دروس من استراليا
د. يثينة شعبان
18 ايلول 2006
في حفل أقامته لنا بلدية ماركفيل، والتي وقّعت اتفاقية مع مدينة صافيتا، كانت الكلمة الأولى للسيد نيستر، من السكان الأصليين، ليرحّب بنا في أرضهم. وكنت لاحظت في جامعة غرب سيدني وجامعة ماكواري، وحينما يتمّ اجتماع أو احتفال أو محاضرة، يبدأ الحدث بكلمة ترحيبية من قبل أحد السكان الأصليين (الأبورجينز) وعلمت بعد ذلك أنّ هذا التقليد بدأ عام 1975 بعد أن أصدر رئيس الوزراء الأسترالي في ذلك الوقت، السيد ادوارد جوف ويتلام، قانوناً يعترف بأنّ الأبورجينز والكورنجي هم أصحاب هذه الأرض الأصليين حيث نصّ القانون: "أسلّمكم بوقار هذه الأفعال كبرهان في القانون الأسترالي بأنّ هذه الأرض هي أرض الشعب الكورنجي، وأضع في أيديكم هذا الجزء من الأرض نفسها كإشارة أننا نعيدها إليكم وإلى أولادكم للأبد". جاء هذا بعد مئتي عام تقريباً من وصول كابتن كوك إلى شواطئ أستراليا في عام 1780 وإعلانه أنّ هذه الأرض خالية من السكان، وهذا ما حدّثنا به نيستر قبل بداية الاحتفال. قال نيستر: "كان آباؤنا وأجدادنا يعيشون على هذه الأرض منذ بدء الخليقة، منذ آلاف السنين ولنا ثقافتنا وأساطيرنا وشعرنا وأدبنا وفنوننا وأحلامنا وأماكننا المقدّسة. وحين وصل الإنسان الأبيض في البداية رحّبنا به معتقدين أنّه قادم من أجدادنا لأنّنا نؤمن بإعادة انبعاث الإنسان، ومن ثمّ بدأ الإنسان الأبيض بقتل الآلاف من أجدادنا للاستيلاء على هذه الأرض. نحن لم نعتقد يوماً أننا نملك الأرض ولكن الأرض تملكنا، ونحن متمسكون بها وبحياتنا عليها". وكان نيستر قد فقد رجله في إحدى المعارك التي كان يدافع بها عن أرضه وحقوق شعبه. وبعد ذلك زرت نيستر في منزله لأجد أنّ السكان الأصليين يتمسّكون بالعائلة، ويعيش الأجداد مع الأولاد والأحفاد، ولديهم إرث عظيم من الفن الراقي والذي يعبّر عن حضارة عريقة بالفعل. وحتّى الترس الذي كان يُستعمل للدفاع عن النفس قد تمّ حفر خشبه بطريقة غاية في الدقّة الجمال. وأطلعني على خريطة لأستراليا الأبورجينية وقد توزّعت عليها أسماء مجمّعات وقرى وقبائل مختلفة تماماً عمّا نراه اليوم على خريطة أستراليا. وقال كان هناك مئات اللغات ومئات القبائل من السكّان الأصليين التي عاشت على هذه الأرض لعشرات الآلاف من السنين، ولكن حين قدم المستوطنون أخذوا يقتلون السكان الأصليين ويُهجّرونهم فاغتالوا بذلك لغاتهم وثقافتهم وطريقة حياتهم. وجمعوا الآلاف منهم في مخيمات سُجنوا بها وأُعطيوا أرقاماً لا أسماءً، وعانوا من الفقر والأمراض ومازال من تبقى منهم يعيش في أشدّ المناطق فقراً، وبعضهم ما زالوا سجناء في معتقلات مغلقة، رغم الحديث عن أنّهم يملكون الأرض، وأنّهم أصحاب الأرض الأصليين. وحين تحدّثت في الحفل نفسه عمّا يعانيه الفلسطينيون واللبنانيون والسوريون في الجولان نتيجة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، قالت لي أخت نيستر "أفيميا" لقد سمعت كلّ هذا من قبل، إنّها القصة ذاتها التي جرت لنا، إنّه صراعٌ على الأرض.
