"إذا وعيتَ ما مضى .. حفِظتَ ما بقى.."

سيدنا علي كرّم الله وجهه

د. بثينة شعبان

25 أيلول 2006

حين يُقال أن التاريخ يعيد نفسه فذلك لأنّ البشر هم نفسهم، وهم يعيدون إنتاج تاريخهم وما لم يتمّ استيعاب هذا التاريخ ودراسته ووضع الآليات لتجاوز نقاط ضعفه والبناء على نقاط قوّته سيبقى التاريخ يعيد نفسه، وستبقى الشعوب هي هي تندب حظّها، أو تلقي باللوم على الآخرين. والمشهد العربي اليوم يعيدنا إلى عشرات الأحداث في الماضي حين تمّت الاستهانة بالعرب واستقلالهم، وتفاقمت الأطماع بثرواتهم ومقدراتهم وأرضهم ومياههم. ومن حقّ الكثيرين أن يستغربوا مجريات الأحداث في العالم العربي، ولكن نظرة سريعة إلى بعض محطّات الماضي تساهم في فهم أسباب الحاضر.

حين وصل الأسطول الفرنسي إلى ميناء الإسكندرية في الثاني من تموز عام 1798 كان نابليون يستقلّ سفينة اسمها "الشرق" وقد خاطب الشعب المصري بأنه "المدافع عن الإسلام"، وأنّه "صديق الناس ومنقذهم" من العثمانيين حيث قال: "لقد قيل لكم أنني أتيت إلى بلدكم لأدمّر دينكم. هذه كذبة مفضوحة، لا تصدقوها. قولوا للكاذبين أنني أتيت لأنقذكم من أيدي الطغاة. إنني أعبد الله (عزّ وجل) أكثر مما يفعل المماليك بكثير وأحترم النبيّ والقرآن الكريم. أيها الشيوخ والقضاة والأئمة والضباط والوجهاء قولوا لشعبكم أنّ الفرنسيين مسلمون مخلصون", ولكن في الأسطول البحري كان هناك عشرات الكيميائيين والمؤرخين وعلماء الأحياء والآثار والجراحين، والذين كان عملهم أن يوثّقوا كلّ شيء يرونه، حيث أنّ الهدف الحقيقي كان إعادة تعريف مصر وجعلها واحدة من حلفاء أوروبا. وقد صدرت نتائج أعمال كلّ هؤلاء في ثلاث وعشرين مجلد ضخم تحت عنوان "وصف مصر". ما زال الدّارسون في الغرب يعتمدونه كمرجع أساسي للتعريف بمصر وتراثها وتاريخها، والذي كتبه مستشرقون فرنسيون طبعاً.

وحين أخبر بلفور البرلمان البريطاني عام 1910 عن خطط احتلال مصر والشرق الأوسط اتضحت فكرة التعالي والعنصرية والاستشراق التي بدأت بالتّشكّل منذ حملة نابليون، حيث قال بلفور: "إنه أمر جيد لهذه الأمم العظيمة – وأنا أعترف بعظمتهم – بأن نمارس نحن الحكم المطلق. أعتقد أنه أمر جيد. أعتقد أن التجربة تُري بأنهم حصلوا على حكومة أفضل مما كان لديهم في تاريخهم السابق، وهذا ليس مفيداً لهم فقط، ولكن من دون شكّ فهو مفيد للعالم المتحضّر برمّته". وما زالوا اليوم يعتقدون أنه من المفيد أن يحكموا العرب وأن هذا مفيد للعرب وللعالم "المتحضّر" ولكن للأسف أخذ بعض العرب يؤمنون بهذا الرأي.

في العاشر من حزيران عام 1919 بدأت لجنة "كينغ غرين"، التي أرسلتها قوات الانتداب البريطاني إلى فلسطين للاطلاع عن كثب على الصراع الدائر بين الفلسطينيين والمهاجرين الصهاينة، وبدأت عملها في يافا، وعقدت لقاءات مع مندوبي 58 قرية في منطقتي اللدّ والرملة، حيث شرحت الجمعيات الإسلامية - المسيحية للجنة تمسّك الأهالي بوحدة فلسطين وسورية واستقلالها ورفض الصهيونية والهجرة اليهودية، واستخلصت اللجنة أنّ هناك إجماعاً على وحدة سورية بأقاليمها الثلاثة وعلى رفض البرنامج الصهيوني رفضاً تاماً. وبالرغم من إلحاح الجمعيات الإسلامية والمسيحية على مطالب المؤتمر العربي الفلسطيني، والتي رُفعت إلى اللجنة والتي تؤكّد على استقلال سورية الطبيعية استقلالاً تاماً، واستقلال فلسطين استقلالاً داخلياً، وأن يكون جميع حكامها من الوطنيين وتُسنّ قوانينها الداخلية وفقاً لرغبات السكان وحاجات المواطنين، مع الإصرار على رفض الهجرة الصهيونية رفضاً باتّـاً والاحتجاج على جعل فلسطين وطناً قومياً لليهود بكلّ قوة. وأمّا اليهود المستوطنون في البلاد، فهم مثل أبنائها في الحقوق والواجبات، على الرغم من كلّ ذلك فكلّنا يعلم أين وصلت الأمور في فلسطين اليوم.

