم إلى تغيير أسمائهم إلى أسماء مسيحية و خلع حجابهم و محو آثار الهوية التي تدلّ على أنهم مسلمون في وجه حملة عنصرية تستهدفهم جميعاً لكونهم مسلمون. و المسألة هي أنّ النبيّ العربيّ محمد  (ص)  قد جاء من ربّ العالمين برسالة المحبّة و السلام من قلب الصحراء العربية ليؤمن به و برسالته اليوم مليار   و نصف المليار من البشر. و السؤال هو: من هم هؤلاء الذين يتجرأون اليوم على الإساءة لشخص و رسالة خاتم الأنبياء محمد (ص)؟  و ماذا قدّموا للبشرية سوى الحقد و الكراهية و الإساءة و الفتنة بين الشعوب؟  قدّم النبيّ العربيّ (ص) للبشرية دين الحضارة الغنيّ بقيم الحوار و التعارف و الرحمة و التثاقف الذي انعكس على وجود معتنقي الأديان السماوية الأخرى طوال خمسة عشر قرناً من عمر الإسلام داخل المجتمعات الإسلامية دون مشاكل فالإسلام حفظ لهم حريّة العبادة و العقيدة  و لم يشهد تاريخ الإسلام حرباً دينية على معتنقي دين أو على عرق أو لون من البشر و لذلك لا يشعرون  "بالخجل البالغ"،  كما تشعر ميركل،  و ليس لديهم عقدة الذنب للتكفير عنها تجاه الشعوب الأخرى التي تبنـّت الإسلام بإرادتها الحرّة.  و السؤال الأهم هو هل سيرتكب الغرب مجدداً جرائم هولوكوست من إذلال و قتل و قمع ملايين المسلمين بين ظهرانية و في بلدانهم قبل أن يستيقظ بعد خمسين عاماً ليعتذر  و يـُعبِّر عن  "خجله" ؟!   و هل قرّر متطرفوا أوروبا و النازيون  الجدد فيها التعبير عن حقدهم الدفين ضدّ الآخر و ارتكاب هولوكوست جديدة بحقّ أتباع ديانة جديدة معبّرين عن حقدهم ضدّ الإسلام بدعم الجرائم التي ترتكبها إسرائيل من احتلال  و مجازر و قتل يومي و عنصرية معادية للعرب؟

     لقد ربط نازيو ألمانيا القدماء اليهودية بالعنف و اتهموا اليهود بالإرهاب و شنـّوا حملات دعائية معادية ضدّ مقدّساتهم و حرياتهم و ممتلكاتهم و هو بالضبط ما يرتكبه بعض السياسيين من النازيين الجدد في أوروبا موجهين حقدهم و اتهاماتهم  "بالعنف"  و  "الإرهاب"  و  "التطرّف"  للمسلمين و مقدّساتهم.

     إن أوروبا مطالبة اليوم بإصدار قوانين تمنع الإساءة للإسلام  و المسلمين كما أصدرت متأخرة قانوناً يمنع التشكيك في الهولوكوست. كما أنّ العرب و المسلمين مطالبون بالاجتماع و اتخاذ قرار جماعي و استصدار قرار دولي يمنع الإساءة إلى دينهم و إنّ ضعف الردود الإسلامية تـُري عدم الفهم لعمق ما يـُحاكُ ضدّ شعوبهم    و هويتهم و ما لم يكن الردّ الإسلامي يرقى إلى مستوى التحدّي الخطير الذي يواجههم فإن الهولوكوست سيستمر ضدّهم و يستمر بالاعتداء على رموزهم و دينهم و مقدّساتهم مما يشكـّل أكبر خطر مستقبلي عليهم و على أمن و سلام العالم بأسره