نظرية الدومينو بالاتجاه المعاكس

 

د. بثينة شعبان

23Jan. 2006

 

قبل الحرب على العراق كثر الحديث عن نظرية الدومينو في المنطقة العربية و فحواها  أنه ما أن "تشرق" الحرية على دولة عربية حتى تتسارع الأحداث فتسقط  الأنظمة العربية الواحدة بعد الأخرى تحت ضغط المطالبة الشعبية بديمقراطية مماثلة و حرية شبيهة بتلك التي سوف يتمتع بها الشعب العراقي و التي كان من المفترض أن يغبطه عليها الشعب العربي في أقطاره العديدة فيسارع لخلق مثيل لها في دياره و ربما من خلال إتباع الأسلوب ذاته أي بقوة السلاح الأمريكي. و لكن و بعد ثلاث سنوات تقريباً على حرب الاحتلال الدموي الأمريكي للعراق اتضح جوهر و شكل الديمقراطية الذي تريده الإدارة الأمريكية الحالية. فالديمقراطية التي صدرتها الإدارة للعراق والتي تريدها للبنان تعتمد أساساً على قيام نظام سياسي موالي يحركه السفير الأمريكي و يقوم على أساس تمزيق الشعب العربي إلى طوائف متصارعة، و كذلك على أساس خلق عداء بين البلدان العربية وفق المصالح الأمريكية. و اتسم النموذج العراقي بأنهار الدم البريئة التي تتدفق يومياً من ضحايا "الديمقراطية" بالإضافة إلى تدمير الدولة العراقية، و ارتكاب المجازر اليومية، و التعذيب، و السجون السرية، و انتهاك فاضح لحقوق الإنسان. فيما استُخدم أسلوب الاغتيال لزعزعة استقرار لبنان و إحداث شرخ في العلاقة السورية اللبنانية، و يتم استخدام الخونة و الانتهازيين و شهود الزور لزعزعة استقرار سورية و جرّها إلى هذا المستنقع "الديمقراطي".

 

     إلا أن هذا لا ينفي أن نظرية الدومينو نظرية صحيحة و لكن في الاتجاه المعاكس فقد  أخذت تتبلور بشكلّ جليّ مؤخراً و لكن في مكان مختلف من الكرة الأرضية، في مكان ضرب به المناضل العالمي تشي غيفارا مثالاً إنسانياً في الدفاع عن الوطن و في بلد شهيد الديمقراطية الرئيس التشيلي المنتخب الليندي الذي يمثل قتله رمزاً للظلم و الاعتداء على سيادة البلدان و حريات الشعوب و خياراتها. فبعد أن برهنت تلك الجزيرة الصغيرة كوبا الجاثمة على أطراف قوة عظمى لا تنفك تفرض عليها الحصار و التهديد، أنها عصيّة ٌ على السقوط في براثن العبودية الجديدة و ساعدت بثباتها و حرصها على استقلالها و مبادئها شعوب بلدان أخرى في أمريكا الجنوبية على إسقاط أنظمة الوصاية و التبعية فتحدى الفنزويليون بزعامة هوغو شافيز غطرسة القوة الدولية و تحدوا المؤامرات التي حيكت ضدّهم و قاموا بإعادة موارد فنزويلا لشعبها ثم كرّت الدومينو في بلدان أمريكا الجنوبية واحداً تلو الآخر لتتصدّى شعوبها لمحاولات نهب ثرواتها و الإجهاز  على هويتها و طمس حضارة شعبها الأصلية و تُوّجت هذه المحاولات بنجاح  ايفو موراليس من السكان الأصليين في انتخابات بوليفيا و بصعود المرأة المناضلة ميشيل باشليه و التي سجن والدها مع اليندي كما سجنت هي بعده، إلى سدة الرئاسة في تشيلي دافنة بذلك  عقوداً من الظلم على كلّ الأحرار و المناضلين من أجل الحرية و الديمقراطية الحقة الذين تجرأوا أن يصدحوا بحناجرهم الحرّة ضد محاولات فرض الديكتاتورية العسكرية و الهيمنة  الأجنبية على تشيلي و دفع الكثيرون منهم حياتهم ثمناً لمواقفهم و لكنّ إيمانهم بشعوبهم و مستقبل هذه الشعوب لم يمت معهم، وهاهي الأحداث تبرهن أنهم كانوا يمّثلون ضمائر شعوبهم و هاهي الشعوب التي قضوا من أجلها تردّ لهم الدين و الجميل  بأن تعيد الحلبة السياسية إلى الدرب الوطني الذي كانوا يسيرون عليه، درب الكرامة و الحرية و الديمقراطية الحقّة.