أين نحن اليوم من اللجان الدولية والوعود الأوروبية والأمريكية ومقررات "العالم المتحضّر" التي رأت في العرب طوال القرون الماضية "أناساً كسالى يمتلكون الكثير من الخيرات وقليل من الحكمة والإدارة" وهي الصورة الأصلية التي رسمها خبراء نابليون، والتي تنقلها منذ ذلك الحين الأفلام والكتب والمقررات المدرسية الغربية إلى المشاهد والقارئ والطالب والتلميذ والمثقّف والسياسي والإعلامي ورجل الدين الغربي منذ قرون. وفي الأمثلة الآنفة الذكر، ومئات الأمثلة التي يمكن للباحثين سردها من خطط وحملات غربية لاستعمار منطقتنا يتكرر عامل واحد على مرّ العصور، هو أنّ "عوامل الضعف ذاتية، رغم كلّ الشكوى من حجم المؤامرات والعدّة التي تعدّ لتنفيذها". وفي المرحلة التي تلت ما سُمّي بمرحلة الاستقلال أخذ الطامعون في هذه الأمة بالتركيز على استهداف مواطن ضعف العرب وتحديد المهزومين والمتواطئين ليكونوا رأس الحربة لتمرير مخططاتهم باسم الحرص أو الدفاع أو العناية أو الحكمة وحتى الشفقة والرحمة. ولا يظهر في هذا الصدد أنّ العرب قد تعلّموا من تاريخهم وعلاقاتهم بالغربي شيئاً يستخدمونه في المواجهات الحالية والمستقبلية. فمن يقرأ مقررات وأسلوب لجنة "كينغ غرين" في فلسطين عام 1919 ويرى إلى أيّ حال آلت إليه فلسطين اليوم كمن يقرأ مؤخراً وثائق ودراسات مشروع "مستقبل العراق" والتي سمحت وزارة الخارجية الأمريكية مؤخراً بالاطلاع عليها، وهي تتألف من /13/ مجلد موجودة على موقع أرشيف الأمن القومي الأمريكي. حيث تشكّلت قبل غزو العرق (17) ورشة عمل من "العراقيين الأحرار والخبراء"، اجتمعت (14) لجنة منها في عامي 2002 و2003 للتخطيط لعراق ما بعد صدّام بتوجيه وإدارة من الأمريكان القادمين "لبسط الديمقراطية في العراق وإنقاذ الشعب العراقي من حكم الطاغية". وفي إطار عمل هذه اللجان اقترح بعض العراقيين، الذين استبعدوا من الورشات المعنية بالنفط والأمن والدفاع، أنّ الولايات المتحدة "بحاجة أن تبقى في العراق لمدة خمس إلى عشر سنوات لاستكمال بناء الديمقراطية" بعد أن يتمّ حلّ العراق كبلد وإعادة صياغته على الطريقة الأمريكية.

والسؤال هو هل استعانت الدول الغربية بخبراء من خارج بلادها لإعادة هيكلة البلاد؟ وهل أثبت تاريخنا مع الغرب أنّ الغرب يعامل بلداننا وشعوبنا كما يعامل بلده وشعبه في البناء والازدهار؟ وهل هي مسؤولية الغرب أن يبني لنا أوطاننا، أم أنه أتى دائماً لطمعه بأرضنا ومياهنا وثرواتنا وخيراتنا؟! إنّ قراءة نقاش اللجان التي كانت تعدّ لعراق ما بعد صدّام تبعث على الخجل خاصة في ضوء تدمير العراق تدميراً كلياً حيث كان هذا وما يزال هو الهدف الحقيقي من الحرب عليه، وعلى أيّ بلد عربي آخر، وهل ينتظر بعض العرب نشر التقارير التي تعدّها حلقات بحث أخرى عن لبنان أو السودان أو سورية كي نتيقّن مجدداً أنّ قوات الاحتلال الغربية تأتي فقط لخدمة مصالح بلدانها، وليس لخدمة العرب، كما يتوهّم البعض منهم، لأننا لم نرتقِ في نظرهم وفي نظر المتواطئين معهم، إلى مستوى الندّيّة التي يمكن أن تحفّزهم للتعامل معنا باحترام، لأنّ البعض منّا يرفض أن يعتنق قضايانا باحترام وإخلاص. لقد عادت إسرائيل بعد حربها على لبنان تبحث عن المتواطئين ليقوموا بمهماتها الصعبة في تفتيت الموقف العربي، فهل نتّعظ جميعاً أن تدويل لبنان ودارفور، واستمرار القتل في فلسطين والعراق كلّها تؤكّد استمرار النهج الغربي الاستعماري بكلّ أشكاله في التعامل مع منطقتنا، وبعد قرون من صدور "وصف مصر"، وعقود من صدور وعد بلفور، وسنتين من صدور "مستقبل العراق"، لا بدّ للعرب من امتلاك وضوح في الرؤية والقول والموقف، بأنّ من يقف مع قوى الاستعمار والانتداب يقف ضدّ مصالح شعبه ووطنه. لقد آن الأوان للبعض من العرب أن يحزموا أمرهم ويخرجوا من فلك الدوران في شبّاك المصالح الغربية واستبدال ذلك بتشكيل مرجعية عربية تنطلق من المصلحة العربية، والمهم هو أن تسبر رؤاهم ولغتهم وأفعالهم أعماق ما يُدبّر لهم، وأن تضع الخطط والأعمال البديلة التي تضمن استقلالهم وتصنع لهم الكرامة والعزّة والازدهار