والصراع في الشرق الأوسط بالفعل هو صراع على الأرض والمياه وهو صراع بين العرب، السكان الأصليين لهذه الأرض، ومستوطنين قادمين من شتى أصقاع الأرض وطامعين بالأرض والمياه، يختلقون الذرائع لقتل السكان الأصليين وتدمير منازلهم وطرائق حياتهم ولغتهم وثقافتهم وأسلوب عيشهم المختلف. وإذا ما نظرنا اليوم إلى خريطة لفلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي نراها مختلفة تماماً عن التقسيمات والأسماء التي نراها اليوم. كما أنّ تهجير الفلسطينيين قد شتّت أسرهم، وألحق ضربةً قاسيةً بفنونهم وثقافتهم وطرائق حياتهم. واليوم ألقت إسرائيل مليون ونصف مليون قنبلة عنقوديّة في لبنان، واستخدمت الحصار والتدمير الشامل للمنازل والقرى والمدارس والمشافي والطرق والجسور والمطار، وذلك لتدمّر الأرض وتحرم السكان الأصليين من استخدامها وتقتلهم عليها، كما لوّثت البحر واقتلعت الأشجار وجرفت المزارع وحرقت الحقول لتمنع الناس من الاستمرار في أسلوب عيشهم. وكفى لبعض المنظّرين العرب أن يبرّروا للمستوطنين ودولتهم جرائمها، ويتهموا من يقاوم عنفهم الوحشي بأنّه أعطاهم ذريعة، فالمستوطن قادمٌ من أجل الاحتلال، وبذريعة أو بغير ذريعة، حوّل غزّة ومناطق فلسطين الأخرى إلى معتقل كبير للسكان الأصليين، واحتلّّّ خيرة الأرض في فلسطين، واتّبع سياسة التّجويع والإذلال وتشريد العوائل وحرمانها من التواصل والعيش سوية لأنّه يريد أن يحوّل العرب إلى مجرّد فولكلور سياحي لدولتهم بعد أن يتمّ حرمان العرب من الأرض التي كانوا دوماً يملكونها، ويخلق واقعاً يصعب تغييره من قبل الذين يريدون الاعتماد على النوايا الطيبة.
والمستغرب في الحالة العربية، أنّ بعض العرب يتعاونون لاستقدام الأجنبيّ المدجّج بالسلاح، والانحياز الأعمى للمشروع الاستيطاني رغم أنّ الأجنبيّ يصرّح أنّه قادم لحماية إسرائيل، أي لحماية القوّة الاستعمارية والاستيطانية ضدّهم وضدّ حضارتهم وثقافتهم ومستقبل أولادهم، فيقف بذلك ضدّ نفسه وضدّ أرضه وضدّ شعبه وضدّ مستقبله، سواءً أدرك ذلك أم لم يدركه، وهو غارق في خلافاته. ونتيجة عدم وضوح الرؤيا وعدم وضوح الهدف، وعدم تماسك الصفوف، من أجل ذلك نلحظ عدم وجود صورة واضحة عمّا يجري في منطقتنا رغم تطوّر وسائل الاتصالات وسرعتها. فالإعلام العربي غارق في عرض مآسي العرب للعرب، وكأنّ الهدف إحباطهم أو إقناعهم بأنّ لا قدرة لهم على تغيير هذا الواقع مهما حاولوا، لا بل وينقل الإعلام العربي للعرب ليس فقط وقائع احتلال أرضهم وقتل أطفالهم وتلويث مياههم وحملات تجويعهم، بل ويختار الكتّاب المشهورين من الغرب والمعروفين بانحيازهم الكامل ضدّ العرب وحقوقهم وتاريخهم ودينهم لنشر نظرياتهم العنصريّة ومقولاتهم المتطرّفة والتي تُنظّر وتُمهّد لانتصار أعدائنا علينا، كما تشهد على ذلك بعض الفضائيات العربية والكثير