 

     إن وصول باشليه، "وريثة" المعاناة في سجون الديكتاتور بينوشيه، إلى سدة الرئاسة في تشيلي ووصول إيفو موراليس،  ابن السكان الأصليين الذين ناضلوا من أجل الأرض و التمسك بالحقوق الطبيعية في بوليفيا، لينضمّا إلى كاسترو و شافيز و لولادي سلفا لا يدع مجالاً للشك أن نظرية الدومينو تنطبق على أمريكا الجنوبية و لكن ليس للترحيب بالديمقراطية التي اعتاد الأمريكان على تصديرها بقوة السلاح و الانقلابات و أنهار الدماء من أجل نهب ثرواتهم الطبيعية بل من أجل تمثيل مصالح الشعوب و تحقيق الاستقلال الوطني الاقتصادي و السياسي الذي يسمح لسكان هذه البلدان التمتع بخيراتها و التحكم  بمقدراتها و الحفاظ على هويتها و ثقافتها و استقلالها. و إذا كان قد مضى اليوم قرابة أربعين عاماً على استشهاد غيفارا و الإطاحة الدموية الظالمة بنظام اليندي الديمقراطي و إبادة الآلاف في بوليفيا و تشيلي و غيرها من بلدان تلك القارة المنكوبة بالتدخل الأمريكي الذين تمسكوا بإيمانهم بالله و طبيعتهم الجميلة و أرضهم المعطاءة فهذا يبرهن على أن الشعوب لا تستسلم للظلم و لا تستكين للهوان و لا تستقرّ على ضيم مهما طال بها أمد المقاومة و النضال من أجل الحرية و الكرامة الوطنية. و في هذا الإطار فإنّ نظرية الدومينو هذه هي التي يجب أن يتطلعّ إليها العرب و المسلمون اليوم الذين يواجهون في مختلف أقطارهم و في المغتربات حملاتٍ شعواء تشوّه ديانتهم السماوية و تطارد المؤمنين منهم بحقوقهم في السيادة و الاستقلال و تنزل بهم بطشاً و سجناً و اعتقالاً و اغتيالاً لكي يستمدوا من دومينو أمريكا الجنوبية المثل الصالح بأن التضحية من أجل الحق و العدالة و الحرية لا تذهب سُدىً و لو بعد حين و أن يستقوا من تجارب تلك الشعوب التي عانت من حملات إبادة شبيهة جداً بما يتعرض له الفلسطينيون و العراقيون اليوم الرافضون للاحتلال كما عانت من مؤامرات لضرب العلاقات بينها و لكنها خرجت من هذا النفق المظلم و شكلت مجموعة دول ال"ميركوسور" و أعادت الخطاب الإعلامي و السياسي إلى منطق احترام الذات و الهوية القومية و تمجيد الحرية و الاستقلال و السيادة بدلاً من الترامي في أحضان من يعتدي على البلاد و مقدرات البلاد تحت شعارات برّاقة و ذرائع مختلقة.