من الصحافة المكتوبة بالعربية والإنكليزية. وبهذا تجترّ الشعوب العربية آلامها وبراهين الاستهانة بها وبشبابها وتقاليدها ومقدّساتها صباح مساء، بينما تنتقل نسخة مختلفة تماماً من هذه الأخبار لحكومات وبرلمانات العالم، وهو أنّ "إسرائيل تحاول العيش بسلام" بينما يريد العرب القضاء عليها وإلقائها في البحر، رغم أنّها هي التي تدمّر حياة العرب في فلسطين والجولان وجنوب لبنان. وتصل التعمية على الأخبار الحقيقية إلى درجة أنّ رئيس البرلمان الأسترالي، بول كالفرت، ورئيس مجلس الشيوخ، ديفيد هوكر، لم يسمعا بتعذيب رئيس البرلمان الفلسطيني، عزيز الدويك، في السجون الإسرائيلية وباستمرار إعتقاله مع زملائه لحدّ اليوم، وحين قلت لهما هل تقبلا أن يقبع نظيركم المنتخب من قبل شعبه في الأصفاد، ويتمّ تعذيبه في سجون إسرائيل، قالا: "هذا أمر مريع، لقد علمنا أنّه تمّ إطلاق سراح جميع أعضاء البرلمان الذين سجنتهم إسرائيل منذ فترة". قلت لهم لم يتمّ إطلاق سراحهم وهم منتخبون ديمقراطياً من قبل الشعب الفلسطيني كما أنكم منتخبون. فماذا يفعل البرلمانيون العرب اليوم؟ ولماذا لا يتابع البرلمانيون العرب أخبار زملائهم ولماذا لا يطلبون دعم برلمانات العالم، ولماذا لا يتمّ إطلاعها على ما يجري لأهلهم وشعبهم في فلسطين ولبنان والجولان؟ وكيف يسكت اللبنانيون، كلّ اللبنانيين، والعرب عموماً، عن مليون ونصف مليون قنبلة عنقودية أُلقيت في ديارهم وعلى أرضهم، ولماذا لا يشنّون حملة على المستوى الدولي تجبر مجرمي الحرب من قادة إسرائيل على تنظيف أرضهم من هذه القنابل الشريرة؟ ولماذا لا تتحرّك المنظمات والأحزاب المهتمّة بالبيئة لإقامة دعوى على مجرمي الحرب في إسرائيل لتلويث مياه البحر، وقطع الأشجار، وتجريف المزارع، ونشر الألغام المستهدفة للأطفال حصراً، ولماذا لا يتّجه الإعلام بمآسي العرب إلى المشاهد الغربيّ بدلاً من اتجاهه للجمهور العربيّ والذي لا تزيده هذه الأخبار سوى وهناً وإحباطً وارتباكاً.
إنّ العرب، وهم السكان الأصليون لهذا الأرض الطاهرة والطيبة، يتعرّضون لما تعرّض له السكان الأصليون في الولايات المتحدة وأستراليا من حملات إبادة ونزع سلاح وقتل وتهجير وتسميم مياه وتجويع، ولكنّ الإمكانات المتاحة لهم اليوم يمكن استخدامها لإيقاظ الضمير العالمي وإطلاعه على حقيقة ما يجري، واستنفار القوى المؤمنة بالعدالة الإنسانية المتكافئة أن تقف ضدّ كلّ الجرائم التي ترتكب بحقّ العرب. فهل يمكن أن يشكّل العرب مرجعية مختلفة للصراع الدائر على أرضهم يخبر العالم أنّ الأديان لا علاقة لها بالصّراع، وأنّ المسألة ليست بين يهود ومسلمين ومسيحيين، بل هي مسألة صراع على هذه الأرض التي وُجد العرب عليها منذ آلاف السنين، والتي من واجبهم اليوم استخدام كلّ الوسائل للحفاظ على حقّهم بها وحقّ مستقبل أجيالهم عليها■