 

     و اليوم يتجاهل التحالف المسيحي الدولي أبسط أسس الشرعية الدولية و القانون الدولي حين يتعلق الأمر بالعرب و المسلمين و تحاك  أقسى المؤامرات ضدّ أقدس مقدساتهم في المسجد الأقصى و بيت لحم و تعمد الآلة الدعائية المرافقة لهذه الحملات على بثّ روح الإحباط و الاستكانة و الهوان لتقنع العرب أنهم ضعفاء أو إرهابيون أو لا أمل لديهم في انتزاع حقوقهم من براثن استعمار استيطاني يتمتع بالقدرة النووية و بابتزاز المجتمع الدولي لتأييده أو للتغاضي عن جرائم الإبادة التي يرتكبها بحق السكان الأصليين في فلسطين و الجولان و مزارع شبعا. و إذا كان العرب و المسلمين غير قادرين اليوم على دحر هذه الحملة العاتية ضدّهم فإنهم قادرون على الاحتفاظ بالإيمان بحقوقهم و كرامتهم و أخلاقهم و حتمية انتصارهم في المستقبل على كل شرور الظلم و الإبادة و القتل و الدمار التي يصدّرها لهم التحالف الأوربي الأمريكي الاستعماري. و كي يتمكنوا من اختصار الوقت و الحصول على مساندة و دعم  كلّ الأحرار في العالم عليهم أن يعدّوا العدة الفكرية و السياسية و الدبلوماسية و الإعلامية و أن يتحركوا لمواجهة  هذه الحملة الاستعمارية الظالمة التي تنتهك مقدساتهم و تجرّح بنبيهم الكريم الصادق و تصوّرهم بأبشع الصور في وسائل الإعلام و تنزل أقسى أشكال التعذيب  بكلّ المناضلين الأحرار في سجون الاحتلال و تقصف و تدمّر المدن و القرى و ترتكب المجازر بحق الأبرياء بحجة أنهم "مشتبه" بهم، كلّ ذلك لطمس حقيقة حقّ العرب في أرضهم و مواردهم و تغييب حقيقة التعايش الغني و المغني في ظل الدين الإسلامي الحنيف و الذي اتسم باحتضانه لأبناء الديانات الأخرى و تقديس مقدساتهم و السلام و التبارك على أنبيائهم بينما يعاني المسلمون في البلدان التي تدعي التحضّر تمييزاً عنصرياً شرساً لكونهم مسلمين كما تهدد دول  باستخدام أبشع أسلحة الدمار الشامل بحقهم تحت ذرائع مختلقة.

 

     إن نظرية الدومينو المعاكسة في أمريكا الجنوبية اليوم تشكّل درساً مفيداً للعرب و المسلمين يجب أن يتعلموا منه من أجل اختصار دورة الظلم التي تستهدفهم اليوم و الإسراع  بإحلال  العدالة و الكرامة الإنسانية و الأخلاق الإسلامية العالية التي دعا إليها القرآن الكريم و خاتم الأنبياء و الرسل و لنؤمن جميعاً أن التضحية واجب  من أجل صون الحقوق و السيادة  و لنعمل اليوم كي يعيش أبناؤنا مرفوعي الهامات في المستقبل و كي نرسي لهم ركائز الحياة الحرة الكريمة فمن يتذكر اليوم كلّ من تآمروا ضد المناضل المنتفض تشي غيفارا و ضدّ الرئيس المنتخب  الليندي بينما لا تزال منارتهما تسطع للأجيال و تحفزّها للعمل من أجل الحرية و الديمقراطية و الاستقلال الحقيقيين. إننا قادرون كعرب و مسلمين أن نصنع مستقبلنا الآمن المزدهر إذا وحدنا الكلمة و رصينا الصفوف و آمنا بالله و بالحق و العدالة و عملنا متكاتفين ضد الظلم و القهر و القتل و العدوان و مؤمنين بحتمية انتصارنا لأن العدالة و الحق  لا بد و أن ينتصرا على الظلم و الباطل